﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾
مقدمة: خلق الله تعالى الجبال وجعلها آية من آياته الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه, وأشار سبحانه وتعالى إلى هذه الجبال في كتابه العظيم, ووصف شكلها الظاهر والباطن مشبهاً لها بالأوتاد, قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ: 7]. ولم يكن العقل البشري يتصور أن هذه الجبال بشكلها الظاهر والعظيم لا تمثل إلا نسبة بسيطة من حجم الجبل الحقيقي, ولم يقف القرآن الكريم عند هذا الحد من وصف الشكل, فقد جاء السياق القرآني مبيناً لوظيفة الجبال بأبسط عبارة, قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾[لقمان: 10], فأشارت إلى أن وظيفة الجبال هي تثبيت قشرة الأرض ومنعها من الاضطراب, وكل هذه الأمور كانت غائبة عن العين والتصور البشري إلى القرنين الماضيين. أقوال المفسرين لهذه الآيات: على الرغم من أن هذه المعلومات كانت غائبة عن أنظار الناس في تلك الفترة الماضية إلا أننا نجد أن الأئمة المفسرين قد أشاروا إلى هذه المعلومات, معتمدين في ذلك على التفسير اللغوي لا على معلومات عصرهم, فأوردوا هذا في تفاسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ: 7], ومنها على سبيل المثال: 1- قال ابن الجوزي: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ للأرض لئلا تميد(1). 2- وقال الزمخشري: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾: أي أرسيناها بالجبال كما يرس البيت بالأوتاد(2). 3- وقال القرطبي: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي لتسكن ولا تتكفأ بأهلها(3). 4- وقال أبو حيان: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي ثبتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد(4). 5- وقال الشوكاني: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ الأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسى الخيام بالأوتاد(5). 6- ذكر ابن كثير(يرحمه الله) في تفسير قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي جعل لها أوتادا, أرساها بها, وثبتها, وقررها حتى سكنت, ولم تضطرب بمن عليها(6). 7- وقال سيد قطب في الظلال: وجعل الجبال أوتادا.. يدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد, فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها. أما حقيقتها فنتلقاها من القرآن, وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها. وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال.. وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية, وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية.. وقد يكون لسبب آخر لم يكشف عنه بعد. وكم من قوانين وحقائق مجهولة أشار إليها القرآن الكريم ثم عرف البشر طرفاً منها بعد مئات السنين(7). الجبال (نظرة تاريخية وعلمية): كانت معرفة الناس بالجبال معرفة تأملية قائمة على الوصف النظري والمشاهد؛ لذلك جاءت كل التعاريف للجبال مقتصرة على الشكل الخارجي, ولذلك يعرف علماء الجيولوجيا الجبل بأنه: كتلة من الأرض تبرز فوق ما يحيط بها، وهو أعلى من التل(8)ـ وهذا هو تعريف الموسوعة البريطانية للجبل. ويقول د. زغلول النجار: إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح. والتي ثبت أخيراً أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات, ثم يقول: ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السيرجورج ايري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسباً للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزءاً طافياً على بحر من الصخور الكثيفة المرنة، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكثافة لضمان ثباتها واستقرارها(9). ويعرف الدكتور زغلول الجبال في ضوء المعلومات الحديثة فيقول: إن الجبال ما هي إلا قمم لكتل عظيمة من الصخور تطفو في طبقة أكثر كثافة(10). ويقول الدكتور حسن باحفظ الله: لقد فتن الإنسان بالجبال شكلاً وجذب إليها لما فيها من منافع واكتفى بمعرفتها ظاهرياً إلى بداية القرن الثامن عشر عندما تنبه بير بوجر Griviational Attraction والذي كان يرأس بعثة إلي جبال (الأنديز) إلى أن قوة الجذب المقاسة في هذه المنطقة لا يتناسب مع كتلة هذه الجبال الهائلة وإنما هي أقل بكثير مما هو متوقع، معتمداً على الانحراف في اتجاه القمم البركانية في تلك المنطقة، والملاحظ على قياس الجذب التقليدي الذي كان متوفراً لديه والمسمى: بميزان البناء Plumb Bab ونتيجة لهذه الملاحظة الأولية افترض بوجر ضرورة وجود كتلة صخرية هائلة غير مرئية ليس لها مكان إلا أسفل تلك الجبال البارزة، ولقد حفلت بدايات القرن التاسع عشر الميلادي بالكثير من أعمال المسح الجيولوجي التي قامت بها بعثات جيولوجية بريطانية في شبه الجزيرة الهندية وفسرت من خلالها الكثير من الظواهر. غير أن ظاهرة الشذوذ في قراءات الجاذبية قريباً من جبال الهيمالايا والتي اشتهرت باسم لغز الهند لم تفسر تفسيراً منطقياً إلا في منتصف ذلك القرن من خلال أعمال المسح التي كان يتولى الإشراف عليها سير جورج أفرست والتي كانت تشير بوضوح إلى أنه لا يمكن تفسير هذا الشذوذ إلا بافتراض وجود امتدادات لهذه الجبال الهائلة منغرسة في جوف القشرة الأرضية إلى مسافات عميقة، وأن هذه الامتدادات إما أن تكون من نفس مادة الجبال البارزة أو أكثر كثافة منها. بهذه الفرضية أمكن حل مشكلة الفارق الملاحظ في قياس المسافة بين محطة كاليانا الواقعة في أحضان جبال الهيمالايا وكاليان بور البعيدة نسبياً عن جبال الهيمالايا والواقعة في المنطقة المنبسطة والذي قدر بحوالي 153 متراً، هذا الفرق كان قد لوحظ عندما قيست المسافة بطريقتي قياس مختلفتين: الأولى تعتمد على حساب المثلثات وتسمى بطريقة المسح الثلثي Triangulation Technique والثانية تعتمد على موقع النجم القطبي وتسمى بطريقة المسح الفلكي Astronoical Technique وقد عزى الشماس جون هاري برات Archdeacan John Henry Pratt هذا الفارق إلى تأثر الطريقة الثانية المستخدمة في القياس بقوة جذب كتلة غير منظورة لم يتم إدخالها في المعادلات المستخدمة لإنجاز الحسابات النهائية للقياسات. وبعبارة أخرى كان يشير إلى وجود جذور Roots لجبال الهيمالايا ممتدة أسفل منها وهي التي أثرت على القياسات وأظهرت الفارق سالف الذكر. وفي عام 1865م تقدم سير جورج أيري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسباً للجبال التي تعلوها وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزراً طافية على بحر من صخور أعلى كثافة. وعليه فلا بد للجبال لضمان ثباتها واستقرارها على هذه المادة الأكثر كثافة أن تكون لها جذور ممتدة من داخل تلك المنطقة العالية الكثافة(11). إن التفسير العلمي لنظرية جورج أيري أتى من خلال النموذج الذي قدمه الجيولوجي الأمريكي دتون في عام 1989م Theory of Isostasy شارحاً به نظريته المسماة بنظرية الاتزان والمتمثل في مجموعة من حوض مملوء بالماء شكل المجسمات الخشبية المختلفة الارتفاعات طافية فيه تبين من هذا النموذج أن الجزء المغمور في الماء (شكل: 3) من المجسمات الخشبية يتناسب طرداً مع ارتفاعه ذاكراً أنها في حالة أسماها بحالة الاتزان الهيدروستاني State of Hydrostatic Balance أما التمثيل الطبيعي والتقليدي لهذه الحالة فهي في الواقع حالة جبال الجليد العائمة Iceebergs.(12) أوجه الإعجاز: إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلاً يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلاً بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون ولا يمكن لأحدٍ أن يعرف شكلها الوتدي، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزءها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحدٍ من البشر أن يتصور شيئاً من ذلك حتى ظهرت نظرية سيرجورج ايري عام 1865م. وقد وصف القرآن الشكل الكامل للجبل بأبسط عبارة, فشبهه بالوتد, والكل يعرف أن الوتد يكون معظمه تحت الأرض, بينما لا يظهر على السطح إلا الشيئ اليسير من الوتد. ولم يتوصل العلم إلى معرفة وظيفة الجبال ـ وهي تثبيت القشرة الأرضيةـ إلا في عام 1989م, في حين جاء القرآن بها قبل ألف وأربعمائة عام,فقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: 10]. فجعل الجبال كالمرساة بالنسبة للسفينة, وفي هذا بيان بليغ لحقيقة الجبال ووظيفتها, فالسفينة حتى تستقر ولا تميد على سطح الماء فإنها تحتاج إلى مرساة تغوص إلى الأسفل تحت سطح الماء, وهذا يصف حالة القشرة الأرضية(الوشاح) فهي تسبح فوق مادة الصهير الصخري ـ وهي طبقة سائلة ـ فأشبهت السفينة, وحتى لا تميد هذه القشرة فإن الله ثبتها بالجبال التي تغوص جذورها في طبقة الصهير البركاني, فتصير كالمرساة بالنسبة للسفينة. فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة الغائبة في باطن الأرض والتي يستحيل على أي إنسان معرفتها إلا بواسطة الأجهزة الحديثة؟ إن هذا دليل واضح على أن هذا العلم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله تعالى خالق هذه الجبال والعلم بأسرارها سبحانه وتعالى, قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 6],(13).
إعداد/ عادل الصعدي
مراجعة: علي عمر بلعجم
_______________________________ (1) زاد المسير لابن الجوزي (9/ 5) (2) الكشاف للزمخشري (1/ 1332) (3) الجامع لأحكام القران للقرطبي (19/ 151) (4) البحر المحيط لأبي حيان (10/ 384) (5) فتح القدير للشوكاني (5/ 512) (6) تفسير ابن كثير (4/ 594) (7) تفسير الظلال لسيد قطب (6/ 3804) (8) موقع - Websters Seventh New Collegiate Dictionary (9) الفكرة الجيولوجية عن الجبال في القرآن/ الدكتور زغلول النجار ص3 بالإنجليزية، 1992 إصدارات هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة/ رابطة العالم الإسلامي/ مكة. (10) نفس المرجع السابق. (11) والجبال أوتاداً،للدكتور حسن باحفظ الله. (12) المرجع السابق. (13) بتصرف، من كتاب بينات الرسول ومعجزاته للشيخ الزنداني ص 95.