السلاام علييكم
اشحالكم

( ابويه زاايد الله يرحمه )


يقول وجيه ابو ذكري مؤلف كتاب "زايد عن قرب"

كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها
بسمو الشيخ زايد في منتصف شهر مايو عام 1991
و كان اللقاء خارج مدينة أبوظبي. بهرني الرجل ببساطته المفرطة و بهرني أكثر أنه
– على غير عادة الملوك و الروؤساء –
لا يشترط معرفة الأسئلة المطروحة عليه مقدماً
و قبل الإجابه عليها، على العكس من ذلك
قال لي: اسأل كل ما جئت لتعرف إجابتي عنه،
لا تتردد في التطرق إلى أي موضوع
يشغل بال أمتنا العربية في هذه الأيام،
فليست لدي حساسية تمنعني من الحديث
عن أي موضوع أعرف أبعاده،
إن ما أقوله داخل الغرف هو نفسه
الذي اقوله علناً



سألت الشيخ زايد هل تذكر والدك .. و والدتك؟
و قبل ان اسجل إجابته عن هذا السؤال، إنخفض صوته، و امتلأ شوقاً و حناناً، و امتزج صوته بعاطفة طفل يبحث عن أمه الغائبة،
و كرر هذه الجملة عدة مرات "أمي ... رحمها الله ... أمي .. رحمها الله" و كأنه يتسرجع أياماً حلوة، و كم أسعدني هذا الموقف العاطفي.

قال لي الشيخ زايد .. بصوت غاية في العاطفة ممزوجة بالشوق: " لا أذكر الوالد .. فلقد توفي و أنا صغير .. أما أمي .. فأتذكرها جيداً "

و ساد الصمت اللقاء .. و سرح زايد بذهنه إلى أيام الطفولة .. و استمر الصمت .. فقطعت هذا الصمت قائلاً : ماذا تذكر عنها؟ و أحسست انه إستعاد شريط الطفولة، و أنه يشاهده الآن، و يرى الشيخة سلامة أمامه .. و نظر الشيخ زايد إلي .. و تنهد بعمق و قال: " أذكر عنها كل خير .. أذكر عنها الكرم .. فلقد كانت – رحمها الله- كريمة و لها طلعات و نظرات تجاه الرعية و الجماعة و حلول أيضاً، و كانت تسأل عن كل من يتغيب عنها ، و عن كل من تسمع عنه أنه في ضائقة أو في حالة غير مرضية، لقد كان لها صفات"
قلت هل افتقدتها؟
قال: نعم .. نعم رحمها الله .. كانت أكبر فقيدة بالنسبة لي.
قلت: هل كانت تدللك؟
قال: أكبر تدليل
قلت: هل تذكره اليوم؟
قال: نعم اتذكره.. و كل ما رأيته منها عندما تطرأ علي أتذكره، فلقد كانت أماً متميزة و عظيمة -الله يرحمها- .. و لا أذكر أنها غضبت مني أبداً في يوم من الايام .. ولم أسع لفعل شيء قد يغضبها أبداً .. و كنت دائماً حريصاً على رضائها.



قلت: ما هي علاقة سموكم بأخوتك .. و كيف كانت أثناء الطفولة؟
قال: علاقتي بأخوتي شخبوط و هزاع و خالد –رحمهم الله- كانت جيدة جداً، و كذلك كانت علاقتي بأختي الوحيدة، و الأخوة عادة لا يكونون صورة طبق الأصل ولا بد أن يكون هناك بعض الاختلاف .. ولكن علاقتي بهم جميعاً كانت طيبة و ممتازة .. ولو رأيت شيئاً فيهم لا يرضيني كنت لا أسمعهم هذا الشيء أبداً .. ولكن في بعض الأوقات يجب أن تكون هناك صراحة بين الشقيق و شقيقه.. فما يدفعك لمصارحة الشخص إلا حبك له.. أما الإنسان الذي لا تحبه فلا تسمح لنفسك أن تصارحته .. فالبعض يتحمل الصراحة و يقبلها و البعض الآخر لا يتقبل الصراحة ولا يتحملها .. و عندما اعرف من أول مرة أن شخصا ما لا يتحمل الصراحة فلا أصارحه .. بل أحدثه عن ما يرضيه و لا أحدثه عن الشيء الذي لا يرضيه .. و هذه كانت طريقتي في التعامل مع إخواني .. فالذي يحب الصراحة و يتحملها أصارحه .. و أعتقد ان الصراحة واجبة دائماً بين الأحبة و الأصدقاء الذين يرغبون في حب بعضهم البعض.. و لكن من لا يحب الصراحة إذا صارحته يمكن يحاربك .. و الحرب بين الأحبة لا وجود لها و غير مقبولة.. و ارفضها .. و لقد رفضتها كثيراً..

قلت: في الطفولة يا سمو الشيخ .. ماذا كنت تلعب و من كانوا أصدقاء الطفولة في ذلك الوقت؟
قال: كنت في طفولتي شديداً و غير مطيع .. و هذه الشدة كانت بيني و بين أقراني في الطفولة، و كانت شدة في بعض الأحيان.. و سهوله في بعض الأحيان الأخرى.. و أذكر أن من الذين كانوا معي و نحن أطفال الشيبه بن هامل و مبارك بن فاضل و كان معي أيضاً في طفولتي محمد بن أحمد العتيبة العفاد و كنا معاً في مدرسة واحدة لتحفيظ القرآن الكريم، و كنت في طفولتي اجمع الأولاد لنلعب لعبة نسميها الهول و أخرى الكرة التي تضرب بالمسطاع بالاضافة إلى الألعاب الشعبية .. و كنا نجلس جميعاً لتناول الطعام معاً ..

هل عرفت الدموع؟
قال: نعم ..
قلت: متى و كيف ؟
و ابتسم الشيخ زايد .. فهو هنا يستعيد ذكريات الطفوله، و بدأ يسرد لي حكاية دموع الطفولة .. و لكن عندما بدأ يتحدث عن "دموع الرجولة" .. أحسست أنه يبكي في داخله .. فها أنا الآن أمام زايد الانسان .. الذي يغضب من خيانة صديق..

قال زايد: عندما كنت صغيراً ربما إذا طلبت شيئاً قد يكون قليلاً من أهلي ولم يكن هذا الشيء حاضراً لديهم و هو في نفس الوقت يعتقد أن هذا الشيء موجود عند أهله بل و قادرون عليه فيمكن ان يؤثر ذلك عليه جداً و يزعل.. لكن الدموع في الكبر .. أقوى من دموع الصغر و يتأثر منها الانسان..
فالدموع تنهمر ولكنها تكف و تتوقف لكن ما في الصدر يبقى و يضعف همة الانسان و تكون كأنها غصه أو شيء لا يستطيع الإنسان بلعه أو طرده و هذه تكون قريبة من خنقة الموت ، ولا شيء أقوى على الانسان من خنقات الموت ، و هذه يمر بها الكبير و ربما تكون قد مرت بي عندما كان عمري بين الثامنة عشرة و العشرين عاماً ..
و لا أستطيع أن أذكر أسبابها لأن أسبابها قد ترضي و تغضب من حولي كلهم.. و لكن - و الحمدلله – صحيح أنها كانت صدمة قوية ولكنها مرت بسلام و لم تكن صدمة مدمرة و لكنها بمثابة منبه لنائم .. و اليقظة أفضل من الغفلة..

ماهي علاقة سمو الشيخ زايد بأبنائه؟
و هل تجتمعون جميعاً؟
و هل أنت راض عنهم جميعاً ؟
وهل كنت تريد أن تغير من مسار حياة أحدهم؟
قال الشيخ زايد .. بكل العفوية و الصراحة: لا أستطيع في هذا المجال أن أقول لك شيئاً ليس بصحيح .. لازم أقول الصحيح .. فالأبناء
لا يمكن أن يكونوا دائماً في أوضاع مرضية لوالدهم وإذا كان والدهم حريصاً عليهم و على حياتهم و على عملهم و حاضرهم و مستقبلهم فلا يمكن أن يكون دائماً راضياً عنهم .. ومن الواجب أن يكون الوالد راضياً على أابنائه عندما يكونوا محترمين و مجتهدين في أعمالهم و يكونوا أيضاً أصحاب واجب ..و إذا تنصلوا من الواجب فإن والدهم لن يكون راضياً عنهم بل عليه أن يحاسبهم بقدر أعمارهم إذا كانوا صغاراً أو كباراً ، و العاقل منهم ولو غضب في هذه الساعة فيما بعد سيكون راضياً و يحمد الله أن والده رده عن شيء مضر له و بحياته و بسمعته

و بتعامله و صداقته مع البشر.. لكن إذا كان الابن غير كامل العقل فيظن أن شدة والده عليه هي بمثابة كراهية أو عداوة . لكن العاقل كلما تقوى رعاية والده له يحمد الله

و يشكر فضله.




عندما ذهبت للقاء الشيخ زايد – رحمه الله – في مجلسه .. كان ابنه الشيخ سلطان حاضراً المجلس الذي استمر عدة ساعات ، يلاحظ و يستمع و يتعلم ..


نظرت إلى الشيخ سلطان و سألت الشيخ زايد .. هل أنت شديد معهم؟
قال: لا أشد عليهم في شيء قد يكون فيه خير لهم و لي و لحاضرهم و مستقلبهم أبداً .. ولكن أشد عليهم في شيء قد يكون فيه دمار لهم و لسمعتهم و لحاضرهم و مستقبلهم و لأهلهم .. و عندئذ يجب علي أن أشد عليهم .. و من واجبي أن أشد على أولادي في أداء الواجبات

قال الشيخ زايد:
على الرغم من صحة القول بأن البلد مر في فترة تغير كبير، إلا انني أشعر كفرد بأنني لم أتغير أبداً ، أجل إنني لا أريد ان أتغير كفرد ، أتفهم قصدي؟ .. انني لا أريد لشخصيتي أن تتغير .. و لا أريد أن أغير شخصيتي بأي مجهود إرادي ...

والسبب في ذلك يعود إلى إيمانه بالإسلام و إلى القوة التي يستمد من إيمانه بإدارة الشؤون الوطنية ..و أوضح الشيخ زايد – رحمه الله – ذلك بقوله:
إن الإسلام، على سبيل المثال، هو الذي يطلب من كل مسلم ان يحترم كل شخص و ليس بالتأكيد أشخاص معينين بل كل شخص .. و في اختصار فإن الإسلام يقضي بمعاملة كل شخص كنفس مهما يكن معتقده .. إن نقطة كهذه ، بالضبط تجسدها المباديء الإنسانية في الإسلام و هي ما تجعلنا نعتز بالإسلام.. هذه المباديء التي تقضي بأن نكون معاً و أن نثق ببعضنا كبشر، و أن نتساوى في سلوكنا .. أليس هذا كل ما نبتغيه ...

ثم بحركة لا شعوريه من يديه، فتح كفيه في طريقة معبرة ليقول: " في صراحة، إنني لم أعثر على هذه الأشياء في أي معتقد أو ايديولوجية أخرى"
و استمر في التأكيد على هذا الموضوع ليؤكد أنه بالإمكان العودة بالناس إلى الله من خلال الناس أنفسهم ، فقط أن مصدر الفوضى أو التنظيم هو الطريقة التي يعيش بها الناس ..



و يرى الشيخ زايد – رحمه الله – أن في امكان العرب ان يتحدوا و يكونوا فاعلين و ذلك عن طريق واحد فقط .. هو ان يقوم العربي بخدمة الله من خلال خدمة أخيه العربي و أخيه الإنسان .."فإذا فقدنا الصلة بالعربي المعذب و الإنسان المعذب نكون قد فقدنا صلتنا بالله .. و أنه لأمر سهل على كل واحد منا أن يفعل ذلك .. إننا لا نستطيع أن نغير إذا لم نتصرف نحن أنفسنا تصرفاً صحيحاً أولاً"

قلت: هذه النهضة التي أراها .. كيف أصبحت و هذه الكوادر الوطنية كيف صنعت؟

قال: في البداية كنت بحاجة إلى من يعاونني .. و كان عدد من أعتمد عليهم في ذلك الوقت قليلاً .. و كان أول من كان حولي في البداية هو محمد بن خليفة آل نهيان - الله يرحمه - .. و أخي خالد – الله يرحمه- و هما كانا من أقرب المقربين لي من العم و الأخ .. ثم كان هناك أيضاً بقربي أحمد خليفة السويدي و آخرون .. وذلك حتى أصبح خليفة بن زايد حيث أوكلت إليه كثير من الأمور لتصريفها.. و أصبح هناك كيان للحكومة .. ومن فترة لأخرى كنت أكلف خليفة بن زايد بكثير من الأعباء و المهام بالإضافة إلى ما سبق أن كلفته به من مهام .. و الحقيقة أن سير العمل مع خليفة كان مرضياً ، و كنت أشعر بالسعادة والفرح لنهوضه بكافة ما يكلف به من مهام و أمور .. ومع مرور الأيام أصبح الشيخ خليفة ملماً بكل الأمور والقضايا أكثر فأكثر .. و كلفته بعد ذلك برعاية اخوته الصغار .. و قلت له: هؤلاء اخوانك عليك أن تنظر إليهم و ترعاهم نظراً لانشغالي بأمور أخرى في الدولة فلا تغفل عن رعايتك لهم ، و أنا أعرف أنك لا تحب أن تكون شديداً مع أحد و خاصة اخوانك، ولكن تحامل على نفسك و كن شديداً تجاه الأمور التي لا تعجبك فيهم و كن متساهلاً عندما يقتضي الأمر ذلك .. والحمدلله فلقد نهض بكل شيء اتجاه اخوانه .. و أراحني من هذا العبء و كان حوله في هذه الأوقات أحمد خليفة السويدي و آخرون .. و أحمد الله و أشكره على ذلك .. ثم جاء اخوانه الآخرون ... سلطان بن زايد و اخوانه و نهضوا بدورهم و هم الآن يعملون ليل نهار . والحمد لله على كل شيء



لقد جسد الشيخ زايد أمام شباب الإمارات قضيتين هامتين .. هما
أولاً: قضية التنمية
ثانياً: قضية الوحدة

والتف شباب الامارات حول القضيتين ... بل إن شباب الخليج كله قد التف حول هاتين القضيتين الاساسيتين

و بذلك أسس كوادر لتنمية الامارات عن إيمان و عقيدة
و أنشأ كوادر وحدوية عن إيمان و عقيدة




م..