مقدمة

في رواق مقنطر ما تدق ساعة برج ست مرات وتتوقف . يتهاوى الشاب على مكتبه . جاء إلى الدائرة فجرا بعد إزعاج آخر . شعره غير ممشط و بنطاله فضفاض يحمل بيده عشرين صفحة مجعدة تحوي نظريته الجديدة في الزمن التي سيرسلها إلى مجلة الفيزياء الألمانية .
تدخل الغرفة أصوات خافتة قادمة من المدينة تطن زجاجة حليب على حجر . تتقلقل ظلة حانوت في السوق , تتحرك عربة خضار ببطء في الشارع , يتحدث رجل وامرأة بنبرتين هامستين في شقة الجوار.
في الضوء الباهت الذي يتغلغل في الغرفة تبدو المقاعد مظللة و ناعمة كحيوانات ضخمة نائمة .وباستثناء كتب الشاب الذي تتبعثر عليه كتب نصف مفتوحة , تتغطى المكاتب الإثنا عشر بسجلات تركت البارحة مرتبة بأناقة . حين يصل الموظفون بعد ساعتين سيعرف كل منهم أين يبدأ بدقة . لكن , في هذه اللحظة في هذا الضوء الباهت , ليست السجلات التي على المكاتب مرئية أكثر من الساعة الكبيرة التي في الزاوية أو كرسي السكرتيرة قرب الباب كل مايمكن أن يرى في هذه اللحظة هو الأشكال الداكنة للمكاتب و الشكل المحدب للشاب .
إنها السادسة وعشر دقائق وفقاً لساعة الحائط اللامرئية . لحظة بعد لحظة , تتخذ أشياء جديدة أشكالاً . هنا تظهر سلة مهملات نحاسية هناك يبين تقويم على الحائط .

هنا صورة عائلة , علبة مشابك للأوراق , محبرة , قلم حبر . هناك آلة كاتبة , سترة مطوية موضوعة على كرسي .

مع مرور الزمن تبزغ رفوف الكتب التي لايخلو منها مكان من ضباب الليل العالق على الجدران . تحمل الرفوف دفاتر براءات اختراعات . تتعلق إحدى البراءات بالآت حفر مسنناتها محنية بطريقة تقلل الاحتكاك . تقترح أخرى محولاً كهربائيا يحمل فولطاً متواصلاً حين يتنوع تزويد الطاقة .
تصف براءة إختراع آلة كاتبة بلوح طباعة منخفض السرعة يزيل الضجة . إنها غرفة مليئة بالأفكار العملية .
في الخارج تتوهج جبال الألب تحت الشمس . الوقت أواخر حزيران . راكب في نهر آري يفك قاربه الصغير و يندفع تاركاً التيار يحمله إلى الشارع غيربرن حيث سينقل تفاحه الصيفي و ثمار العليق * . يصل الخباز إلى مخبزه في السوق , يشعل فرنه الفحمي و يباشر خلط الطحين و الخميرة . يتعانق عاشقان على جسر " نيديك" و يحدقان بتمعن إلى الأسفل . يقف رجل على شرفة منزله في " شيفلاوبي" و يدرس السماء القرنفلية . تسير امرأة استحوذ عليها الأرق ببطء في شارع كرام , تحدق إلى جميع الأورقة المقنطرة و تقرأ الملصقات في الضوء الخافت .
في المكتب الطويل الضيق الذي يقع في " شارع شبايشا " في الغرفة المليئة بالأفكار العملية ما يزال موظف براءات الإختراعات الشاب جالساً على كرسيه و رأسه على المكتب : في الأشهر العديدة الماضية و منذ منتصف نيسان حلم أحلاماً كثيرة عن الزمن . هيمنت أحلامه على بحثه . أنهكته أحلامه , استتنفذته بحيث أنه لا يستطيع أحيانا أن يميز بين نومه و يقظته . لكن عملية الحلم انتهت. و من بين طبائع الزمن الكثيرة الممكنة المتخيلة في ليال كثيرة أيضا , تبدو إحداهن مغرية . لا يعني هذا أن الأخرى مستحيلة . يمكن أن توجد الأخرى في عوالم أخرى .
يتحرك الشاب على كرسيه منتظراً مجئ ضاربة الآلة الكاتبة و يدندن بصوت منخفض ألحاناً من سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن .

14 نيسان 1905
افترض أن الزمن دائرة تكرر نفسها, عندئذ يكرر العالم نفسه بدقة وبلا نهاية .
لا يعرف البشر في معظم الحالات أنهم سيكررون حيواتهم . لا يعرف التجار أنهم سيعقدون الصفقة نفسها مرة بعد أخرى . يجهل السياسيون أنهم سيصيحون على نفس المنصة عددا لانهائياً من المرات في دورات الزمن . يسمع الوالدان ضحكة طفلهما بولع و كأنهما لن يسمعاها مرة ثانية . العشاق الذين يمارسون الجنس للمرة الأولى يتعرون بخجل و يندهشون من منظر الفخذ الريان و الحملة الهشة . كيف سيعرفون أن كل نظرة سرية , كل لمسة , سوف تتكرر ثانية و ثانية و ثانية كما حدث من قبل؟
وكذلك هو الأمر في السوق . كيف يعرف البقالون أن كل كنزة يدوية الصنع , كل منديل مطرز , كل حبة شوكولاتة , كل ساعة يد و بوصلة معقدة ستعود إلى دكاكينهم ؟ , يعود البقالون إلى عائلاتهم بعد الغروب أو يشربون البيرة في الحانات و ينادون بمرح الأصدقاء الذين في الأزقة المقنطرة , يداعبون كل لحظة و كأنها زمردة في إيداع مؤقت . كيف يعرفون أن لاشئ مؤقتاً , أن كل شئ سيحدث مرة ثانية؟ لا شئ يعرف أنه سيعود إلى حيث بدأ سوى نملةٍ تزحف على حافة ثريا كريستالية.
في المستشفى الذي في شارع غيربرن تودع امرأة زوجها الذي يستلقي في الفراش و يحدقها بنظرة فارغة . انتشر سرطانه في الشهرين الأخيرين من حنجرته إلى كبده و بنكرياسه و دماغه . يجلس طفلاه اليافعان على كرسي واحد في زاوية الغرفة خائفين من النظر إلى والدهما , إلى خديه الغائصين و الجلد الذاوي لرجل عجوز . تقترب المرأة من الفراش و تقبل زوجها بنعومة على جبهته . تهمس مودعة ثم تغادر بسرعة مع الولدين .
إنها متأكدة إنها القبلة الأخيرة . كيف تعرف أن الزمن سيبدأ ثانية أنها ستولد ثانية و ستدرس مرة أخرى في " الجيمانزيو " و تعرض لوحاتها في صالة " فرايبورغ" و ستبحر معه ثانية في بحيرة " زن" في يوم من أيام تموز الدافئة و أنها ستنجب ثانية و أن زوجها سيعمل ثماني سنوات في مجال الأدوية و يرجع إلى المنزل في أحد المساءات بكتلة في حنجرته, سيتقيأ ثانية و يهزل و ينتهي في هذا المستشفى , في هذه الغرفة , هذا الفراش , هذه اللحظة . كيف تعرف؟
في العالم الذي يكون فيه الزمن دائرة ستتكرر كل مصافحة , كل قبلة , كل ولادة وكل كلمة . و هكذا أيضاً كل لحظة ينهي فيها صديقان صداقتهما , كل مرة تتفكك فيها أسرة بسبب النقود , كل ملاحظة فاجرة في خصومة بين الزوجين , كل فرصة ضاعت بسبب غيرة رئيس , كل وعد لم يُنجز
و تماما كما ستتكرر جميع الأشياء في المستقبل , فإن جميع الأشياء التي تحدث الآن حدثت مليون مرة من قبل. قلة ما من البشر في كل بلدة , تدرك بغموض في أحلامها أن كل شئ حصل في الماضي. أولئك هم البشر ذوو الحياة الشقية , يشعرون أن خطب محاكماتهم و أفعالهم الخاطئة و حظهم السيئ كل هذا حدث في حلقة الزمن السابقة .
يصارع أولئك المواطنون الملعونون أغطية أسرتهم في منتصف الليل غير قادرين على النوم مروعين من معرفة أنهم لايقدرون على تغيير فعل واحد , إيماءة واحدة . ستتكرر أخطاؤهم في هذه الحياة كما في الحياة التي سبقتها . و هؤلاء , ذوو الحظ السيئ المضاعف , هم الذين يقدمون الإشارة الأولى على أن الزمن دائرة . ذلك أنه في كل بلدة , في وقت متأخر من الليل, تمتلئ الشوارع و الشرفات الخالية بأنينهم.

16 نيسان 1905

في هذا العالم ..الزمن كمثل دفقة ماء , يزيحه أحياناً بعض الحطام , نسيم عابر. بين فينة و أخرى يسبب إزعاج كوني ما انحراف جدول من الزمن عن التيار الرئيسي ليحدث اتصالاً مع التيار الخلفي. حين يحدث هذا فإن الطيور و التربة و البشر العالقين في الرافد المتفرع يجدون أنفسهم فجأة محمولين إلى الماضي.
من السهل تحديد البشر الذين نقلوا إلى الوراء في الزمن . يرتدون ملابس سوداء غير قابلة للتمييز و يسيرون على أصابع أقدامهم محاولين ألا يصدروا صوتاً واحداً ,ألا يحنوا عشبة واحدة . ذلك لأنهم يخافون من أي تغير يحدثونه في الماضي يمكن أن ينتج عواقب و خيمة جداً على المستقبل.
وعلى سبيل المثال , تتوارى مسافرة في ظلال الرواق المقنطر في شارع كرام وهذا مكان غريب لمسافرة من المستقبل , لكنها هناك . يعبر المشاة , يحدقون و يتابعون السير . تنزوي في زاوية ثم تزحف بسرعة عبر الشارع و تأوي إلى بقعة أخرى مظلمة . إنها مرعوبة من أنها ستثير الغبار , كما يشق شخص اسمه " بيتر كلوسن " طريقه إلى الصيدلية في شارع شبيتال في بعد ظهر 16 نيسان من عام 1905 . كلوسن شخص مسرف في الأناقة و يكره أن تتسخ ثيابه . إذا لطخ الغبار ثيابه سيتوقف و ينفضها بهمة بغض النظر عن المواعيد المنتظرة . إذا تأخر " كلوسن " يمكن ألا يشتري المرهم لزوجته التي كانت تشكو من ألم ساقها طوال أسابيع . في تلك الحالة يمكن أن تقرر زوجة كلوسن وهي في مزاج سيئ الأ تنفذ الرحلة إلى بحيرة جنيف . و إذا لم تذهب إلى بحيرة جنيف في 23 حزيران 1905 لن تلتقي بامرأة تدعى كاثرين دي إباني وهي تسير على جدار الشاطئ الشرقي ولن تعرف المدموزيل دي إيباني على ولدها ريتشارد . و بالتالي لن يتزوج ريتشارد و كاثرين في 17 كانون الأول 1908 ولن ينجبا فريدريك في 8 تموز 1912 . ولن يصبح فريدريك كلوسن أباً لهانز كلوسن في 22 آب 1938 وبدون هانز كلوسن لن يحصل الإتحاد الأوروبي لعام 1979.
المرأة التي جاءت من المستقبل و رميت دون تحذير في هذا الزمان وهذا المكان و تحاول الآن أن تختفي عن الأنظار في بقعتها المظلمة في شارع كرام تعرف قصة كلوسن و ألف قصة أخرى تنتظر الكشف , معتمدة على ولادات الأطفال , حركة البشر في الشوارع , غناء الطيور في لحظات معينة ,الموقع الدقيق للكراسي , الريح . تلطأ في الظلال و لاتستجيب لتحديقات البشر . تلطأ و تنتظر جدول الزمن ليحملها و يعيدها إلى زمنها الخاص.

وحين يجب أن يتحدث مسافر من المستقبل , فإنه لا يتحدث بل يوهوه . يهمس أصواتاً معذبة , يتألم لأنه إذا أحدث أدنى تبديل في أي شيء من المحتمل أن يدمر المستقبل. في الوقت نفسه , يكون مجبراً على أن يشهد أحداثاً دون أن يكون جزءاً منها, دون أن يغيرها .يحسد البشر الذين يعيشون في زمنهم الخاص , الذين يستطيعون أن يتصرفوا وفق مشيئتهم غافلين عن المستقبل ..جاهلين تأثيرات أعمالهم . لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا . إنه غاز هامد , شبح , ورقة بلا روح . إنه منفي الزمن
يمكن أن يعثر على هؤلاء البشر البؤساء القادمين من المستقبل في كل قرية و كل بلدة مختبئين تحت أفاريز الأبنية , في الأقبية ,تحت الجسور , في الحقول المهجورة . ولا يسألون عن الحوادث القادمة و الزيجات المستقبلية و الولادات و التمويلات و الاختراعات و الفوائد التي ستجنى . و بدلاً من ذلك يتركون وحيدين و يثيرون الشفقة .

19 نيسان 1905

إنه صباح بارد من صباحات تشرين الثاني . سقطت الثلوج الأولى . يقف رجل يرتدي معطفاً جلدياً على شرفة طابقه الرابع في شارع كرام المطلة على نافورة " تسيرغنا" وعلى الشارع الأبيض في الأسفل . يستطيع المرء أن يرى في جهة الشرق الأبيض في الأسفل . يستطيع المرء أن يرى في جهة الشرق الصومعة الهشة لكاتدرائية القديس فنسنت , و في جهة الغرب سقف برج " تسوتغلوكاتورم" لكن الرجل لا ينظر شرقاً أو غرباً , بل يحدق نحو الأسفل إلى قبعة حمراء صغيرة متروكة في الثلج و يفكر: أعليه أن يذهب إلى منزل المرأة في " فرايبورغ" ؟ تمسك يداه الدرابزون المعدني وتفلتانه ثم تمسكانه ثانية ؟ هل يجب أن يزورها ؟ أيجب أن يزورها؟

يقرر ألا يشاهدها مرة أخرى . إنها لعوب و ظنون و بوسعها أن تجعل حياته بائسة . ربما لن تكون مهتمة به على أية حال . و هكذا يقرر ألا يراها ثانية و ينصرف إلى مصادقة الرجال . يعمل بجد في مجال الأدوية حيث نادرا ما يلاحظ وجود مساعدة المدير. يذهب إلى صالة احتساء البيرة في شارع خوكر في أوقات المساء مع أصدقائه و يشرب البيرة , يتعلم صنع الفونديو*, ثم يلتقي بعد ثلاثة سنوات بامرأة أخرى في محل لبيع الألبسة في نيوشاتل . إنها ظريفة . تمارس معه الحب ببطء شديد طوال شهور. بعد عام تأتي لتعيش معه في " بيرن". يعيشان حياة هادئة , يتنزهان على طول نهر " آري " يصادقان بعضهما , يشيخان راضيين .

في العالم الثاني يقرر الرجل الذي يرتدي معطفاً جلدياً أنه يجب أن يشاهد امرأة " فرايبورغ" مرة أخرى . لايكاد يعرفها , يمكن أن تكون لعوب و متقلبة . لكن تلك الطريقة التي يصبح فيها وجهها ناعماً حين تبتسم , تلك الضحكة ,ذلك الاستخدام الذكي للكلمات , نعم , يجب أن يشاهدها مرة ثانية .يذهب إلى منزلها في فرايبورغ , يجلس معها على الأريكة ,يشعر بعد لحظات أن قلبه يخفق , يضعف من مشهد بياض ذراعيها. يمارسان الحب بصخب و شوق . تقنعه بالانتقال إلى فرايبورغ . يترك علمه في " بيرن" و يوظف في مكتب فرايبورغ البريدي. يشتعل حباً بها . يجيئ إلى المنزل ظهراٌ كل يوم .يأكلان , يمارسان الحب, يتجادلان , تشكو أنها تريد مزيداً من النقود , يتوسل إليها , تقذفه بالآنية , يمارسان الجنس مرة أخرى ,يعود إلى مكتب البريد . تهدد بأنها ستتركه لكنها لاتفعل ذلك . يعيش من أجلها و هو سعيد بكمده.
في العالم الثالث يقرر أيضاً أنه يجب أن يشاهدها مرة أخرى . لايكاد يعرفها , يمكن أن تكون لعوب و متقلبة . لكن تلك الابتسامة , تلك الضحكة , ذلك الذكاء في في استخدام الكلمات . نعم , يجب أن يشاهدها مرة ثانية . يذهب إلى منزلها في " فرايبورغ" , يلتقي بها عند الباب , يتناول معها الشاي حول طاولة المطبخ . يتحدثان عن عملها في المكتبة و عن عمله في مجال الأدوية . تقول بعد ساعة إنها يجب أن تغادر لتساعد صديقا , تودعه , يتصافحان . يسافر قاطعاً مسافة الثلاثين كليومتراً إلى بيرن, يشعر بالفراغ أثناء ركوب القطار إلى منزله , يصعد إلى شقته في الطابق الرابع ويحدق نحو الأسفل , إلى القبعة الحمراء المتروكة في الثلج.
إن سلاسل الأحداث الثلاثة هذه تحدث بالفعل متزامنة . ذلك أن الزمن يمتلك ثلاثة أبعاد في هذا العالم مثل المكان . تماماً كما يمكن أن يتحرك شيء في ثلاث جهات عمودية تتواشج مع الأفقي و العمودي و الطولي و هكذا يمكن أن يشارك الشيء في ثلاثة مستقبلات عمودية . يتحرك كل مستقبل في جهة مختلفة من الزمن , و كل من هذه المستقبلات حقيقي . و حين يصل الرجل إلى حافة أي قرار لزيارة المرأة التي في فرايبورغ أو لشراء معطف جديد , ينقسم العالم إلى ثلاثة عوالم كل منها يحتوي البشر نفسهم و لكن بأقدار مختلفة لأولئك البشر . مع مرور الزمن ثمة عدد لانهائي من العوالم.

يستخف البعض بالقرارات مجادلين أن جميع القرارات الممكنة ستُتخذ . في عالم كهذا , كيف يستطيع المرء أن يكون مسؤولاً عن أفعاله ؟ يعتقد آخرون أن كل قرار يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار و يُلتزم به و أنه بدون التزام يحل العماء . إن بشراً كهؤلاء يرضون أن يعيشوا في عوالم متناقضة طالما أنهم يعرفون سبب كل منها .

24 نيسان 1905

ثمة زمنان في هذا العالم : الزمن الآلي و الزمن الجسدي . الأول صلب و معدني كبندول حديدي ضخم يتحرك جيئة وذهاباً . الثاني يتقلب و يتعرج كسمكة في خليج . الأول لا يلين , محدد سابقاً . الثاني يتخذ قراره وهو يمضي.
يقتنع كثيرون أن الزمن الآلي غير موجود . حين يمرون قرب الساعة العملاقة في شارع كرام لا يشاهدونها و لايسمعون دقاتها وهم يرسلون الطرود في شارع بوست أو يطوفون بين الأزهار في " روزنكارتن". يلبسون ساعات حول أرساغهم كزينة أو كتجمل لأولئك الذين يقدمون الساعات اليدوية كهدايا . لا يضعون ساعات جدارية في منازلهم . بدلاً من ذلك , يصغون لدقات قلوبهم , يشعرون بإيقاعات أمزجتهم و رغباتهم . يأكل بشر كهؤلاء حين يجوعون, يذهبون إلى أعمالهم في المتجر أو الصيدلية حين يستيقظون من نومهم , يمارسون الحب طوال ساعات النهار . يسخر بشر كهؤلاء من فكرة الزمن الآلي. يعرفون أن الزمن يتحرك في نوبات و قفزات , يعرفون أن الزمن يصارع نحو الأمام حاملاً ثقلاً على ظهره حين ينقلون طفلاً مصاباً إلى المستشفى أو يتحملون تحديقة جار أسيئ إليه . يعرفون أيضاً أن الزمن يندفع مسرعاً عبر حقول الرؤية حين يستمتعون بتناول مع الأصدقاء أو يتلقون المديح أو يكذبون بين ذراعي عشيقة سرية.
ثم هناك أولئك الذين يعتقدون أن أجسادهم لا توجد , يعيشون وفق الزمن الآلي , ينهضون في السابعة صباحاً, يتناولون غذاءهم ظهراً و عشاءهم في السادسة.يصلون إلى مواعيدهم في الوقت المحدد وبدقة الساعة .يمارسون الجنس بين الثامنة و العاشرة ليلاً, يعملون أربعين ساعة في الأسبوع , يقرأون صحيفة الأحد يوم الأحد , يلعبون الشطرنج مساء الثلاثاء. حين تصدر معداتهم أصواتاً ينظرون إلى ساعاتهم ليتبينوا إذا حان وقت الطعام ,حين ينسون أنفسهم في حفلة موسيقية ينظرون إلى الساعة التي فوق خشبة المسرح ليعرفوا متى يحين وقت العودة إلى المنزل . يعرفون أن الجسد ليس شيئاً ينتمي إلى السحر الوحشي بل مجموعة من المواد الكيماوية و الأنسجة و الدوافع العصبية و يعرفون أن الأفكار ليست أكثر من اندفاعات كهربائية في الدماغ و الإثارة الجنسية ليست أكثر من تدفق المواد الكيماوية إلى نهايات عصبية معينة و الحزن ليس أكثر من حمض قليل يثبت في المخيخ . باختصار ,الجسد آلة خاضعة لقوانين الكهرباء والميكانيكا نفسها كالإلكترون أو الساعة . هكذا , يجب أن يخاطب الجسد بلغة الفيزياء , و إذا تحدث الجسد فإن حديث عتلات و قوى كثيرة فقط . الجسد شيء يجب أن يؤمر , أن لايطاع .

إذا سار المرء ليلاً على طول نهر " آري" يشاهد دليلاً على وجود عالمين في عالم واحد . يحدد مراكبي موقعه في الظلام من خلال إحصاء الثواني المندفعة في تيار الماء. ثانية , ثلاثة أمتار , ثانيتان , ستة أمتار . ثلاث ثوان , تسعة أمتار . يخترق صوته الظلمة بمقاطع واضحة و محددة . تحت منصب مصباح على جسر " نيديك" يقف شقيقان لم يشاهدا بعضهما لمدة عام ويشربان و يضحكان . يدق جرس كاتدرائية القديس فنسنت عشر مرات . في ثوان , تنطفئ أضواء الشقق التي تصطف في " شيفلاوبي" في استجابة آلية تامة مثل استنتاجات هندسة إقليدس . عاشقان يستلقيان على ضفة النهر ينظران إلى الأعلى بكسل بعد أن استيقظا من نوم لا زمني على الأصوات البعيدة لجرس الكنيسة , مندهشين من أن الليل قد خيم.

حيث يلتقي الزمنان يحل اليأس. حيث ينفصل الزمنان تحل القناعة . ذلك أن محامياً , ممرضة , خبازاً , يستطيعون أن يصنعوا عالماً بشكل معجز في أي من الزمنين , لكنهم لايستطيعون ذلك في كلا الزمنين . إن كل زمن منهما هو حقيقي إلا أن الحقائق ليست نفسها .








26 نيسان 1905

من الواضح بسرعة في هذا العالم أن هناك شيئاً غريباً : لاتمكن رؤية منازل في الأودية و السهول . يعيش الجميع في الجبال .

في وقت ما في الماضي اكتشف العلماء أن الزمن يتدفق ببطء أكبر كلما ابتعد عن مركز الارض . التأثير ضئيل جدا لكنه يمكن أن يقاس بأدوات حساسيتها مفرطة . حالما عرفت الظاهرة انتقل بعض البشر المتلهفين للبقاء شباناً إلى الجبال . بنيت جميع المنازل على "دوم" و على " ماترهورن" و " مونت روزا " وعلى أراض أخرى مرتفعة . من المستحيل بيع أحياء سكنية في مكان آخر.

لم يرض كثيرون أن يبنوا منازلهم ببساطة على جبل .لكي يحصلوا على التأثير الأكبر بنوا منازلهم على دعائم. عششت منازل كهذه على قمم الجبال في جميع أنحاء العالم , وتبدو من بعيد كسرب طيور سمينة تقف على أرجل طويلة و نحيلة . البشر يتلهفون ليعيشوا فترة أطول شيدوا منازلهم على الدعائم الأعلى . وفي الحقيقة , ترتفع بعض المنازل نصف ميل على سيقانها الخشبية النحيلة . أصبح الإرتفاع مرتبة . حين يتوجب على شخص أن ينظر من نافذة مطبخه إلى الأعلى ليشاهد جاراً يظن أن جاره لن يصاب بتصلب إلى الأعلى ليشاهد جاراً يظن أن جاره لن يصاب بتصلب المفاصل بالسرعة التي سيصاب هو بها , لن يفقد شعره هو وقت لاحق , لن يصاب بالتجاعيد حتى وقت لاحق , لن يفقد الباعث على الرومانس باكراً مثله . كذلك يميل الشخص الذي ينظر نحو الأسفل إلى منزل آخر إلى اعتبار سكانه منهكين و ضعفاء و قصيري النظر . يتباهى البعض أنهم عاشوا حياتهم كلها في الأعلى , أنهم ولدوا في أعلى منزل على أعلى قمة جبل ولم يهبطوا أبداً . يحتفلون بشبابهم في المرايا و يسيرون عراة على شرفاتهم .

بين فينة و أخرى يجبر عمل ما ملح البشر على الهبوط في منازلهم فيفعلون ذلك بسرعة و ينزلون بعجلة على سلالمهم إلى الأرض و يركضون إلى سلم آخر , ثم إلى الوادي في الأسفل , يكملون صفقاتهم و يعودون بأقصى سرعة إلى منازلهم أو إلى أماكن أخرى مرتفعة . يعرفون أنه مع كل خطوة إلى الأسفل تزداد سرعة مرور الزمن و يهرمون قليلاً . البشر الذين على مستوى الأرض لا يجلسون أبداً . يركضون حاملين محفظاتهم أو مشترياتهم .

لم تعد تأبه قلة من المقيمين في كل مدينة إذا تقدمت في السن بضع ثوان أكثر من جيرانها . تهبط هذه الأرواح المغامرة إلى العالم السفلي لعدة أيام في المرة الواحدة . تسترخي في ظل الأشجار التي تنمو في الوادي , تسبح بمتعة و حرية في البحيرات التي تقع في ارتفاعات دافئة , تطوف على مستوى الأرض.

نادراً ما تنظر إلى ساعاتها و لا تستطيع أن تقول إن كان اليوم هو الإثنين أو الخميس . حين يندفع الآخرون قربها بسرعة و يسخرون , تبتسم فقط .

مع مرور الزمن , ينسى البشر لماذا المكان الأعلى هو الأفضل . مع ذلك , يواصلون العيش على الجبال ليتجنبوا المناطق الغائصة قدر استطاعتهم , ليعلموا أبناءهم أن يصرفوا الأطفال الآخرين عن الارتفاعات المنخفضة . يتعودون على برد الجبال و يستمتعون بعدم الراحة كجزء من تربيتهم , حتى أنهم أقنعوا أنفسهم بأن الهواء الرقيق مفيد لأجسادهم , و متبعين ذلك المنطق مارسوا حميات من أجل التوفير و رفضوا كل شيء إلا الطعام القليل * . و مع مرور الوقت , أصبح البشر رقيقين كالهواء , عجافاً و كهولاً قبل أوانهم .

__________________________________________

*gossamer food :واه ، رقيق







28 نيسان 1905

ليس بوسع المرء أن يتنزه في جادة أو يتحدث مع صديق أو يدخل بناء أو يتجول تحت أقواس رواق مقنطر قديم مصنوعة من الحجر الرملي دون أن يلتقي بأداة زمنية. الزمن مرئي في جميع الأمكنة . أبراج الساعات الكبيرة , ساعات اليد و أجراس الكنائس تقسم الأعوام إلى شهور والشهور إلى أيام و الأيام إلى ساعات و الساعات إلى ثوان وكل زيادة في الوقت تتقدم بعد الأخرى في تعاقب تام . ووراء أية ساعة كبيرة معينة ثمة منصة زمنية شاسعة ترسي قانون الزمن للجميع على السواء.

في هذا العالم الثانية هي ثانية هي ثانية . يخطو الزمن إلى الأمام بانتظام مضبوط وبالسرعة المنتظمة ذاتها في كل زاوية من المكان . الزمن حاكم لانهائي . الزمن مطلق .

يجتمع كل بعد ظهر سكان بلدة بيرن في الطرف الغربي لشارع كرام . هناك في الثالثة إلا ربعاً يدفع برج "تسوتغلوكاتورم" الجزية للزمن . عالياً على البرج يرقص المهرجون , تصيح الديكة , تعزف الدببة على الناي وتقرع الطبل , يوقت الأصوات والحركات دوران المسننات , التي بدورها يلهمها اكتمال الزمن . في الساعة الثالثة تماماً يدق جرس ضخم ثلاث مرات , يتفحص البشر ساعاتهم , ثم يعودون إلى مكاتبهم في " شارع شبايشا" و حوانيتهم في " السوق" و مزارعهم التي تقع وراء الجسور التي على نهر " آري".

الذين يمتلكون إيماناً دينياً يعتبرون الزمن دليلاً على وجود الله . ذلك أنه من المؤكد أن لا شيء يخلق تماماً دون خالق, لا شيء يمكن أن يكون كونياً دون أن يكون مقدساً . و جميع المطلقات هي جزء من المطلق الواحد . و أينما وجدت المطلقات يوجد الزمن . وضع فلاسفة الأخلاق الزمن في مركز إيمانهم . الزمن هو المرجع الذي يحكم من خلاله على جميع الأفعال . الزمن هو الوضوح لرؤية الصواب و الخطأ.

في حانوت لبيع الكتان في " شارع أمتهاوس " تتحدث امرأة مع صديقتها . فقدت وظيفتها للتو . اشتغلت عشرين عاماً موظفة في " مجلس الشعب" تسجل المجادلات . ساعدت أسرتها . و سرحت الآن وهي تعيل فتاة ماتزال في المدرسة و تعيش مع زوج يمضي كل صباح ساعتين في المرحاض. دخلت مديرتها في صباح ما , وهي سيدة غريبة الأطوار , مزيتة بإفراط , و طلبت منها أن تخلي مكتبها في اليوم التالي . تصغي الصديقة التي في الحانوت بهدوء و تطوي بأناقة غطاء الطاولة الذي اشترته , تنزع نسالة الكتان عن كنزة المرأة التي فقدت وظيفتها . تتفق الصديقتان على اللقاء لتناول الشاي في الساعة العاشرة من اليوم التالي . الساعة العاشرة , بعد سبع عشرة ساعة و خمس و ثلاثين دقيقة من هذه اللحظة تبتسم المرأة التي فقدت وظيفتها للمرة الأولى طوال اليوم , تتخيل في ذهنها الساعة التي على حائط مطبخها تحدد كل ثانية بين الآن والساعة العاشرة غداً, دون انقطاع , دون استشارة.

و ثمة ساعة مشابهم في منزل صديقتها متزامنة معها . غداً في العاشرة إلا ثلثاً , سترتدي المرأة لفاعها و قفازيها و معطفها و تسير في " شيفلاوبي" عابرة جسر " نيديك" متوجهة إلى " المقهى" في شارع بوست . في العاشرة إلا ربعاً , ستغادر صديقتها منزلها في شارع تسويغاهوس و تشق طريقها إلى المكان نفسه .
ستتقابلان في الساعة العاشرة . ستتلقيان في العاشرة .

إن عالماً يكون فيه الزمن مطلقاً هو عالم عزاء . ذلك أنه بينما تكون حركات البشر غير قابلة للرصد , تكون حركة الزمن قابلة لذلك . وبينما يمكن أن يُشك بالبشر , لايمكن الشك بالزمن . و بينما يشرد البشر ينزلق الزمن إلى الأمام دون أن ينظر إلى الخلف . في المقاهي , في الأبنية الحكومية , في القوارب التي في بحيرة جنيف , ينظر البشر إلى ساعاتهم اليدوية و يلوذون بالزمن . تعرف كل امرأة أنه في مكان ما تكون مسجلة لحظة ولادتها و اللحظة التي قامت فيها بالخطوة الأولى , ولحظة هواها الأول و اللحظة التي ودعت فيها والديها .







3 أيار 1905

تخيل عالماً تحكم فيه العشوائية السبب و النتيجة . تارة يسبق السبب النتيجة وطوراً تأتي النتيجة قبل السبب, أو ربما يكمن السبب دائماً في الماضي بينما تكمن النتيجة في المستقبل , بينما يتشابك الماضي و المستقبل.

تطل مصطبة بندستراس على منظر مدهش : نهر آري في الأسفل و جبال الألب في الأعلى . يقف هناك رجل في هذه اللحظة سارح الذهن , يفرغ جيبيه و يبكي . تخلى عنه أصدقاؤه دون سبب . لم يعد يتصل به أحد , لا أحد يقابله على العشاء أو لشرب البيرة في الحانة, لا أحد يدعوه إلى منزله . كان طوال عشرين عاماً الصديق المثالي لأصدقائه .كان كريماً , مهتماً , لبقاً, عطوفاً. ما الذي حدث؟بعد أسبوع من هذه اللحظة يتصرف الرجل نفسه على المصطبة بطريقة سخيفة , يهين الجميع , يرتدي ثياباً تفوح منها الروائح , يبخل بماله , لا يسمح لأحد بالمجيء إلى شقته في " لوبنستراس" . ما الذي كان السبب وما الذي كان النتيجة؟ أيهما الماضي و أيهما المستقبل ؟

صدق المجلس في زيوريخ مؤخراً على قوانين صارمة . يجب ألا تباع المسدسات للعامة . يجب أن تفتش البنوك و المتاجر بحثاً عن المهربات . يجب أن يفتش جميع الزوار سواء الذين يدخلون زيوريخ بالزورق عبر نهر " ليمات" أو بالقطار على خط " سيلينو" بحثاً عن البضائع المهربة . تمت مضاعفة عدد أفراد الشرطة المدنية . بعد شهر من تشديد الإجراءات حدثت أسوأ الجرائم في تاريخ
"زيوريخ" . قُتل البشر في وضح النهار في الوينبلاتز , سرقت اللوحات من متحف كنست , شرب الكحول على مقاعد " منسترهوف" . أليست هذه الأفعال الإجرامية موضوعة في غير موضعها في الزمن ؟ أو ربما كانت القوانين الجديدة فعلاً لا ردة فعل؟

تجلس امرأة شابة قرب نافورة في " بوتانشرغارتن", تجيء إلى هنا كل أحد لتستنشق أريج البنفسج , وردة المسك , أزهار العصيفرة القرنفلية الملتفة .

فجأة يحلق قلبها , تحمر خجلاً , تخطو بلهفة , تصبح سعيدة دون سبب . بعد أيام تقابل شاباً و تقع في الحب . أليس الحدثان متصلين ؟ لكن وفق أي اتصال غريب ,وفق أي اتصال غريب , وفق أي اعوجاج في الزمن , وفق أي منطق معكوس؟

في هذا العالم اللاسببي , العلماء عاجزون . تصبح تنبؤاتهم لغواً , تصبح معادلاتهم تبريرات , منطقهم لا منطقاً . يصبح العلماء متهورين و يغمغمون مثل مقامرين لا يستطيعون التوقف عن المراهنة . العلماء مهرجون ليس لأنهم عقلانيون , بل لأن الكون غير عقلاني , أو ربما ليس لأن الكون غير عقلاني بل لأنهم عقلانيون . من الذي يستطيع أن يحذر في عالم لا سببي؟
الفنانون فرحون في هذا العالم . الغموض هو حياة لوحاتهم و موسيقاهم و رواياتهم . يستمتعون بأحداث لم تكتنه بعد , بحوادث غير مشروحة , باستعادة الماضي.
تعلم معظم البشر كيف يعيشون في اللحظة , و يحتدم الجدل حول أنه إذا أحدث الماضي تأثيراً غير مؤكد على المستقبل فإن الأعمال الحالية يجب ألا تقدر أهميتها من أجل نتيجتها . بالأحرى , كل فعل هو جزيرة في الزمن , و يجب أن يحكم عليه بذاته . تريح عائلة عماً يحتضر ليس بسبب الميراث , بل لأنه محبوب في تلك اللحظة . يتم استئجار الموظفين ليس بسبب مجمل أعمالهم و لكن بسبب حسهم الجيد في المقابلات . الموظفون الذين يدوسهم . إنه عالم اندفاع , عالم إخلاص , عالم تتحدث فيه الكلمة المنطوقة مع تلك اللحظة فقط , تمتلك كل نظرة معنى واحداً فقط , لا تملك كل لمسةٍ ماضياً أو مستقبلاً , و كل قبلة هي قبلة مباشرة .

4 أيار 1905

إنه المساء . يجلس أربعة من الإنكليز و السويسريين إلى طاولتهم المألوفة في غرفة الطعام في فندق " سان موريزان " في " سينت موريتز" يلتقون هنا كل عام في شهر حزيران , ليتحدثوا و يستحموا. الرجلان أنيقان يرتديان ربطتي عنق سوداوين و حزامين , المرأتان جميلتان و ترتديان فستاني سهرة . يسير النادل عبر الأرضية الخشبية الرائعة و يتلقى طلباتهم
تقول المرأة التي تزين شعرها بشريط قماش موشى : " أظن أن الطقس سيكون معتدلاً غداً. سيكون هذا مريحاً".
يهز الآخرون رؤوسهم و تتابع كلامها : " تبدو الحمامات أكثر إمتاعاً حين يكون الجو مشمساً. رغم أن هذا يجب ألا يهم كما أعتقد" .
يقول الأميرال : " رننيك لايتلي "* فاز بأربع نقاط مقابل نقطة واحدة في دبلن "
يغمز زوجته .
يقول الرجل الآخر : " سأراهن بخمس نقاط مقابل واحدة إذا راهنت " .

تقطع النساء أرغفة العشاء , تدهنها بالزبدة و تضع السكاكين على جانب صحون الزبدة . يثبت الرجال أعينهم على المدخل.

تقول المرأة التي تزين شعرها بشريطة قماشية موشاة : " أحب نسيج أغطية الطاولات " .

تأخذ منديلها تفتحه ثم تطويه مرة أخرى .

تقول المرأة الأخرى مبتسمة : " أنت تريدين هذا كل عام يا جوزفين ".

يأتي العشاء . طلبوا الليلة سرطانات البحر , الهليون , شرائح لحم البقر و النبيذ الأبيض .

تقول المرأة التي تزين شعرها بشريطة قماشية موشاة وهي تنظر إلى زوجها :

" كيف هو صحنك ؟"

- زيادة قليلة في البهارات كالأسبوع الماضي .

- وأنت أيها الأميرال كيف شرائحك؟

يقول الأميرال بسعادة : " لم يقلبوا أبداً جانباً من الشرائح "
يقول الرجل الآخر : ألم تلاحظ أنك ذهبت كثيراً إلى مخزن اللحوم . لم تنقص كيلوغراماً واحداً منذ العام الماضي أو ربما الأعوام العشرة الأخيرة .

يقول الأميرال غامزاً زوجته : " ربما لا تستطيع أن تلاحظ , بيد أنها تستطيع " .

تقول زوجة الأميرال : " يمكن أن أكون مخطئة , لكن يبدو أن الغرف أكثر تعرضاً للهواء البارد هذا العام ".

يهز الآخرون رؤوسهم و يتابعون تناول سرطانات البحر و شرائح لحم البقر . تتابع كلامها : " دائماً أ،انام بشكل أفضل في الغرف الدافئة لكن إذا كانت معرضة للهواء البارد أستيقظ مصابة بالسعال "
تقول المرأة الأخرى : " ضعي الغطاء فوق رأسك " .
تقول زوجة الأميرال: نعم, لكنها تبدو محتارة.
تكرر المرأة الأخرى : " ضعي رأسك تحت الشرشف عندئذ لايزعجك الهواء البارد . يحدث لي طوال الوقت في كريدلوالد . ثمة نافذة قرب سريري . أستطيع أن أتركها مفتوحة إذا غطيت أنفي . وهذا يترك الهواء البارد في الخارج " .
تتحلحل المرأة التي تزين شعرها بشريطة موشاة على كرسيها , تنزل ساقاً عن أخرى تحت الطاولة .

تأتي القهوة . يذهب الرجلان إلى غرفة التدخين و المرأتان إلى الأراجيح على السطح الكبير في الخارج.

يسأل الأميرال: " كيف حال المشاريع منذ العام الماضي ؟

يقول الرجل الآخر و هو يحتسي البراندي : " لا تستطيع أن تشكو " .

" و الأولاد ؟"

" كبروا عاماً"

في الرواق , تتأرجح المرأتان وتنظران في الليل . و يحدث الشئ نفسه في كل فندق ومنزل و بلدة , ذلك أن الزمن يمر لكن لايحدث سوى القليل في هذا العالم . و تماماً كما يحدث القليل من عام لآخر يحدث القليل من شهر لآخر و من يوم لآخر . و إذا كان الزمن و مرور الأحداث هما الشيء نفسه فهذا يعني أن الزمن لا يكاد يمر مطلقاً . و إذا لم يكن الزمن و مرور الأحداث هما الشيء نفسه , فهذا يعني أن البشر هم الذين لايكادون يتحركون .

إذا لم يمتلك المرء طموحات في هذا العالم فإنه يعاني دون أن يعرف . و إذا امتلك المرء طموحات فإنه يعاني و هو يعرف , و لكن ببطء شديد.

_____________________________________

* رننيك لايتلي : اسم حصان







فاصلة

يسير آينشتاين و بيسو ببطء في وقت متأخر من بعد الظهر . إنه وقت هادئ من أوقات النهار . البقالون ينزلون ظلات حوانيتهم و يخرجون دراجاتهم . تنادي أم ابنتها من شرفة طابق ثان لتجيء إلى المنزل و تحضر العشاء .

كان آينشتاين يشرح لصديقه "بيسو" لماذا يريد أن يعرف الزمن . لكنه لا يقول شيئاً عن أحلامه . سيصلان حالاً إلى منزل " بيسو" .أحياناً يبقى آينشتاين هناك أثناء العشاء و يتوجب عندئذ على " ميليفا" أن تأتي لتحضره حاملة رضيعهما . يحدث هذا عادة حين يكون آينشتاين مهووساً بمشروع جديد كما هو الآن و طوال العشاء ينتر رجليه تحت الطاولة .

ليس آينشتاين رفيق عشاء جيد .

ينحني آينشتاين باتجاه بيسو الذي هو قصير أيضاً و يقول : أريد أن أفهم الزمن لأقترب من الواحد القديم .يهز بيسو رأسه . لكن ثمة مشاكل يشير إليها بيسو . ليس الواحد القديم مهتماً بالاقتراب من مخلوقاته سواء أكانت ذكية أم لا . و المشكلة الأخرى هي أن هذا المشروع الزمني يمكن أن يكون كبيراً جداً على شخص يبلغ 26 عاماً من العمر .

من ناحية أخرى , يعتقد " بيسو" أن صديقه يمكن أن يكون قادراً على أي شيء.ذلك أن آينشتاين أكمل خلال هذا العام أطروحته في الدكتوراه , أنهى بحثاً عن الفوتونات و آخر عن الحركة البراونية ولقد بدأ هذا المشروع الحالي بالفعل كاستقصاء للكهرباء و المغناطيسية و يتطلب كما أعلن أينشتاين فجأة في أحد الأيام إعادة فهم للزمن . " بيسو" محتار من طموح آينشتاين .

يترك " بيسو" آينشتاين وحيداً مع أفكاره لوهلة . يتساءل ما الذي طبخته " آنا" للعشاء وينظر عبر شارع جانبي إلى قارب فضي يلمع في نهر آري تحت شمس منخفضة . و بينما يسير الرجلان تتكتك خطواتهما بنعومة على الحجر الإسفلتي . عرفا بعضهما منذ أيام الدراسة في " زوريخ".

قال بيسو : " وصلتني رسالة من أخي الذي في روما .سيأتي لزيارتي لمدة شهر . تحبه " آنا" لأنه يطري شخصيتها دائماً".

يبتسم آينشتاين سارح الذهن .

" لن أتمكن من مشاهدتك بعد العمل حين يأتي أخي . هل ستكون على ما يرام ؟"

يسأله آينشتاين : ماذا؟

يكرر بيسو : لن أقدر على رؤيتك كثيراً حين يجيء أخي , هل ستكون بخير وحدك؟

يجيبه آينشتاين : " أكيد لاتقلق من أجلي " .

كان آينشتاين يعتمد على نفسه منذ أن تعرف إليه " بيسو " . كانت عائلته تنتقل حين كان طفلاً . إنه متزوج مثل " بيسو" لكنه نادراً ما يذهب إلى أي مكان مع زوجته , حتى في المنزل يهرب من " ميليفا" في منتصف الليل و يدخل المطبخ ليدرس صفحات طويلة من المعادلات التي يريها في المكتب لبيسو في اليوم التالي .

يتفحص " بيسو" صديقه بفضول .

بالنسبة لشخص منطو على نفسه و منعزل , يبدو ذلك الولع بالقرب غريبا.








9 أيار 1905

سينتهي العالم في 26 أيلول 1907 . الجميع يعرفون هذا . و ما يجري في بيرن يجري في جميع المدن و البلدات .
قبل عام من النهاية تغلق المدارس أبوابها . لماذا الدراسة من أجل المستقبل حين يكون المستقبل قصيراً؟ يلعب الأطفال لعبة الغميضة في أروقة شارع كرام مسرورين من انتهاء الدروس إلى الأبد . يركضون في أرستراس و يرمون أحجاراً في النهر و يصرفون نقودهم لشراء النعناع المفلفل و عرق السوس . يسمح لهم أولياء أمورهم أن يفعلوا أي شيء يرغبون به .

قبل شهر من النهاية تتوقف المشاريع . يوقف مجلس الشعب إجراءاته . يصمت بناء التلغراف الفيدرالي في شارع شبايشا و أيضا معمل الساعات في " لوبنستراسي" و الطاحونة التي وراء جسر نيديك . ما الحاجة إلى التجارة و الصناعة حين لا يبقى سوى القليل من الزمن ؟

يجلس البشر في المقاهي الرصيفية التي في شارع أمتهاوس , يحتسون القهوة ويتحدثون بارتياح عن حيواتهم . التحرر يملأ الجو . في هذه اللحظة تتحدث امرأة عيناها بنيتان مع أمها حول الوقت القصير الذي أمضياه مع بعضهما حين كانت الأم تعمل خياطة . تخطط الأم و ابنتها للقيام برحلة إلى " لوسيرن " . سوف يصلحان حياتين فيما تبقى من وقت . على طاولة أخرى يخبر رجل صديقه عن مشرف مكروه غالباً ما مارس الجنس مع زوجته بعد ساعات العمل في غرفة الملابس التابعة للمكتب و هدد بتسريحه إذا سبب هو أو زوجته أية مشكلة . لكن ما الذي يخيف الآن ؟

رتب الرجل أموره مع المشرف و تصالح مع زوجته , وبعد أن ارتاح من ذلك مدد رجليه و طاف بعينيه فوق جبال الألب.

في المخبز الذي يقع في " السوق" يضع الخباز ذو الإصبع السميكة العجين في الفرن و يغني. في هذه الأيام يطلب الناس خبزهم بتهذيب . يبتسمون و يدفعون بسرعة لأن النقود تفقد قيمتها .يثرثرون حول نزهات تمت في فرايبورغ , عن وقت قضوه في الاصغاء إلى قصص أولادهم , عن نزهات طويلة في منتصف بعد الظهر . لا يبدو أنهم يكترثون بأن العالم سينتهي حالاً لأن الجميع يتقاسمون القدر نفسه . إن عالماً سينتهي بعد شهر هو عالم مساواة.

قبل يوم واحد من النهاية , تضج الشوارع بالضحك. الجيران الذين لم يتحدثوا أبداً مع بعضهم يتبادلون التحية كأصدقاء , يتعرون و يستحمون في النافورة . آخرون يغوصون في نهر آري , و بعد أن يسبحوا إلى حد الإعياء يستلقون على العشب الكثيف على طول النهر و يقرأون الشعر . محام و موظف بريد لم يلتقيا أبداً من قبل, يشبكان ذراعيهما و يسيران عبر بوتانشرغارتن , يبتسمان لنبات قرن الغزال و نبات النجمية و يناقشان الفن و اللون . ماذا تعني محطاتهما الماضية ؟ في عالمٍ سينتهي بعد يوم واحد هما متساويان .

في ظلال شارع جانبي بعيد عن نهر آري , يستند رجل و امرأة إلى حائط , يشربان البيرة و يأكلان لحم البقر المجفف. فيما بعد , ستأخذه إلى شقتها . إنها متزوجة من شخص آخر لكنها أرادت هذا الرجل طوال سنوات وسوف تلبي رغباتها في هذا اليوم الأخير من نهاية العالم .

تعدو بعض الأرواح في الشوارع و تقوم بأفعال خيرة لتصحح أفعالها الشريرة التي ارتكبتها في الماضي . و كانت ابتساماتها هي الابتسامات الوحيدة الشاذة .

قبل دقيقة من نهاية العالم يجتمع الجميع على أراضي متحف كنسنت . يشكل الرجال والنساء و الأولاد دائرة عملاقة و يمسكون أيدي بعضهم . لايتحرك أو يتحدث أحد . يخيم صمت مطبق بحيث يستطيع كل شخص أن يسمع نبض قلب الذي يقف على يمينه أو يساره . هذه هي الدقيقة الأخيرة في حياة العالم . في الصمت المطلق تلتقط نبتة كف ذئب أرجوانية الضوء على الجانب الأسفل من أزهارها , تتوهج للحظة ثم تتلاشى بين الأزهار الأخرى . خلف المتحف ترتجف الأوراق الإبرية للشربين بنعومة حين يتحرك النسيم عبر الأشجار . و بعيداً إلى الخلف , عبر الغابة , يعكس نهر آري ضوء الشمس , يلتوي الضوء مع كل تجعيدة في سطحه . إلى الشرق , ينهض برج كاتدرائية القديس فنسنت أحمر وهشاً , بناؤه الحجري رقيق كشرايين ورقة . وفي الأعلى تبدو جبال الألب المكللة بالثلوج و التي تجمع بين الأبيض و الأرجواني ضخمة و صامتة . تطوف غيمة في السماء . لا أحد يتحدث .

يبدو في الثواني الأخيرة و كأن الجميع قفزوا عن قمة توباز ممسكين بأيدي بعضهم . تقترب النهاية كأرض مقتربة . يهب الهواء البارد , تفقد الأجسام أوزانها . يتثاءب الأفق الصامت أميالاً . وفي الأسفل , يندفع غطاء الثلج الشاسع مقترباً ليغطي تلك الدائرة من اللون القرنفلي و الحياة .








10 أيار 1905

الوقت أواخر بعد الظهر . تعشش الشمس لحظة قصيرة في تجويف جبال الألب الثلجي . تندفع أشعة الضوء المائلة و الطويلة من الجبال عابرة بحيرة هادئة و ترمي ظلالها على بلدة تقع في الأسفل .

تتألف البلدة من قطعة واحدة و قطع كثيرة . تشكل أشجار التنوب و الشربين و صونوبر الآرولا حداً من جهة الشمال و الغرب , بينما توجد في الأعلى الزنابق , كف الذئب و حشيشة الأسد الألبية . في المراعي التي قرب البلدة يرعى القطيع من أجل صناعة الزبدة و الجبنة و الشوكولاتة . تنتج طاحونة نسيج صغيرة الخيوط الحريرية و الشرائط و الملابس القطنية . يرن جرس كنيسة . تملأ رائحة لحم البقر المجفف الشوارع والأزقة .





و تظهر نظرة متفحصة أنها مدينة من قطع كثيرة . تعيش إحدى الحارات في القرن الخامس عشر . هنا , ينضم إلى المنازل المبنية من الحجر الخشن سلالم و شرفات خارجية , بينما تفغر الجملونات العليا أفواهها و تنفتح للريح . تنمو الطحالب بين قطع أحجار السقوف المستقيمة , تظهر كنيسة بنوافذ بيضوية الشكل , إيوانات مرصوفة و مسقوفة و تصوينات غرانيتية . يمسك قسم آخر بالحاضر , برواقات مقنطرة تنتظم في كل جادة , درابزونات معدنية على الشرفات , واجهات مصنوعة من الحجر الرملي الناعم .

كل قسم من القرية مثبت إلى زمن مختلف .

في نهاية بعد الظهر , في هذه اللحظات القليلة بينما الشمس تعشش في التجويف الثلجي الألبي , يستطيع المرء أن يجلس قرب البحيرة و يتأمل نسيج الزمن . فرضياً , يمكن أن يكون الزمن ناعماً أو خشناً , شوكياً أو حريرياً , صلباً أو ليناً . لكن في هذا العالم . لكن في هذا العالم يحدث أن يكون نسيج الزمن لاصقاً. تعلق مجموعة من البلدات في لحظة ما من التاريخ ولا تخرج . وهكذا أيضا يعلق الأفراد في نقطة ما من حياتهم ولا يتحررون .

في هذه اللحظة , يتحدث رجل في أحد المنازل التي تقع أسفل الجبل مع صديق . يتحدث عن أيام دراسته في الجمنازيو . تتدلى شهادات الامتياز التي حصل عليها في الرياضيات و التاريخ على الجدران , تشغل ميدالياته الرياضية و غنائمه رفوف الكتب . هنا , على طاولة , توجد صورة له حين كان كابتن فريق التسييج يعانقه فيها شبان آخرون ذهبوا منذ ذلك الوقت إلى الجامعة و أصبحوا مهندسين ومصرفيين و تزوجوا . وفي الخزانة توجد ثيابه التي تعود إلى عشرين عاماً, بلوزة التسييج , بنطال التويد الضيق على خصره الان . الصديق الذي كان يحاول طوال أعوام أن يعرف الرجل على أشخاص آخرين يهز رأسه بكياسة و يصارع بصمت ليتنفس في الغرفة الصغيرة .

في منزل آخر يجلس رجل إلى طاولته وحيداً و هي مجهزة لاثنين , منذ عشرة أعوام جلس هنا مقابل والده ولم يقدر أن يقول إنه يحبه , بحث خلال أعوام طفولته على لحظة صلة , تذكر المساءات التي جلس فيها ذلك الرجل الصامت مع كتابه , كان غير قادر أن يقول إنه أحبه , لم يقدر أن يقول إنه أحبه . يوجد على الطاولة صحنان , كأسان , شوكتان , كما كان الأمر في تلك الليلة الماضية . يبدأ الرجل تناول الطعام , لايستطيع أن يأكل , يبكي غير قادر أن يسيطر على نفسه . لم يقل أبداً إنه أحبه .

في منزل آخر تنظر امرأة بولع إلى صورة ولدها الشاب المبتسم و المتألق . تكتب له رسالة إلى عنوان طويل مضلل , تتخيل الرسائل السعيدة التي ستتلقاها . حين يقرع ابنها الباب , لاتفتحه . حين يأتي ولدها بوجهه اللاهث وعينيه الزجاجيتين إلى نافذتها و يطلب النقود لا تسمعه . حين يترك لها ولدها ذو المشية المتعثرة رسائل متوسلاً أن يشاهدها ترمي الرسائل دون أن تفتحها . حين يقف ولدها في الليل خارج منزلها تنام باكراً. في الصباح تنظر إلى صورته , تكتب رسائل عبادة إلى عنوان مضلل طويل.

تشاهد عانس وجه الشاب الذي أحبها في مرآة غرفة نومها , على سقف المخبز , على سطح البحيرة , في السماء.

إن مأساة هذا العالم هي أنه لا يوجد أي شخص سعيد سواه أكان عالقاً في زمن ألم أو متعة . إن مأساة هذا العالم هي أن كل شخص هو وحيد لأن حياة في الماضي لايمكن أن تعاش في الحاضر , إن كل شخص يعلق في الزمن يعلق وحيداً.







11 أيار 1905

حين يسير المرء في السوق يرى منظراً عجباً : الكرز الذي في أكشاك بيع الفاكهة مرتب في صفوف , القبعات التي في المتجر مجموعة بأناقة , الأزهار التي على الشرفات كرتبة في تناسق تام . لا فتات على أرض المخبز , لا حليب مسفوحاً على أرضية بيت المؤن . لا شئ خارج موضعه .

حين تنتهي حفلة مرحة في مطعم تصبح الطاولات أكثر ترتيباً مما كانت عليه . حين تهب ريح خفيفة عبر الشارع , يكنس الشارع . و يصبح نظيفاً و تنقل الأوساخ و الغبار إلى حافة البلدة . حين تتكسر أمواج على الشاطئ , يعيد الشاطئ بناء نفسه . حين تسقط الأوراق عن الأشجار , تصطف الأوراق كالطيور في تشكيل كحرف
v .
حين تشكل الغيوم وجوهاً , تبقى الوجوه . حين ينفث غليون الدخان في غرفة يندفع السخام نحو زاوية الغرفة تاركاً جواً خالياً. تصبح الشرفات المطلية المعرضة للريح و المطر أكثر تألقاً مع مرور الزمن . يجعل صوت الرعد أصيصاً مكسوراً يعيد تكوين نفسه , يجعل الشظايا المحطمة تقفز إلى أماكنها المحددة حيث تتلاءم و تلتحم . يزداد الأريج الفواح لعربة قرفة عابرة و لا يتلاشى مع مرور الزمن .

هل تبدو هذه الحوادث غريبة؟

يسبب مرور الزمن في هذا العالم نظاماً متزايداً . النظام هو قانون الطبيعة , الميل العالمي, الجهة الكونية . إذا كان الزمن سهماً, يشير السهم نحو النظام . المستقبل نموذج , منظمة , اتحاد , توتير, الماضي عشوائية , فوضى , تحلل , تلاشٍ.

يرى الفلاسفة أنه بدون اتجاه نحو النظام يفقد الزمن معناه . يصبح الزمن غير قابل للتمييز عن الماضي . يصير تعاقب الأحداث مشاهد عشوائية من ألف رواية .

سيصبح التاريخ غير قابل للتمييز مثل الضباب الذي نجمعه ببطء قمم الأشجار في المساء.

في عالم كهذا يستلقي البشر الذين يعيشون في منازل غير مرتبة في أسرتهم و ينتظرون أن تنفض قوى الطبيعة الغبار عن نوافذهم و ترتب الأحذية في خزائنهم . البشر الذين يعيشون علاقات غير منظمة يمكن أن يقوموا بنزهات بينما تصبح تقاويمهم منظمة , مواعيدهم مرتبة و أرصدتهم متوازنة . يمكن أن توضع الفرشاة , و أحمر الشفاه و الرسائل في المحفظات بإهمال مع وجود قناعة أنها سترتب نفسها آلياً . ولن تحتاج الحدائق إلى أن تشذب و الأعشاب إلى أن تستأصل . تصبح المكاتب أنيقة في نهاية اليوم . الثياب التي على الأرض في المساء تتوضع على الكراسي في الصباح . الجرابات المفقودة تعاود الظهور .

إذا زار المرء مدينة في الربيع يرى منظراً عجباً آخر . ذلك أن البشر يمرضون في الربيع من نظام حياتهم .يدمر البشر في الربيع منازلهم بغضب , يتحركون بين الأوساخ ,يحطمون الكراسي , يكسرون النوافذ . في شارع أربر أو أية جادة سكنية يسمع المرء في الربيع أصوات الزجاج المحطم و الصراخ و العويل و الضحك . في الربيع يلتقي البشر في أوقات غير منظمة , يحرقون كتب مواعيدهم , يقذفون ساعات يدهم بعيداً, يشربون طوال الليل. يستمر هذا الوضع الهستيري إلى الصيف حين يستعيد البشر أحاسيسهم و يعودون إلى النظام .







14 أيار 1905


ثمة مكان يتوقف فيه الزمن . تتدلى قطرات المطر دون حراك في الجو . تتجمد رقاصات الساعات في منتصف التأرجح . ترفع الكلاب خطومها في عواء صامت . يتجمد العابرون في الشوارع الغبارية و أرجلهم مرفوعة نحو الأعلى كأنها مشدودة بخيوط . تعلق روائح البلح و المانغا و الكزبرة و الكمون في الفضاء .

حين يقترب مسافر إلى هذا المكان من أيه جهة , يتحرك ببطء متزايد . يزداد تباعد دقات قلبه , يضعف نفسه , تنخفض حرارته , تبهت أفكاره إلى أن يصل إلى حالة الموت ويتوقف . ذلك أن هذا هو مركز الزمن . من هذا المكان يتحرك الزمن نحو الخارج في دوائر متحدة , المركز يكون مستقراً في المركز , يجمع السرعة ببطء في أقطار دوائر أكبر . من الذي سيحج إلى مركز الزمن ؟ الآباء و الأمهات مع أولادهم و العشاق .

و هكذا , في المكان الذي يتوقف فيه الزمن , يرى المرء الآباء و الأمهات يتشبثون بأولادهم في عناق متجمد لن يتحرر أبداً. لن تتوقف الإبنة الشابة الجميلة ذات العينين الزرقاوين و الشعر الأشقر عن تلك الابتسامة التي تبتسمها , لن تفقد توهج خديها القرنفلي الناعم , لن تنالها التجاعيد أو التعب , لن تصاب بالأذى , لن تنسى ما علمها والداها , لن تعرف الشر أبداً , لن تقول لوالديها أبداً إنها لا تحبهما , لن تغادر غرفتها المطلة على البحر , لن تتوقف أبداً عن لمس والديها كما تفعل الآن.

و في المكان الذي يتوقف فيه الزمن يشاهد المرء العشاق يتبادلون القبل في ظلال المباني في عناقات متجمدة لن تنفك أبداً. لن يزيح المعشوق ذراعيه عن موقعهما لن يعيد سوار الذكريات , لن يسافر بعيداً عن معشوقته , لن يخاطر بنفسه في التضحية الذاتية , لن يفشل في إظهار حبه , لن يغادر أبداً, لن يقع في حب امرأة أخرى , لن يفقد أبداً هوى هذه اللحظة في الزمن .

يجب أن يلاحظ المرء أن تلك التماثيل مضاءة بأضعف لون أحمر لأن الضوء تلاشى في مركز الزمن و تحولت ذبذباته إلى أصداء في الأودية الواسعة و صغر توتره حتى أصبح مثل التوهج الباهت للحباحب .

أولئك الذين ليسوا هادئين في مركز الزمن يتحركون فعلاً لكن بخطوات متجمدة . يمكن أن يستغرق تمشيط الشعر عاماً , يمكن أن تستغرق قبلة ألف عام. و في الوقت الذي تعاد فيه ابتسامة تمر الفصول في العالم الخارجي . و في الوقت الذي يضم فيه طفل تُبنى جسور. و في الوقت الذي يقال فيه وداعاً تتفتت مدن و تُنسى .

و أولئك الذين يعودون إلى العالم الخارجي ..

ينمو الأطفال بسرعة , ينسون عناق آبائهم و أمهاتهم الذي استمر قروناً و الذي , بالنسبة إليهم , استمر بضع ثوان فقط . الأطفال الذين يصبحون راشدين , يعيشون بعيداً عن أمهاتهم و آبائهم في منازلهم الخاصة , يتعلمون طرقاً خاصة بهم , يعانون من الألم , يشيخون . يلعن الأطفال آبائهم و أمهاتهم لأنهم يحاولون الاحتفاظ بهم إلى الأبد , يلعنون الزمن بسبب تجاعيد جلدهم و أصواتهم الأجشة . هؤلاء الذين أصبحوا أطفالاً شائخين يريدون أن يوقفوا الزمن لكن في زمن آخر . يريدون أن يجمدوا أبناءهم في مركز الزمن .

العشاق الذين يعودون يجدون أن أصدقاءهم رحلوا منذ وقت طويل . في النهاية , انتهت فترات الحيوات . يتحركون في عالم لا يعرفون , العشاق الذين عادوا ما يزالون يتعانقون في ظلال الأبنية إلا أن عناقاتهم تبدو الآن فارغة ووحيدة . حالاً ينسون الوعود التي عمرها قرون و التي بالنسبة لهم استمرت بضع ثوان فقط , حتى بين الغرباء يتبادلون كلمات نابية , يفقدون الهوى , ينفصلون , يشيخون , و يصبحون وحيدين في عالمٍ لا يعرفونه .

يقول البعض من الأفضل عدم الاقتراب من مركز الزمن . الحياة قارب حزن إلا أنه من النبل أن يعيش المرء الحياة و لكن بدون الزمن لا توجد حياة . لا يوافق آخرون . سيفضلون أبدية من القناعة حتى و لو كانت متوقفة متجمدة , كفراشة حبيسة في علبة .







15 أيار 1905

تخيل عالماً يخلو من الزمن , ليس فيه إلا الصور .

طفلة على الشاطئ , مسحورة من رؤيتها الأولى للمحيط . امرأة واقفة على الشرفة فجراً شعرها المنسدل , ثياب نومها الفضفاضة , شفتاها . القوس المحنية للرواق المقنطر قرب نافورة تسيرغنا في شارع كرام , الحجر الرملي و الحديد . يجلس رجل في مكتبه الهادئ حاملاً صورة امرأة و ثمة نظرة استياء على وجهه . عقاب مؤطر في السماء باسط جناحيه , أشعة الشمس تتغلغل في ريشه . يجلس فتى يافع في صالة فارغة يخفق قلبه كأنه على خشبه المسرح . آثار أقدام على الثلج في جزيرة شتائية . قارب على المياه في الليل تبدو أضواءه باهتة في المسافة كمثل نجمة صغيرة حمراء في السماء السوداء . خزانة أدوية مغلقة . امرأة تلبد في الدغل , تنتظر قرب منزل زوجها اللامبالي الذي يجب أن تتحدث إليه . مطر خفيف في يوم ربيعي أثناء نزهة هي النزهة الأخيرة التي يقوم بها شاب في المكان الذي يحبه . غبار على أسكفة نافذة . طاولة تعرض فليفلة صفراء و خضراء و حمراء .
. قطة تراقب خنفساء على النافذة .فتاة شابة على مقعد , تقرأ رسالة , دموع الفرح في عينيها الخضراوين . حقل كبير مخطط بأشجار و الأرز و التنوب . ضوء الشمس الداخل في زوايا طويلة من خلال النافذة في نهاية بعد الظهر .زجاجة محطمة على الأرض , سائل بني في الصدوع , امرأة عيناها حمراوان . عجوز في المطبخ يعد الفطور لحفيده , الطفل يحدق عبر النافذة الى مقعد مطلي باللون الأبيض . كتاب مهترئ على طاولة قرب مصباح باهت . البياض على المياه كموجة تتلاشى تعصف بها الريح . امرأة تستلقي على أريكتها , شعرها مبلل , تمسك يد رجل لن تراه مرة ثانية أبداً, قطار عرباته حمراء على جسر حجري كبير أقواسه بارعة الجمال , نهر في الأسفل , نقاط صغيرة في منازل بعيدة , ذرات الغبار تعوم في ضوء الشمس خلال نافذة , الجلد الرقيق في منتصف عنق , رقيق بما يكفي لرؤية نبض الدم . رجل و امرأة عاريان يغطيان بعضهما , الظلال الزرقاء للأشجار تحت البدر , قمة جمبل و ريح قوية منتظمة , يتراءى الوادي في جميع الجهات , سندويتشات لحم بقر و جبنة , طفل ينقز من صفعة والده , شفتا الأب ملويتان من الغضب , الطفل لا يفهم , وجه غريب في المرآة شائب عند الصدغين . شاب يحمل هاتفاً منذهل مما يسمع , صورة عائلة , الأب و الأم شابان و مسترخيان , الأولاد يرتدون ربطات العنق و الفساتين و يبتسمون . ضوء بعيد باهت يبدو من خلال أجمة أشجار , اللون الأحمر عند الغروب , قشرة بيضة , هشة, غير محطمة , قبعة زرقاء مغسولة على الشاطئ . ورود مقطوعة طافية في النهر تحت الجسر و جوسق يرتفع . شعر أحمر لعاشقة , وحشي , شرير وواعد . امرأة شابة تحمل تويجات أرجوانية . غرفة من أربعة جدران و نافذتين و سريرين و طاولة و مصباح و شخصين بوجهين حمراوين و دموع . القبلة الأولى , كواكب عالقة في الفضاء , محيطات , صمت , قطرة ماء على النافذة , حبل ملتف , فرشاة صفراء .








20 أيار 1905

إن نظرة إلى الأكشاك المزدحمة في " شارع شبيتال" تروي القصة . يسير البقالون بتردد من كشك إلى آخر ليكتشفوا مااذا يبيع كل كشك . هنا يوجد تبغ , لكن أين بذور الخردل ؟ هنا يوجد شوندر سكري لكن أين سمك البقلاي ؟ هنا حليب الماعز لكن أين الساسفراس ؟ ليس هؤلاء سواحاً في زيارتهم الأولى لبرن . إنهم مواطنو " بيرن " . لا أحد يتذكر أنه اشترى منذ يومين شوكولاته من حانوت يدعى " فرديناندز " أو لحم بقر من محل " هوف " للمواد الغذائية . يجب أن يعثر على كل حانوت و ما يختص به من جديد . يسير كثيرون وفق الخرائط التي ترشدهم من رواق مقنطر إلى آخر في المدينة التي عاشوا فيها طوال حياتهم , في الشارع الذي تنقلوا فيه طوال أعوام . يسير كثيرون حاملين الدفاتر ليسجلوا ما تعلموه بينما يمكث لوهلة في رؤوسهم . ذلك أن البشر في هذا العالم بلا ذاكرات .

حين يحين وقت العودة إلى المنزل في نهاية اليوم يستشير كل شخص كتاب عناوينه ليعرف أين يعيش . يكتشف اللحام الذي قام بتقطيع غير جيد في اليوم الأول من عمله أن منزله يقع في شارع نيغال. السمسار الذي أنتجت ذاكرته المحدودة عن السوق استثمارات ممتازة , يقرأ أنه يسكن في شارع بندس . حين يصل كل رجل إلى منزله يجد امرأة و أطفالاً ينتظرون عند الباب , يعرف عن نفسه , يساعد في تحضير وجبة العشاء , يقرأ قصصاً لأطفاله . كذلك كل امرأة تعود من عملها تقابل زوجاً و أطفالاً و خوانات و مصابيح و ورق جدران و نماذج من الآنية . في وقت متأخر من الليل لا يبقى الزوج و الزوجة حول الطاولة ليناقشا أعمال اليوم , مدرسة أولادهما , رصيد البنك , بدلاً من ذلك , يبتسمان لبعضهما ,يشعران بالدم الدافئ و بالألم بين الساقين كما كان يفعلان حين التقيا للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً. يعثران على غرفة نومهما , يتعثران و هما يعبران, صوراً عائلية لا يتعرفان عليها و يمضيان الليل في الشبق . ذلك أن العادة والذاكرة تبلدان الهوى الجسدي . بدون ذاكرة , كل ليلة هي الليلة الأولى , كل صباح هو الصباح الأول , كل قبلة و لمسة تحدثان لأول مرة .

إن عالماً بدون ذاكرة هو عالم الحاضر . ينحصر وجود الماضي في الكتب و السجلات . يحمل كل شخص كتاب الحياة الخاص به من أجل أن يعرف نفسه و هذا الكتاب مليء بتاريخ حياته . يستطيع أن يتعرف على هوية والديه أو فيما إذا ولد غنياً أو فقيراً أو إذا كان جيداً أو سيئاً في المدرسة أو إذا أنجز أي شيء في حياته , حين يقرأ صفحات الكتاب كل يوم . بدون كتاب الحياة , يصبح المرء صورة عابرة , صورة ببعدين , شبحاً . في المقاهي التي تقع تحت الأشجار المورقة في برونغاسهالدي يسمع المرء صراخا أليماً لرجل قرأ لتوه أن قتل مرة رجلاً آخر و تنهيدة امرأة اكتشفت لتوها أن أميراً خطبها , تباهياً مفاجئاً من امرأة عرفت أنها حصلت على تشريفات عليا من جامعتها منذ عشرة أعوام . يمضي البعض ساعات الغسق حول طاولاتهم و هم يقرؤون في كتب الحياة , آخرون يملأون بعصبية صفحاتها الإضافية بحوادث اليوم .

مع مرور الزمن تزداد سماكة كتاب الحياة الخاص بكل شخص بحيث لا تمكن قراءاته كله . عندئذ يأتي خيار : الرجال و النساء الكبار في السن يمكن أن يقرأوا الصفحات الأولى ليتعرفون على أنفسهم كشباب , أو يمكن أن يقرأوا النهاية ليتعرفوا على أنفسهم في سنوات لاحقة .

توقف البعض عن القراءة . تخلوا عن الماضي . قرروا أنه لا يهم إذا كانوا أغنياء أم فقراء في الماضي , متعلمين أم جهلة , متكبرين أم متواضعين , عاشقين أم فارغي القلوب – و لايهمهم أيضاً كيف تدخل الريح الخفيفة في شعرهم . ينطر بشر كهؤلاء إلى عينيك بشكل مباشر و يمسكون يدك بشدة . يسير بشر كهؤلاء بالخطوة الواسعة الرشيقة لشبابهم . تعلم بشر كهؤلاء كيف يعيشون في عالم بلا ذاكرة .

اسمحولي ماقدرت اييب الرواية كاملة لانها وايد طويلة والسموحة منكم