السلام عليكـــــــــــــم....

بدأت الأحداث في مدينة لندن عام 1872 ، حيث كان يعيش "مستر فيلياس فوج" وهو رجل ثري ....إنجليزي الطبع والسلوك ..وعضو بنادي "الإصلاح" الذي كان يقضي فيه معظم أوقاته...

كان يعيش وحيداً دون زوجة أو ولد..حياته منظمة ودقيقة مثل الساعة المضبوطة ...وكان حازماً في قراراته لدرجة أنه طرد خادمه بسبب غلطة قد تبدو بسيطة ...فقد أحضر الخادم له ماءً ساخناً درجة حرارته 84 مئوية بدلاً من درجة 86 مئوية ، وهي الدرجة التي يفضلها....

وفي بيته النظيف الهادئ ، جلس "مستر فوج" على مقعد مريح ، منتظراً قدوم الخادم الجديد ...وفي الموعد المحدد بالضبط دخل الخادم وقد نفسه ...قال إنه فرنسي واسمه "جان باسبارتو" ...وإنه اشتغل من قبل في أعمال كثيرة ..فقد كان يغني في الشوارع ...ويلعب الأكروبات ...ويرقص على الحبل ...وعمل أيضاً كضابط في فرقة المطافئ في باريس ....وإنه يود الآن أن يعمل خادماً في بيت أحد السادة الإنجليز ، المعروفين بالانضباط والحياة الهادئة...

وفي دقائق قليلة وافق "مستر فوج" على تعيين "باسبارتو" ...وترد له البيت وانصرف كعادته إلى النادي...


وتناول "مستر فوج" غداءه في الموعد المعتاد ...ثم ذهب إلى صالة القراءة والمطالعة ، وقرأ عدة جرائد إنجليزية معينة ، ثم انضم بعد ذلك إلى مجموعة من أصدقائه الأعضاء في نادي الإصلاح...

دار الحديث بين الأصدقاء في البداية حول حادث السرقة المنشور بالصحف ، حيث تمكن أحد اللصوص من سرقة مبلغ "55" ألف جنيه إسترليني ((الجنيه الإسترليني = 6 دراهم إماراتية)) من أحد بنوك لندن ، واستطاع أن يفر دون أن يتم القبض عليه ....وتداول الأصدقاء في إمكانية هروب اللص بالمبلغ الذي سرقه بعد أن يخرج من إنجلترا ويتجه إلى أي مكان آخر في هذا العالم....

ولذلك انتهى الحديث إلى إمكانية السفر حول العالم ...وقال بعضهم أن الاختراعات الحديثة كالسفن السريعة وقطارات السكك الحديدية قد تساعد في إمكانية الدورانحول العالم في ثلاثة شهور على أقل تقدير...

ولكن "مستر فوج" كان له رأي مخالف ...فقد أمسك بقلمه وكتب على ورقة البيانات التالية ....

7 أيام للسفر من لندن إلى السويس ((بالقطار والسفينة)) – 13 يوماً بالسفينة من السويس إلى بومباي – 3 أيام من بومباي إلى كالكتا – 13 يوماً بالسفينة من كالكتا إلى هونج كونج – 6 أيام بالسفينة من هونج كونج إلى يوكوهاما باليابان – 22 يوماً بالسفينة من يوكوهاما إلى سان فرانسيسكو بأمريكا – 7 أيام بالقطار من سان فرانسيسكو إلى نيويورك – 9 أيام بالسفينة من نيويورك إلى لندن ....وبذلك يكون المجموع ((80 يوماً)) فقط وليس ثلاثة شهور كما يقول الأصدقاء...

وهنا قال أحد الأصدقاء أن ذلك مستحيل ...وأنه يراهن بأربعة آلاف من الجنيهات على صحة رأيه في أن الرحلة حول العالم تستغرق زمناً أكثر من الثمانين يوماً التي حددها "مستر فوج" ...ولكن "مستر فوج" تمسك برأيه وقبل الرهان ...بل وأضاف بأنه يراهن بمبلغ عشرين ألفاً من الجنيهات لكي يثبت لهم أن في استطاعته أن يقوم برحلة حول العالم في ثمانين يوماً فقط ، ودون أية زيادة ولو دقيقة واحدة ...وذلك بشرط واحد هو أن يدفع له الأصدقاء تكاليف هذه الرحلة إذا نجح في القيام بها في الوقت الذي حدده ....وقبل الأصدقاء هذا الرهان ...

وحسم "مستر فوج" الأمر بقوله أنهم الآن في يوم الأربعاء "2" أكتوبر ....وفي الساعة التاسعة إلا ربعاً من مساء هذا اليوم سيقوم قطار من لندن إلى دوفر ....وأنه سيبدأ رحلته حول العالم بهذا القطار ....وعليه أن يعود إلى لندن بعد ثمانين يوماً ، أي في "21" ديسمبر الساعة التاسعة إلا ربعاً....

واندهش الأصدقاء من سرعة القرار الذي اتخذه "مستر فوج" ...خصوصاً وأن الساعة قد بلغت السابعة مساءً ، ولم يبق سوى ساعة واحدة وخمس وأربعين دقيقة على تحرك القطار ...ولذلك نصحه الأصدقاء بأن يسرع إلى بيته ليستعد للسفر ...ولكنه قال لهم أنه ليس في حاجة إلى الاستعداد ، لأنه مستعد دائماً وفي كل وقت....

وعندما وصل "مستر فوج" إلى بيته ، طلب من خادمه الجديد "باسبارتو" أن يجهز حقيبة السفر ، وأن يستعد للسفر معه إلى رحلة حول العالم ....واندهش الخادم طبعاً من هذا القرار المفاجئ ، ولكنه رضخ لهذا الأمر السعيد....((أكيد سعيد لأنه بيسافر حول العالم ))...

كانت الحقيبة لا تحتوي إلا على بعض ملابس النوم الليلية ، ووضع فيها "مستر فوج" مجموعة من الأوراق المالية تقدر بعشرين ألف جنيه ، وطلب من "باسبارتو" أن يحافظ على الحقيبة جيداً لأن هذا المبلغ سيساعدهما في الصرف على تكاليف الرحلة....

وفي الساعة الثامنة وأربعين دقيقة وصل الاثنان إلى محطة السكك الحديدية ليستقلا القطار الذاهب إلى دوفر...وعلى رصيف القطار ، جاء أصدقاء "مستر فوج" الخمسة الذين راهنوه وتراهن معهم ....وقال لهم "مستر فوج" قبل أن يودعهم أنه سيقوم بختم جواز سفره من القناصل البريطانية في كل بلد يصل إليه ليثبت لهم مروره على هذا البلد....

وفي الساعة التاسعة إلا ربعاً بالضبط ....تحرك القطار ....وبدأت رحلة "مستر فوج" وخادمه "باسبارتو" خول العالم...


وصلت السفينة "منغوليا" التي كان يستقلها "مستر فوج" وخادمه "باسبارتو" إلى ميناء "السويس" بعد سبعة أيام من بداية الرحلة...

وفي أحد مكاتب الميناء ، دار حديث بين القنصل البريطاني ومخبر سري بريطاني اسمه "مستر فيكس" ...وكان لدى هذا المخبر فكرة غريبة ، هي أن اللص الذي سرق المبلغ الكبير من أحد بنوك لندن ، سيهرب بهذا المبلغ إلى أمريكا ...ولكنه لن يهرب عبر الطريق المعتاد من إنجلترا إلى أمريكا بعبور المحيط الأطلنطي ، وإنما سيضلل الشرطة والمخبرين السريين اللذين يتعقبونه ، وسيذهب إلى أمريكا عن طريق الشرق مروراً بالهند واليابان ، وعبوراً للمحيط الهادئ حتى يصل إلى أمريكا....

وكان "مستر فوج" أثناء وجود السفينة بميناء السويس قد أرسل جواز سفره مع خادمه "باسبارتو" ليختمه من القنصل البريطاني ...وفي مكتب القنصل تقابل "باسبارتو" مع المخبر السري "مستر فيكس" الذي وجه للخادم بعض الأسئلة ، أجاب عليها الخادم بكل صدق وبساطة ...وبسبب هذه الإجابات رسخت في ذهن المخبر السري ، أن لص البنك هو نفسه "مستر فوج" الذي يركب السفينة "منغوليا" التي ستتوجه إلى ميناء "بومباي" بالهند بعد مغادرتها لميناء السويس....

ولذلك فقد طلب المخبر السري من القنصل البريطاني أن يصدر أمراً بالقبض عليه ...ولكن القنصل اعتذر بأن هذا الأمر خارج اختصاصه ، ومن المتعين على المخبر أن يستصدر الأمر بالقبض على السارق من رئاسة الشرطة بلندن....

ولما كانت السفينة على وشك مغادرة السويس ، فقد طلب المخبر من القنصل أن يرسل برقية عاجلة إلى رئاسة الشرطة لكي ترسل له أمر القبض على لص البنك في ميناء بومباي ، وهكذا ركب المخبر السري السفينة "منغوليا" مع "مستر فوج" وخادمه "باسبارتو" ...وأبحرت السفينة من ميناء السويس متوجهة إلى ميناء "بومباي" بالهند....

وفي أثناء الرحلة البحرية ، تقرب المخبر السري "مستر فيكس" من الخادم "باسبارتو" ...وعرف منه الكثير من المعلومات عن سيده "مستر فوج" ....عرف أنه ذاهب فيرحلة حول العالم في ثمانين يوماً ...كما عرف أن لدى "مستر فوج" نقوداً كثيرة من الأوراق المالية الجديدة ، وأنه ينفق أمواله ببذخ ....وكانت هذه المعلومات كافية تماماً لتأكيد الفكرة ، التي شغلت ذهن المخبر وهي أن "مستر فوج" هذا هو اللص الذي سرق البنك ...وأنه ينوي الهروب بغنيمته إلى أمريكا عن طريق الشرق ...وأنه يضلل الشرطة بحكاية الرهان مع بعض أصدقائه على إمكانية الدوران حول العالم في ثمانين يوماً...


وصلت السفينة "منغوليا" إلى ميناء "بومباي" قبل موعدها بيومين ، ففرح "مستر فوج" بذلك ...وعلم أيضاً أن هناك قطاراً يغادر "بومباي" متوجهاً إلى "كالكتا" بشرق الهند في الساعة الثامنة من مساء نفس اليوم ...ولما كانت الساعة الرابعة والنصف عصراً ، فقد وجد "باسبارتو" متسعاً من الوقت للتجول في الشوارع القريبة من ميناء "بومباي" ....

وبطبيعة الحال ، فقد كان أول عمل قام به المخبر السري "مستر فيكس" ، هو التوجه إلى الشرطة بميناء "بومباي" ليسأل عن وصول أمر القبض على لص البنك الذي طلبه من رئاسة الشرطة بلندن...وعندما علم بأن هذا الأمر لم يصل بعد ، فقد قرر "مستر فيكس" ، أن يتعقب "مستر فوج" أينما يذهب ، حتى ولو ذهب معه إلى آخرالعالم ، وسوف يقبض عليه في النهاية ....

ولسوء الحظ فقد ارتكب "باسبارتو" مخالفة خطيرة أثناء تجوله في شوارع "بومباي" حيث دخل – دون أن يخلع حذاءه – إلى أحد المعابد الهندية المحرم دخولها على الأجانب ، وهناك قبض عليه رجال الدين وأوسعوه ضرباً ، وفقد حذاءه وقبعته ، ومع ذلك فقد استطاع اللحاق بسيده في الدقائق الأخيرة قبل تحرك القطار من "بومباي" إلى "كالكتا" ...

وفي أثناء رحلة القطار الطويلة ، تعرف "مستر فوج" على ضابط بريطاني يعمل بجيش الاحتلال بالهند ، واسمه "سير فرانسيس كروماتي"...

وقرب منتصف الليل ، توقف القطار ...وكان على جميع المسافرين أن ينزلوا من القطار ليأخذوا أية وسيلة أخرى للسفر إلى مدينة "الله أباد" التي تبعد نحو خمسين ميلاً ...وهناك عليهم أن يأخذوا قطاراً آخر ليواصلوا رحلتهم إلى ميناء "كالكتا"....

وحتى لا يضيع "مستر فوج" كثيراً من الوقت في التغلب على هذه المشكلة اشترى فيلاً ضخماً ليواصل به الرحلة إلى "الله أباد" واستأجر رجلاً هندياً ليقود الفيل عبر الطريق ...ودعا "مستر فوج" الضابط الإنجليزي ليركب معه ....

وسار الفيل بركابه في طريق متعرج شاق عبر الغابات ذات الأشجار الكثيفة ....وبينما كانوا يستريحون قليلاً من وعثاء الطريق وعناء الرحلة ، شاهدوا جنازة رهيبة لأحد أمراء الهند ، كان يشترك فيها كثير من رجال الدين الهندوس الذين كانوا يمارسون طقوس "السوتى" ....وهي طقوس دينية هندية قديمة كانت تقتضي بإحراق الزوجة حية في نفس المحرقة التي تحرق فيها جثة زوجها المتوفى...

وشاهدوا الزوجة المسكينة وهي تسير شبه مخدرة وراء جثمان زوجها الأمير الهندي ...وبالرغم من حالة العرب والإرهاق فقد كانت الزوجة صغيرة السن وذات جمال طاغ ....ولذلك فقد قرر الجميع أن يفكروا في كيفية إنقاذ هذه الفتاة الصغيرة الجميلة من أن تصبح طعمة للنيران التي سيحرقون بها زوجها....

وفكروا في أكثر من خطة ....وفشلت جميع خططهم ، عدا الخطة الماكرة التي دبرها الخادم "باسبارتو" ونفذها ، حيث استطاع الدخول إلى المعبد ((شكله يحب الضرب)) وحمل الفتاة المخدرة ، وهرب بها إلى أصحابه الذين أسرعوا بركوب الفيل والانطلاق به في دروب الغابة بأقصى سرعة....

وعندما أفاقت الفتاة وعلمت بكيفية إنقاذها ، شكرتهم واعترفت لهم بهذا الصنيع الجميل الذي أنقذ حياتها...وأخبرتهم بأن اسمها "عودة" وأنها ابنة أحد أثرياء الهنود....وأنها مثقفة وتلقت تعليمها في إنجلترا....


كان المخبر السري "مستر فيكس" قد وصل إلى "كالكتا" قبل وصولهم بنحو عدة ساعات ...وهناك دبر قضية لإعاقة هروب "مستر فوج" وخادمه ، استناداً إلى الجريمة التي ارتكبها الخادم بدخوله إلى المعبد الهندي في "بومباي" دون أن يخلع حذاءه ...وحكم القاضي على الخادم بحبسه لمدة أربعة عشر يوماً ، كما حكم على سيده "مستر فوج" بالحبس لمدة سبعة أيام ....

وفشلت القضية بعد أن قام "مستر فوج" بدفع كفالة قدرها ألفين من الجنيهات لاطلاق سراحهما...وهكذا تخلص "مستر فوج" من هذه المشكلة...

وكانت "عودة" في صحبتهما أثناء نظر القضية وفرحت بالإفراج عن صديقيها ...وربت "مستر فوج" على ذراعها وأخبرها بأنه سيصحبها إلى "هونج كونج" حتى تجد مكاناً آمنا بعيداً عن الهنود الذين يتعقبونها ....

وعلى الفور قرر "مستر فوج" أن يركبوا سفينة اسمها "رانجون" كانت على وشك الإقلاع من "كالكتا" إلى "هونج كونج" ...الأمر الذي دعا المخبر السري أن يركب نفس السفينة حتى لا يفلت منه اللص الذي سرق البنك....

وانطلقت السفينة في طريقها البحري المعتاد ...مروراً بمضيق مالاكا الذي يفصل بين سومطره والملايو ...وتوقفت بعض الوقت في سنغافورة لتتزود بالوقود ....وهبت رياح ساعدت على الانطلاق بأقصى سرعة في الاتجاه الصحيح ...ولكن الرياح اشتدت بعد ذلك وهبت من الناحية المعاكسة ...وقلت سرعة السفينة إلى حد كبير ...ومع ذلك فقد وصلت السفينة إلى "هونج كونج" متأخرة عن موعدها...

كانت الفتاة "عودة" تظن أن لها عماً يعيش في "هونج كونج" ويمتلك متاجر هندية كبيرة ...ولكن بعد أن قام "مستر فوج" بالسؤال عن عنوان هذا العم ، قالوا له أم هذا التاجر الهندي الثري قد رحل من "هونج كونج" ليعيش في أوروبا بعد أن كون ثروة كبيرة ....وبذلك لم يعد هناك مناص من أن يصطحب "مستر فوج" الفتاة "عودة" معه إلى نهاية الرحلة...

وبعد عدة مغامرات غير متوقعة وصل الجميع إلى ميناء "يوكوهاما" باليابان ...ومن هناك استقلوا السفينة "جنرال جرانت" الذاهبة إلى ميناء "سان فرانسيسكو" بأمريكا ...وأخذ "مستر فوج" يحسب الوقت المتبقي من الثمانين يوماً ....وتبين له أن في إمكانه أن يصل إلى لندن في العشرين من ديسمبر...أي قبل اليوم المتفق عليه في الرهان ، وهو اليوم الحادي والعشرون....

وبعد أن وصلوا إلى "سان فرانسيسكو" استقوا القطار الذاهب إلى "نيويورك" في رحلة طويلة تقطع أمريكا من غربها إلى شرقها ، ويبلغ طولها نحو 3786 ميلاً ، وتستغرق سبعة أيام ...وكانت رحلة شاقة حافلة بالمغامرات الخطيرة ، تخللها عبور جسر على وشك الانهيار ....ومرور قطعان الجاموس الوحشي التي عطلت سير القطار ....كما أوشك "مستر فوج" على الدخول في مبارزة لولا حدوث هجوم على القطار وركابه قامت به قبائل الهنود الحمر...وكان من نتيجة هذا الهجوم اختفاء الخادم "باسبارتو" حيث اشترك الجميع في البحث عنه وإنقاذه ...وضاع في ذلك وقت طويل أثر بالطبع في حسابات وقت الرحلة ...وقد أدى ذلك إلى عدم اللحاق بالسفينة التي أبحرت من نيويورك متجهة إلى ميناء "ليفربول" بإنجلترا قبل وصولهم بنحو خمس وأربعين دقيقة....!!!

وشعر الجميع باليأس عدا "مستر فوج" الذي ظل محتفظاً بثباته وهدوء أعصابه ....فقام بالتعاقد مع أحد قباطنة السفن على شراء سفينته "هنريتا" للإبحار بها عبر المحيط الأطلنطي للوصول إلى "ليفربول" في الوقت المناسب....

وكما هو متوقع فقد حدثت متاعب أثناء رحلة السفينة ، ونفدت كميات الفحم اللازمة لتشغيل الفرن وتوليد البخار اللازم لماكينات السفينة ، واضطروا عندئذ إلى إحراق جميع المنشئات الخشبية وكل الأشياء القابلة للإحراق حتى يستمر تزويد السفينة بالبخار...

وما أن وصل الجميع سالمين إلى ميناء "ليفربول" حتى حدثت مفاجأة غير متوقعة ، فقد قام المخبر السري "مستر فيكس" بإلقاء القبض على "مستر فوج" باسم القانون ، وباعتباره اللص الذي سرق أموال البنك ....وقد أدى هذا إلى ضياع وقت طويل أفسد جميع حسابات وقت الرحلة....

ثم قام "مستر فيكس" بالإفراج عن "مستر فوج" بعد أن تبين له أنه ارتكب خطأً جسيماً في اتهام "مستر فوج" بسرقة البنك ...نظراً لأن الشرطة قد قبضت منذ ثلاثة أيام على اللص الحقيقي الذي اعترف بسرقة البنك....





وبالرغم من محاولات "مستر فوج " في استئجار قطار خاص للذهاب به من "ليفربول" إلى لندن قبل انقضاء موعد الرهان المتفق عليه ....وبالرغم من السرعة الكبيرة التي سار بها القطار في رحلته ، فقد وصل القطار إلى لندن في الساعة التاسعة إلا عشر دقائق ....وكان معنى ذلك ببساطة أن "مستر فوج" قد خسر رهانه مع أصدقائه من أعضاء نادي الإصلاح....!!!

وعاد الجميع إلى بيت "مستر فوج" بلندن ...وحاول "مستر فوج" أن يعتذر للفتاة "عودة" بأنه قد أصبح فقيراً بعد أن خسر كل شيء ، وأنه لن يستطيع أن يضمن لها إقامة طيبة في لندن ...ولكنه فوجئ بأن "عودة" تعترف له بأنها أحبته بكل قلبها ولا تستطيع أن تتحمل فراقه ....وعندئذ اعترف لها "مستر فوج" بأنه يبادلها حباً بحب ....واتفق الحبيبان على الزواج ....

وفي مساء اليوم التالي ، وكان يوم الأحد وفقاً لحسابات الزمن التي أجراها "مستر فوج" في دفتر أحوال الرحلة ...أمر "مستر فوج" خادمه "باسبارتو" بالذهاب إلى الكنيسة ليتولى الإتفاق مع القس على عقد الزواج في اليوم التالي...

ولكن عندما وصل "باسبارتو" إلى الكنيسة ، اكتشف مفاجأة مذهلة ....اكتشف أن اليوم هو اليوم الحادي والعشرون من شهر ديسمبر وليس اليوم الثاني والعشرين كما كان يظن هو وسيده ...وعندئذ أطلق "باسبارتو" ساقيه للريح عائداً إلى بيت سيده ليخبره بهذا الاكتشاف السعيد....

وهناك أدرك "مستر فوج" أنه أخطأ في حساب الزمن الحقيقي الذي استغرقته الرحلة ....فقد بدأت الرحلة بالاتجاه نحو الشرق ، أي عكس اتجاه الشمس ...ومعنى ذلك أن الزمن يصبح أقصر بأربع دقائق كما عبروا درجة من خطوط الطول الثلاثمائة والستين التي تقسم الكرة الأرضية طولاً ....

إذن فما زال هناك أمل في كسب الرهان ....وما زالت هناك بضع دقائق يستطيع أن يكون "مستر فوج" في نادي الإصلاح في لموعد الذي حدده في رهانه بالضبط ...

وكان الأصدقاء المتراهنون متجمعين في النادي وهم يعدون الدقائق والثواني ....وكلما مرت ثانية واحدة ازداد أملهم في كسب الرهان .... ولكن بينما كانت الساعة تدق التاسعة إلا ربعاً ....دخل عليهم "مستر فوج" قائلاً : هاأنذا...!!!

وهكذا كسب "مستر فوج" رهانه ....وتزوج الفتاة الجميلة "عودة"....وكان أسعد الناس بذلك ، هو خادمه المخلص "باسبارتو"....!!!


المصدر /// روائع الأدب العالمي في كبسولة (1) للناشئين والشباب- من عرض وتبسيط مختار السويفي -مكتبة الدار العربية للكتاب ....

أتمنى أن تنال إعجابكم.....وانتظروا غيرها إن شاء الله ...

وهذه نبذة بسيطة عن الكاتب الفرنسي المميز ....جول فيرن

إن هؤلاء الذين توترت أعصابهم مع "فيلياس فوج" الذي يحاول أن يدور حول العالم في ثمانين يوماً وإلا فقد ثروته ، والذين ارتجفوا وهم ينزلون في غواصة الكابتن "نيمو" على عمق عشرين ألف فرسخ تحت البحر ....، والذين حبست أنفاسهم مغامرات "ميشيل ستروجوف" رسول القيصر ، والذين غرقوا في الحسابات المعقدة مع "ميشيل اردان" لمعرفة هل يمكنهم الوصول إلى القمر عبر فوهة مدفع أم لا....كل هؤلاء يعرفون جيداً الأديب الفرنسي العبقري (جول فيرن)...!!!

من هذا العبقري صانع الأحــــــــــلام؟؟؟؟

** ولد (جول فيرن) في "نانت" بفرنسا عام 1828 م ....درس القانون وهوى الأدب ...وكالعادة كانت للأدب الكلمة العليا ...وهكذا قدم بعض مسرحيات شعرية محدودة النجاح ، ورواية تاريخية عاطفية (مارتن باز) لم يسمع بها أحد ، على أن نجاحه تحقق حين قدم روايته (خمسة أسابيع في منطاد) التي حققت نجاحاً غير عادي....وتوالت رواياته ذات الأسماء المدوية والتي جعلت منها السينما أحلاماً ملموسة عالقة بالأذهان...(مغامرات الكابتن هاثيرا) ...(رحلة إلى قلب الأرض) ...(من الأرض إلى القمر)....إلخ....ثم توالت سلسلة رواياته المسماة (رحلات فوق العادة) والتي ضمت أسماء مثل (الجزيرة) ...(ميشيل ستروجوف) ....(سيد العالم) ....(عشرون ألف فرسخ تحت الماء)...إلخ...

وقد قضى هذا الأديب العبقري حياته في رحلات لا تنتهي على ظهر يخت خاص به لأنه لم يحب في حياته – على حد قوله - سوى البحر والموسيقى والحرية ....ولا أظن أحدكم يخالفه الرأي ..!!! ثم إنه توفي عام 1905م ، معلناً مصرع الخيال الساحر ..الذي بهرنا جميعاً ....وكان عمره سبعة وسبعين عاماً وقتها ...

وكلما حقق الإنسان فتحاً جديداً كالصعود للقمر اكتشف في دهشة أن (جول فيرن) أو (هـ.ج.ويلز) أو حتى رسوم (ليوناردو دافينشي) التي لم تنفذ قط ، كلها تنبأت بنظرة مستقبلية لا تخيب ، بهذا الفتح ....إنها شفافية الفنان وإيمانه الكامل بملكات العقل البشري ، بالإضافة إلى قدرته السحرية على الحلم ...

إن كتاب الخيال العلمي أطفال كبار...ولهذا يأخذ النقاد على كتاباتهم خلوها من البعد الإنساني...وهذا شيء طبيعي بالنسبة لطفل يحلم ...!!! لا أحد يطالبه أن يحلم بعمق ولكن بإمتاع...


ملاحظة ....هذه النبذة مأخوذة من كتاب روايات عالمية للجيب من عرض وترجمة د.أحمد خالد توفيق ....القصة رقم (7) رحلة إلى مركز الأرض....المؤسسة العربية الحديثة....

شكراً لكم على القراءة ....يعطيكم العافية ...ودمتم....

تحياتي للجميع