احتجم معاوية بالمدينة فلما أمسى أرق أرقا شديداً فأرسل إلى " جروة بنت مرة بن غالب التميمية " وكانت مجاورة بمكة وهي من بني أسيد بن عمرو بن تميم . فلما دخلت عليه قال لها :
مرحبا بك يا جروة أرعبناك .
قالت أي والله لقد طُرقت في ساعة لا يُطرق فيها الطير في وكره فأرعبت قلبي و صبياني وأفزعت عشيرتي وتركت بعضهم يموج في بعض يراجعون القول ويدبرون الرأي خشية منك وشفقة علي .
فقال معاوية لتسكن روعتك وتطب نفسك فإن الأمر على محبتك .
قالت أحسن الله بشارتك وادام سلامتك , ثم قال :
احتجمت فأعقبني ذلك أرقاً شديداً فأرسلت إليك لتخبريني عن قومك .
قالت : عن أي قومي تسالني .
قال : عن بني تميم .
قالت : يا أمير المؤمنين هم أكثر الناس عدداً وأوسعهم بلداً وأبعدهم أمداً , هم الذهب الأحمر والحسب الأفخر والعدد الأكثر .
قال : صدقت فنزليهم لي .
قالت : يا أمير المؤمنين , أما بنو عمرو بن تميم فاصحاب بأس ونجدة وحشد وشدة لا يتخاذلون عند اللقاء ولا تطمع فيهم الاعداء سلمهم فيهم وسيفهم على عدوهم ونعم القوم لأنفسهم ,
قال : صدقت .
قالت : وأما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الاكثرون وفي الحسب الأطيبون , يصبرون ان غضبوا ويدركون إن طلبوا , أصحاب سيوف وجحف ونزال ودلف إلا ان باسهم فيهم وسيفهم عليهم ,
وأما حنظلة فالبيت الرفيع والحسب البديع والعز المنيع والمكرمون للجار والطالبون للثأر والناقضون الأوتار .
فقال معاوية : ان حنظلة شجرة تتفرع فنزليهم لي .
قالت : أما البراجم فأصابع مجتمعة وأكف ممتنعة , وأما بنو طهية فقوم هوج وقرن لجوج , وأما ربيعة فصخرة صماء وحية رقشاء يعتزون بعزهم ويفخرون بقومهم ,
وأما بنو يربوع ففرسان الرماح وأسود الصباح يعتنقون الأقران ويقتلون الأبطال والفرسان , وأما بنو مالك فجمع غير مفلول وعز غير منحول ليوث هرارة وخيول كرارة ,
وأما بنو دارم فكرم لا يداني وعز لا يواتى وشرف لا يسامى .
قال لها معاوية : أنت أعلم الناس بتميم فكيف علمك بقيس .
قالت كعلمي بنفسي .
قال : فاخبريني عنهم .
قالت : أما غطفان فاكثر سادة وأمنع قادة , وأما فزارة فبيتها المشهور وحسبها المذكور , وأما ذبيان فخطباء شعراء أعزة أقوياء ,
وأما عبس فحمية لا تطفأ وعقبة لا تعلى وحية لا ترقى , وأما هوازن فحلم ظاهر وعز قاهر , وأما بنو سليم ففرسان الملاحم وأسود ضراغم ,
وأما نمير فشوكة مسمومة وهامة ملمومة وآية مفهومة , وأما هلال فإسم فخم وعز ضخم , وأما بنو كلاب فعدد كثير وبحر ذخير وفخر أثير وحكم كثير .
قال : فما تقولين في قريش .
قالت : هم ذروة السنام وسادة الأنام والحسب القمقام .
قال : ما تقولين في علي بن أبي طالب قالت حاز والله الشرف حتى لا يوصف وغاية لا تعرف وبالله أسالك يا أمير المؤمنين إعفائي مما أتخوف .
قال قد فعلت وأمر لها بضيعة فاخرة نفيسة غلتها عشرة آلاف درهم وردها إلى أهلها مكرمة .

رعى الله ذاك الرعيل جيلاً بعد جيل . ومني كل التقدير ..



كلمتك هي هويَّتك ولفظك هو ذاتك , فتمثل بقول الله عزَّ وجل :
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم