تنبيه :: عزيزي اذا واجهتك مشكلة في تصفح الموقع , فاننا ننصحك بترقيه متصفحك الى احدث اصدار أو استخدام متصفح فايرفوكس المجاني .. بالضغط هنا .. ثم اضغط على مستطيل الاخضر (تحميل مجاني) .
 
 
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 12 من 12
  1. #11
    عضو الماسي
    الصورة الرمزية بحر النداء
    الحالة : بحر النداء غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 27771
    تاريخ التسجيل : 23-11-08
    الدولة : الاماراااااااااااااااااااات العين
    الوظيفة : مساعد الناس لرضى الرحمان
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 984
    التقييم : 272
    Array
    MY SMS:

    اضحك وابتسم ولو كنت شيل من الهم حمل جبال

    افتراضي رد: بحث اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب


    فقة اداب التعامل مع غير المسلمين



    الشيخ الدكتور : يوسف القرضاوي
    1. آيات وأحاديث أسيء فهمها:
    - آية {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ}.
    - آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}.
    - آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ}.
    - آية {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.
    - حديث: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام... ".
    2. الجزية:
    3. تميز أهل الذمة في زيهم عن المسلمين.
    4. موقفنا من الأقليات.
    1- آيات وأحاديث أسيء فهمها:
    آية {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ}.
    ومن الناس من اتخذ من قوله تعالى في سورة المجادلة: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (المجادلة: 22)، اتخذوا منها دليلا على أن الإسلام ينهى عن مودة المسلم لغير المسلم بصفة مطلقة، ويؤكدون ذلك بقوله تعالى في أول سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.
    وأود أن أبين هنا أن آية المجادلة لا تنهى عن مودة من كان غير مسلم، ولو كان مسالما للمسلمين بل تنهى عن موادة (من حاد الله ورسوله) أي حارب الله ورسوله، وشاق الله ورسوله، فهذا شخص معادٍ للإسلام وأهله، فكيف يطلب من المسلم أن يظهر له الود والمحبة؟.
    ولو كانت مودة غير المسلم ممنوعة في الإسلام ما أجاز الشرع الإسلامي للمسلم أن يتزوج الكتابية. والزوجية في نظر الإسلام تقوم على أسس وأركان، منها: المودة والرحمة، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21).
    ولذا قال ابن عباس: لا يجوز زواج الكتابية إذا كانت من قوم معادين للمسلمين، واستدل العلماء لقوله بهذه الآية: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ}. والمفروض في الحياة الزوجية ما أثبتته الآية الأخرى: {وجعل بينكم مودة ورحمة} فآية (من حاد الله ورسوله) تعني الأعداء المحاربين للمسلمين.
    - آية {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}:
    يؤكد هذا آية الممتحنة: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}. فالآية قد عبرت عنهم بأنهم أعداء الله، وأعداء المسلمين (عدوي وعدوكم)، وليس مقبولا أن يعادوا الله ورسوله والمؤمنين، ويقابل المسلمون معاداتهم بالولاء لهم، وإلقاء المودة إليهم.
    وليس هذا لمجرد كفرهم بالإسلام، بل ضموا إليه إيذاء المسلمين وحصارهم وتعذيبهم وفتنتهم في دينهم، حتى أخرجوهم من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولذا قالت الآية: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ}.
    وقد ذكرت السورة قاعدة من أعظم قواعد السلوك والتعامل مع المخالفين ولو كانوا أعداء، وهي: أن العداوة ليست أمرا دائما وأبديا بالضرورة، فقد تستحيل العداوة إلى مودة، ودوام الحال من المحال، وهذا ما قررته السورة بصيغة الرجاء حيث قال تعالى: {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: 7). أي: والله قدير على تحويل القلوب من كراهية إلى مودة، والله غفور رحيم يعفو عما سلف، ويسامح عباده فيما مضى.
    - آية (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء):
    وقوله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يجب أن يفهم في ضوء السياق وأسباب النزول للآيات فالآية التي تليها تشير إلى أن اليهود والنصارى كانوا معادين للمسلمين، وكانوا في حالة من القوة والمنعة بحيث أصبح كثير من المنافقين ومرضى القلوب يحاولون التقرب إليهم، والموالاة لهم على حساب دينهم وأمتهم وجماعتهم. وهذا لا ينازع منصف في أنه خطر على سيادة الأمة ووحدتها وتماسكها، ولا سيما في مرحلة تكوينها وتأسيس بنيانها.
    تقول الآية الكريمة التالية للآية المذكورة: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (المائدة: 52-53).
    فالواضح من هذه الآية الأخيرة أننا أمام جماعة من المنافقين الانتهازيين المخادعين الذين يخونون جماعتهم، ويوالون أعداءها، ويحلفون لهم كاذبين إنهم لمعكم! ولذا يقول القرآن: (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين).
    ولا غرو أن من يوالي الأعداء وينضم إليهم، ويلقي إليهم بالمودة على حساب أمته أمر مجرَّم ومحرَّم وطنيا ودينيا، ولا سيما في أوقات الصراع والحروب، فهو في نظر الوطنية خيانة، وهو في نظر الدين ردة، وهي معنى قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم).
    ومن هنا جاءت الآية التالية تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} (المائدة: 54).
    كأن الآية تقول: إن هؤلاء الذين خانوا قومهم وانضموا إلى أعدائهم، وارتدوا عن دينهم، سيعوِّض الله الأمة خيرا منهم بجيل جديد أو أجيال جديدة على نقيض هؤلاء.
    فهذه الآيات ليست في مطلق يهود ونصارى عاديين مسالمين للمسلمين، بل في يهود ونصارى معادين لهم، محاربين لدعوتهم، كاليهود الذين نقضوا عهد رسول الله، وانضموا إلى أعدائه من الوثنيين المشركين، الذين أغاروا على المدينة، وأرادوا القضاء على الرسول وأصحابه، واستئصال شأفة المسلمين، واقتلاع الإسلام من جذوره.
    والآيات التالية في سياق النهي عن الولاء لليهود والنصارى تؤكد ذلك. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} (المائدة: 57-58).
    فهؤلاء قوم أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، وهزؤوا بعقيدته، وهزؤوا بشعائره، وأعظمها الصلاة، واتخذوها هزوا ولعبا.
    أما اليهود والنصارى العاديون المسالمون، فهم في نظر المسلمين أهل كتاب، أجاز القرآن مؤاكلتهم كما أجاز مصاهرتهم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (المائدة: 5).
    وإذا كان أهل الكتاب لهم مكانة خاصة ومعاملة خاصة لدى المسلمين، فإن النصارى منهم يعتبرهم القرآن أقرب مودة للمسلمين من اليهود الذين بارزوه بالعداوة برغم مبادرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- بعقد الاتفاقية معهم بُعَيد هجرته إلى المدينة، وقد جعلهم فئة من أهل الدار يتناصرون في السلم والحرب، ويتواسون في السراء والضراء.
    ولعل الآيات التي صدرت بها سورة الروم تدلنا بجلاء على قرب النصارى من المسلمين، فقد قامت حرب بين الدولتين العظيمتين في ذلك الزمن: الفرس في الشرق، والروم في الغرب، وانتصر الفرس على الروم في أول الأمر، فحزن لذلك المسلمون وفرح المشركون لأن الفرس مجوس يعبدون النار، ويعبدون إلهين للخير والشر، أو للنور والظلمة، فهم أقرب إلى مشركي العرب عبدة الأوثان، والروم كانوا نصارى أهل كتاب، فكانوا أقرب إلى المسلمين.
    وتجادل الفريقان وتراهنوا حول مستقبل الأمتين، ولمن تكون الغلبة بعد؟ وكان المسلمون بطبيعة الحال مع الروم، والمشركون مع الفرس، فنزل قوله تعالى: {الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم: 1-5).
    انظر كيف بشر القرآن المسلمين بنصر الروم، وكيف عبّر عن مشاعر المسلمين بقوله: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله). فهذا هو موقف الإسلام المبدئي من أهل الكتاب عامة، ومن النصارى خاصة.
    وهذا لا يمنع أن تأتي آيات من القرآن تنقد اليهود أو النصارى أو أهل الكتاب عامة، فيما حرَّفوا من كتبهم، وما بدَّلوا من عقائد موسى وعيسى، ومن ملة إبراهيم، وما غيروا من شرائع أنبيائهم، فالقرآن قد جاء مصدقا ومتمما للتوراة والإنجيل، كما أعلن ذلك في آيات كثيرة، كما جاء أيضا (مصححا) لها، أو بتعبير آخر (مهيمنا عليها) كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: 48).
    كما ينقد القرآن مواقف أهل الكتاب -خصوصا اليهود- من دعوة الإسلام، ورسول الإسلام وأمة الإسلام، ومع هذا يأمر الرسول والمسلمين بالعفو والصفح، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 109).
    ومعنى: (حتى يأتي الله بأمره) أي حتى يشرح الله صدورهم للإسلام، أو يروا انتصار الإسلام وعلو كلمته أمام أعينهم.
    وقد أكدت سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل من القرآن- ذلك في قوله تعالى في شأن بني إسرائيل، وقد نقضوا ما أخذ الله عليهم من ميثاق: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13).
    فرغم ظهور الخيانة من أكثرهم أمر الرسول أن يعفو عنهم ويصفح، فهذا من الإحسان الذي يحبه الله تعالى. وهذا في نفس السورة التي نهت عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
    ونلاحظ أن القرآن حين دان بني إسرائيل قال: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} وذلك ليؤسس منهج العدل مع الخصوم في الرضا والغضب، ولذلك استثنى فقال: (إلا قليلا منهم).
    وهذا هو نهج القرآن معهم ففي سورة آل عمران بعد أن تحدث عن بعض مساوئهم التاريخية، وقتلهم الأنبياء بغير حق، قال: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 113-115).
    ويقرر القرآن أن من أقام منهم الأركان الأساسية للدين، وهي: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالخلود والجزاء في الآخرة، والعمل الصالح، فإن الله لن يضيع أجره، ولن يخيب سعيه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17).
    وقد كرر القرآن هذا المعنى وأكده في آية أخرى من سورة المائدة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة: 69).

    * آية {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى}:
    ومن الآيات التي تذكر كثيرا ويساء فهمها في العلاقة بين المسلمين من ناحية واليهود والنصارى من ناحية أخرى قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: 120).
    أرى كثيرا من المتدينين المسلمين الذين لا يتدبرون الآيات، ولا يتأملون النصوص بعمق وتأمل يجدون في هذه الآية حائلا دون التفاهم والتعايش والتصالح مع اليهود والنصارى. وهذا ليس بصحيح، ولا ينبثق هذا التفكير عن فهم سليم للآية الكريمة لعدة أمور:
    أولا: لأن الآية خطاب خاص للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ) ولم تجئ بلفظ عام من ألفاظ العموم المعروفة.
    وثانيا: لو سلمنا بأنها خطاب للجميع، فإنها لا تدل على أكثر من عدم رضاهم عنا -الرضا الكامل، أو الرضا المطلق- حتى نتبع ملتهم. وهذا شأن كل ذي ملة متمسك بملته حريص عليها. ونحن كذلك لا نرضى عنهم تمام الرضا حتى يتبعوا ملتنا فهو موقف طبيعي ومتبادل بين أهل الملل أو أهل الأديان جميعا، وقد قال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} (البقرة: 145).
    وثالثا: إن هدفنا ليس إرضاء اليهود والنصارى، حتى يكون عدم رضاهم حجر عثرة في طريقنا، أو عائقا دون تفاهمنا وتعايشنا، بل هدفنا هو إرضاء الله تبارك وتعالى قبل كل شيء -وسواء رضي الناس عنا أم سخطوا- ولن نبيع رضوان الله تعالى برضا أي مخلوق كان، ولا بأي ثمن مادي أو أدبي، ولو وضعوا الشمس في أيماننا، والقمر في شمائلنا، ما فرطنا مثقال ذرة في ابتغاء مرضاة ربنا.
    ورابعا: أن الإسلام -برغم وجود هذه الآية- لم يمنع المسلم أن يؤاكل اليهودي أو النصراني، وأن يصاهره، فيتزوج ابنته أو أخته أو قريبته، وينجب منها أولادا، يبرون أمهاتهم وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم، ويعاملونهم بما يجب لذوي الأرحام وأولي القربى من الحقوق والحرمات. كما قال تعالى: {وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} (الأنفال: 75). {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ} (النساء: 1).
    - حديث (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام...).
    وأما حديث "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه"([10]). فهذا مقيد بأيام الصراع والحروب، لا بأيام الاستقرار والسلام، وقد كان بعض الصحابة يقرأ السلام على كل من لقيه من مسلم وغير مسلم، عملا بالأمر بإفشاء السلام.
    وهل من المعقول أن يبيح الإسلام للمسلم الزواج بالمسيحية ولا يبيح له أن يسلم عليها؟ وهل يمنع الولد أن يسلم على أمه أو على خاله أو خالته أو جده أو جدته‍ وقد أمره الله بصلة الرحم، وإيتاء ذي القربى؟!.
    وحسبنا هذا النص القرآني العام المحكم: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8). فالقسط هو العدل، والبر هو الإحسان، وهو شيء فوق العدل. العدل: أن تعطي الحق، والبر أن تعطي فوق الحق، العدل: أن تأخذ مالك من حق، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك أو عن حقك كله، وهذا ما رغب فيه القرآن في التعامل مع المسالمين من غير المسلمين.
    إلقاء السلام على المسلمين وغير المسلمين:
    أما إلقاء السلام على غير المسلمين فإن كانوا في مجلس يجمع بينهم وبين المسلمين خلاف في جواز من إلقاء السلام عليهم، وقد روى البخاري في صحيحه أن "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركب حمارا حتى مر على مجلس فيه أخلاط المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس ابن رواحة، فسلم عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم وقف فنزل..." ([11]).
    وقد بوب البخاري لهذا الحديث بعنوان: "باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين".
    وقال النووي: السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم([12]).
    ابتداؤهم بالسلام إذا كانوا وحدهم:
    وأما ابتداؤهم بالسلام إذا كانوا وحدهم فذهب جمع من السلف إلى جواز إلقاء السلام عليهم، واستدلوا بأدلة منها:
    1. قوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8). ومن برهم: إلقاء السلام عليهم.
    2. وقوله على لسان إبراهيم لأبيه: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (مريم: 47).
    3. وقوله تعالى آمرا نبيه: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ}([13]).
    وذكر القرطبي أن عددًا من السلف فعل ذلك، ومنهم ابن مسعود، والحسن، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز. كما ذكر ابن حجر في الفتح أن أبا أمامة، وابن عيينة فعلا ذلك أيضا.
    ومما ورد أن ابن مسعود فعله مع دهقان صحبه في طريقه، فلما سئل: أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال: بلى، ولكن حق الصحبة.
    وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني، ولا صغير ولا كبير إلا سلّم عليه، فقيل له في ذلك، فقال: أمرنا أن نفشي السلام.
    وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.
    وقال أبو أمامة: إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا([14]).
    وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب: أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم. قال عون: فقلت له: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأسا أن نبدأهم ([15]).
    أما حديث مسلم: "لا تبدؤوا اليهود بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريقه فاضطروه إلى أضيقه"([16])، فهو مقيد بأيام الحرب، ويدل على ذلك ما رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي عن أبي بصرة أن رسول الله قال: "إني راكب غدًا إلى اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام"([17]).
    ويمكن القول بتأكيد الجواز إن كان هناك سبب يستدعي السلام كقرابة أو صحبة، أو جوار، أو سفر، أو حاجة، وقد ذكر القرطبي ذلك عن النخعي فقال مؤوِّلا حديث أبي هريرة "لا تبدؤوهم بالسلام": إذا كان بغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق أو جوار، أو سفر([18]).
    أما إذا كانت التحية بغير السلام فلا مانع منها، كأن يقول له صباح الخير، مرحبا، مساء الخير.
    رد السلام على غير المسلم:
    وأما رد السلام على غير المسلم، فقد اتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب بـ "وعليكم"([19]). ويشهد لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم"([20]).
    وقد جعل البخاري هذا الحديث تحت باب: "كيف الرد على أهل الذمة"، وعلّق على ذلك ابن حجر بقوله: في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا مانع من رد السلام على أهل الذمة، فلذلك ترجم بالكيفية([21]).
    ويكون الرد بهذه الصيغة "وعليكم" إذا تحقق أنه قال: "السام عليكم" أو شك فيما قال([22]).
    أما إذا تحقق من قول "السلام عليكم" قال ابن القيم: فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالإحسان، وقد قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء: 86)، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل([23]).
    وقال الحافظ في الفتح: "قال ابن بطال: قال: رد السلام على أهل الذمة فرض لعموم الآية، وثبت عن ابن عباس أنه قال: من سلم عليك فرد عليه ولو كان مجوسيا"([24]).
    وكنت قد قرأت منذ زمن بعيد كلاما لشيخنا العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره "المنار" وأحب أن أنقل هنا بعض فقرات مما قاله: "إن الإسلام دين عام، ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج، وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم إخوة. ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوة إفشاء السلام إلا مع المحاربين لأن من سلم على أحد فقد أمنه، فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنا ناكثا للعهد.
    ورُوي عن بعض الصحابة كابن عباس أنهم كانوا يقولون للذمي: السلام عليك. وعن الشعبي من أئمة السلف أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله تعالى. فقيل له في ذلك فقال: أليس في رحمة الله يعيش. وفي حديث البخاري الأمر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف، وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال {فحيوا بأحسن منها} للمسلمين، {أو ردوها} لأهل الكتاب، وعليه يقال للكتابي في رد السلام عين ما يقوله وإن كان فيه ذكر الرحمة".




    إلى أن يقول رحمه الله: "أما جعل تحية الإسلام عامة فعندي أن ذلك مطلوب، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن اليهود كانوا يسلمون على المسلمين فيردون عليهم، فكان من تحريفهم ما كان سببا لأمر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بأمر المسلمين أن يردوا عليهم بلفظ {وعليكم}، حتى لا يكونوا مخدوعين للمحرفين.
    ومن مقتضى القواعد أن الشيء يزول بزوال سببه. ولم يرد أن أحدا من الصحابة نهى اليهود عن السلام لأنهم لم يكونوا ليحظروا على الناس آداب الإسلام، ولكن خلف من بعدهم خلف أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كل شيء يعمله المسلم حتى من النظر في القرآن وقراءة الكتب المشتملة على آياته، وظنوا أن هذا تعظيم للدين، وصون له من المخالفين، وكلما زادوا بعدا عن حقيقة الإسلام زادوا إيغالا في هذا الضرب من التعظيم، وإنهم ليشاهدون النصارى في هذا العصر يجتهدون بنشر دينهم، ويوزعون كثيرا من كتبه على الناس مجانا، ويعلمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقربوهم من دينهم، ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم.
    وقال رحمه الله عن حديث "لا تبدؤوهم بالسلام": "فيظهر هنا أنه نهاهم أن يبدءوهم لأن السلام تأمين، وما كان يجب أن يؤمنهم وهو غير أمين منهم لما تكرر من غدرهم ونكثهم للعهد معه فكان ترك السلام عليهم تخويفا ليكونوا أقرب إلى المواتاة، وقد نقل النووي([25]) في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز رضي الله عنه قال: "وهو وجه لأصحابنا"([26]).
    2- قضية الجزية:
    برغم الصحائف المشرقة التي تؤكد مبادئ العدالة والسماحة التي جاء بها الإسلام، وبرغم التاريخ الحافل بالتسامح الفذ في شتى صوره ومظاهره رأينا بعض المستشرقين أثاروا بعض شبهات جمعوها من هنا وهناك، وحسبوها تشوِّه هذا الموقف الناصع، والتاريخ الرائع. والحقيقة أن هذه المسائل التي أثيرت حولها تلك الشبهات لو فهمت على وجهها، ووُضعت في زمنها وإطارها، لكانت مأثرة للإسلام وأمته في علاقاته مع أهل الذمة.
    فمن هذه الشبهات التي أثارها ويثيرها المستشرقون: قضية (الجزية) التي غلفت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء، جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام. وهذه لا شك نظرة زائفة، ولا أساس لها من أحكام الإسلام وتعاليمه وفلسفته العامة.
    ومن نظر إلى الأمم الغالبة قبل الإسلام وإلى ما كانوا يفرضونه على الأمم المغلوبة، تبين له عدل الإسلام وسماحته التي لا نظير لها.
    وقد بينت في كتابي (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) وجه إيجاب الجزية على الذميين، وأنها بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين: فريضة لها طابع عسكري، وأخرى لها طابع مالي فريضة الجهاد، وفريضة الزكاة، وخصوصا فريضة الجهاد، فهي الأقرب إلى أن تكون الجزية بديلا عنها. ونظرا لـ (الطبيعة الدينية) لهاتين الفريضتين لم يلزم الإسلام بهما غير المسلمين.
    على أنه في حالة اشتراك الذميين في الخدمة العسكرية والدفاع عن الحَوْزة مع المسلمين فإن الجزية تسقط عنهم.
    كما أني بحثت في كتابي (فقه الزكاة) مدى جواز أخذ ضريبة من أهل الذمة بمقدار الزكاة، ليتساووا بالمسلمين في الالتزامات المالية، وإن لم تُسمَ (زكاة) نظرا لحساسية هذا العنوان بالنظر إلى الفريقين. ولا يلزم أيضا أن تُسمى (جزية) ماداموا يأنفون من ذلك. وقد أخذ عمر -رضيالله عنه- من (نصارى بني تغلب) -وهم قوم عرب- (الجزية) باسم (الصدقة) حين طلبوا منه ذلك، تألفا لهم، واعتبارا بالمسميات لا بالأسماء([27]) إذ المقصود أن يدفعوا ما يدل على إذعانهم لسلطان الدولة الإسلامية.
    وزيادة في الإيضاح والبيان، ودفعا لكل شبهة، وردًّا لأية فرية، يسرني أن أسجل هنا ما كتبه المؤرخ المعروف سير توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) عن الغرض من فرض الجزية وعلى من فُرضت. قال([28]): "ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين -كما يريدنا بعض الباحثين على الظن- لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. ولما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية على شريطة: "أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم".([29])
    كذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: "فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا".([30])
    ويمكن الحكم على مدى اعتراف المسلمين الصريح بهذا الشرط، من تلك الحادثة التي وقعت في عهد الخليفة عمر. لما حشد الإمبراطور هرقل جيشا ضخما لصد قوات المسلمين المحتلة، كان لزاما على المسلمين -نتيجة لما حدث- أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جُبي من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم". وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين، وقالوا: "ردكم الله علينا، ونصركم عليهم (أي على الروم) .. فلو كانوا هم، لم يردوا علينا شيئا، وأخذوا كل شيء بقي لنا".([31])
    وقد فرضت الجزية -كما ذكرنا- على القادرين من الذكور مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بها لو كانوا مسلمين، ومن الواضح أن أي جماعة مسيحية كانت تُعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي. وكانت الحال على هذا النحو مع قبيلة (الجراجمة) وهي مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونا لهم، وأن تقاتل معهم في مغازيهم، على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم.([32])
    ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس سنة 22هـ، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود تلك البلاد، وأعفيت من أداء الجزية مقابل الخدمة العسكرية.([33])
    ونجد أمثلة شبيهة بهذه للإعفاء من الجزية في حالة المسيحيين الذين عملوا في الجيش أو الأسطول في ظل الحكم التركي. مثال ذلك ما عومل به أهل ميغاريا (Migaria) وهم جماعة من مسيحي ألبانيا الذين أُعفوا من أداء هذه الضريبة على شريطة أن يقدموا جماعة من الرجال المسلحين لحراسة الدروب على جبال (cithaeron) و(Geraned) التي كانت تؤدي إلى خليج كورنته وكان المسيحيون الذين استخدموا طلائع لمقدمة الفتح التركي، لإصلاح الطرق وإقامة الجسور، وقد أعفوا من أداء الخراج، ومنحوا هبات من الأرض المعفاة من جميع الضرائب.([34])
    وكذلك لم يدفع أهالي (Hydra) المسيحيون ضرائب مباشرة للسلطان، وإنما قدموا مقابلها فرقة من مائتين وخمسين من أشداء رجال الأسطول، كان ينفق عليهم من بيت المال في تلك الناحية.([35])
    وقد أعفي أيضا من الضريبة أهالي رومانيا الجنوبية الذين يطلقون عليهم (Armatioli)([36]) وكانوا يؤلفون عنصرًا هامًّا من عناصر القوة في الجيش التركي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ثم المرديون (Midrdites) وكان ذلك على شريطة أن يقدموا فرقة مسلحة في زمن الحرب.([37]) وبتلك الروح ذاتها لم تقرر جزية الرؤوس على نصارى الإغريق الذين أشرفوا على القناطر([38]) التي أمدت القسطنطينية بماء الشرب([39])، ولا على الذين كانوا في حراسة مستودعات البارود في تلك المدينة([40]) نظرًا إلى ما قدموه للدولة من خدمات. ومن جهة أخرى أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام. وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك كما فرضت على المسيحيين".([41])
    هذا ما سجله المؤرخ المنصف توماس أرنولد مؤيدا بالأدلة والمراجع الموثقة.
    3- تميز أهل الذمة في زيهم عن المسلمين:
    ومن هذه الشبهات التي ضخمها المستشرقون: ما يتعلق بملابس أهل الذمة وأزيائهم، وما روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اشترط عليهم ألا يتشبهوا بالمسلمين في ثيابهم وسروجهم ونعالهم، وأن يضعوا في أوساطهم أو على أكتافهم شارات معينة تميزهم عن المسلمين. وينسب ذلك إلى عمر بن عبد العزيز أيضا.
    ومن المستشرقين المؤرخين من يشكك في نسبة الشروط أو الأوامر المتعلقة بالزي إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب لأن كتب المؤرخين الأقدمين الموثوق بها، والتي عنيت بمثل هذه الأمور لم تشتمل عليها (كتب الطبري، والبلاذري، وابن الأثير، واليعقوبي... وغيرهم)([42]) وأنا مع هؤلاء.
    و(الشروط العمرية) التي تنسب إلى عمر بن الخطاب، والتي شرحها ابن القيم في جزأين لم تثبت نسبتها إلى عمر بسند صحيح، وهذا ما اعترف به ابن القيم وغيره، ولكنه ادعى أن شهرتها تُغني عن ثبوت سندها. وهو ما لا نسّلمه، فكم من أمور تشتهر بين الناس -حتى بين أهل العلم منهم- ويتناقلها بعضهم عن بعض، وهي في الحقيقة لا أصل لها.([43]) فالمدار في إثبات النقول على صحة السند، وسلامته من الشذوذ والعلة.
    على أن الأمر أهون من أن يتكلف إنكاره ورده، لو عرفت دواعيه وأسبابه، وعرفت الملابسات التاريخية التي وجد فيها.
    فهو ليس أمرًا دينيًّا يتعبد به في كل زمان ومكان كما فهم ذلك جماعة من الفقهاء، وظنوه شرعا لازما، وهو -إن صح- ليس أكثر من قرار إداري أو أمر من أوامر السلطة الشرعية الحاكمة يتعلق بمصلحة زمنية للمجتمع آنذاك، ولا مانع من أن تتغير هذه المصلحة في زمن آخر، وحال أخرى، فيُلغى هذا الأمر أو يُعدل.
    لقد كان التمييز بين الناس تبعا لأديانهم أمرًا ضروريًّا في ذلك الوقت، وكان أهل الأديان أنفسهم حريصين عليه، ولم يكن هناك وسيلة للتمييز غير الزي حيث لم يكن لديهم نظام (الهويات) أو البطاقات الشخصية المعروف في عصرنا، التي يسجل فيها -مع اسم الشخص ولقبه ـ دينه وحتى مذهبه في بعض البلدان، فالحاجة إلى التمييز وحدها هي التي دفعت إلى إصدار تلك الأوامر والقرارات. ولهذا لا نرى في عصرنا أحدا من فقهاء المسلمين، يرى ما رآه الأولون من طلب التمييز في الزي لعدم الحاجة إليه.
    ويسرني أن أنقل هنا ما كتبه الدكتور الخربوطلي في توضيح هذه القضية ودوافعها، فقد قال:([44]) "ونحن نرى أنه لو افترضنا جدلا حقيقة هذه الأوامر الصادرة عن الخليفتين، فقد كان هذا لا غبار عليه، فهو نوع من التحديد للملابس في نطاق الحياة الاجتماعية، للتمييز بين أصحاب الأديان المختلفة، وبخاصة أننا في وقت مبكر من التاريخ، ليس فيه بطاقات تثبت الشخصية، وما تحمله عادة من تحديد الجنسية والدين والعمر وغير ذلك، فقد كانت الملابس المتميزة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات دين كل من يرتديها، وكان للعرب المسلمين ملابسهم، كما للنصارى أو اليهود أو المجوس ملابسهم أيضا، وإذا كان المستشرقون قد اعتبروا أن تحديد شكل ولون الثياب هو من مظاهر الاضطهاد، فنحن نقول لهم: إن الاضطهاد في هذه الصورة يكون قد لحق بالمسلمين وأهل الذمة على السواء. وإذا كان الخلفاء ينصحون العرب والمسلمين بألا يتشبهوا بغيرهم، فمن المنطقي أن يأمروا غير العرب وغير المسلمين ألا يتشبهوا بالعرب المسلمين".
    وناقش المؤرخ (ترتون)([45]) هذه المسألة أيضا، وأبدى رأيه فيها فقال: "كان الغرض من القواعد المتعلقة بالملابس: سهولة التمييز بين النصارى والعرب، وهذا أمر لا يرقى إليه شك بل نراه مقررا تقريرا أكيدا عند كل من أبي يوسف([46]) وابن عبد الحكم، وهما من أقدم الكُتاب الذين وصلت كتبهم إلينا، على أنه يجب أن نلاحظ أنه لم تكن ثمة ضرورة وقت الفتح لإلزام النصارى بلبس معين من الثياب يخالف ما يلبسه المسلمون إذ كان لكل من الفريقين وقتذاك ثيابه الخاصة، وكان النصارى يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم دون جبر أو إلزام. على أن الحاجة استلزمت هذه الفروض فيما بعد، حين أخذ العرب بحظ من التمدن إذ حمل الإغراء الشعوب الخاضعة لهم على الاقتداء بهم في ملابسهم، والتشبه في ثيابهم. ومهما يكن الرأي فإن كانت هذه الأوامر التي تحدد أنواع وأشكال الملابس حقيقية، فإنها لم توضع موضع التنفيذ في معظم العصور التاريخية.
    وهناك فرق بين وجود القانون ومدى تطبيق هذا القانون، فقد انتهج معظم الخلفاء، والولاة المسلمين سياسة تسامح وإخاء ومساواة، ولم يتدخلوا كثيرا في تحديد ملابس أهل الذمة، ولم ترتفع أصوات مطلقا بالشكوى أو الاحتجاج.
    وهناك أدلة تاريخية تثبت هذه الحقائق التي ذكرناها، فقد كان الأخطل الشاعر النصراني (المتوفى سنة 95هـ) يدخل على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وعليه جبة وحرز من الخز، وفي عنقه سلسلة بها صليب من الذهب، وتتعصر لحيته خمرا([47]) ويحسن الخليفة استقباله!
    كما أن الاتفاقية التي وقعها المسلمون في سنة 89هـ مع (الجراجمة) المسيحيين الذين يسكنون المناطق الجبلية من بلاد الشام تضمنت النص على أن يلبس الجراجمة لباس المسلمين.([48])
    تحدث أبو يوسف عن لباس أهل الذمة وزيهم فقال: "لا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه، ولا في مركبه، ولا في هيئته". واعتمد أبو يوسف في تفسير ذلك على قول عمر بن الخطاب: "حتى يُعرف زيهم من زي المسلمين". أي أنه لا اضطهاد في الأمر، إنما هي وسيلة اجتماعية للتمييز، مثلما نرى اليوم في كل مجتمع حديث من تعدد الأزياء، لكل طائفة أو أصحاب حرفة أو مهنة زي واحد يميزهم.
    4- موقفنا من الأقليات:
    وقد عرضنا لموقف الإسلام من الأقليات في أكثر من كتاب، منها (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي)، ورسالة (الأقليات الدينية والحل الإسلامي)، وكتاب (أولويات الحركة الإسلامية)، وبعض الفتاوى والبحوث في كتابنا (فتاوى معاصرة) الجزء الثاني، وكتابنا (من فقه الدولة في الإسلام). كما بينا ذلك في محاضرات شتى في أكثر من بلد.
    وأعتقد أن اجتهادنا في هذه القضية الكبيرة قد استبانت معالمه، واتضحت صورته في ضوء الأدلة الشرعية، ولقي القبول من جمهرة المسلمين.







    كـــــــــــــــــانت هـــــــــــــــــنا

    بحـــــــر الـنـــــــــداء_ العيـــــــــــــن

  2. #12
    عضو نشيط
    الحالة : الطرف الخيالي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 24923
    تاريخ التسجيل : 02-11-08
    الدولة : دآآآر آلزيـــن
    الوظيفة : بنت سكول ><
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 33
    التقييم : 10
    Array
    MY SMS:

    آهوآه وآحبه بجنون >> A <<

    افتراضي رد: بحث اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب


    مشكــووره فديتج :)






صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تقرير اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب
    بواسطة دبي نور في المنتدى مادة التربية الاسلامية Islamic Education
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 13-11-15, 10:13 AM
  2. مخطط درس اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب
    بواسطة ذبحني الحلا في المنتدى مادة التربية الاسلامية Islamic Education
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 12-06-12, 08:55 PM
  3. ساعدوني أباا بوربوينت عن اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب
    بواسطة عبدوه في المنتدى مادة التربية الاسلامية Islamic Education
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-03-13, 01:23 PM
  4. بور بوينت اداب التعامل مع غير المسلمين في الحرب
    بواسطة ذبحني الحلا في المنتدى مادة التربية الاسلامية Islamic Education
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-04-29, 05:44 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •