التربية الاسلامية::
ــــــــــــــــــــــــ
الهبــــــــــه



مــقدمــة ..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما بعد ..

فهذه وريقات بسيطة وسطور قليلة أردنا بها التعرف على معنى جميل ورائع اتصف به خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم .

فهذه دعوة للجميع للتعرف على " الهبة " بتعريفها في القرآن وفي الشرع وكذلك مشروعيتها وأركانها وشروطها ، ومن ثم نتجول في حديقة أخلاق الحبيب المصطفى وصحابته لنلمس بصورة واضحة كيف كانت الهبة في حياته وسيرته العطرة .

# تعريفهـــــــا ..

جاء في القرآن الكريم قول الله عز وجل : ( قال : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) .(1)
وهي مأخوذة من هبوب الريح أي مرورها ، وتطلق الهبة ويراد بها التبرع والتفضل على الغير سواء أكان بمال أم بغيره .
والهبة في الشرع : عقد موضوعه تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض ، فإذا أباح الإنسان ماله لغيره لينتفع به ولم يملكه إياه كان إعارة .
وكذلك إذا أهدى ما ليس بمال كخمر أو ميتة فإنه لا يكون مهدياً ولا يكون هذا العطاء هدية ؛ وإذا لم يكن التمليك في الحياة بل كان مضافاً إلى ما بعد الوفاة كان ذلك وصية . وإذا كانت بعوض كانت بيعاً ويجري فيها حكم البيع ، أي أنها تملك بمجرد تمام العقد ولا تنفذ فيها تصرفات الواهب إلا بإجازة الموهوب له ، ويثبت فيها الخيار والشفعة ، ويشترط أن يكون العوض معلوماَ فإذا لم يكن العوض معلوماً بطلت الهبة .
والهبة المطلقة لا تقتضي عوضاً سواء أكانت لمثله أو دونه أو أعلى منه .
هذا هو معنى الهبة بالمعنى الأخص . أما معناها بالمعنى الأعم فيشمل ما يأتي :-
1- الإبراء : وهو هبة الدين ممن هو عليه .
2- الصدقة : وهي هبة ما يراد به ثواب الآخرة .
3- الهدية : وهي ما يلزم الموهوب له أن يعوضه .

# مشروعيتهـا ..

وقد شرع الله الهبة لما فيها من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة بين الناس . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تهادوا تحابوا ) (2) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ، وكان يدعو إلى قبولها ويرغب فيها ، فعند أحمد من حديث خالد بن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه ) .
وقد حض الرسول صلى الله عليه وسلم على قبول الهدية ولو كانت شيئاً حقيراً ، ومن ثم رأى العلماء كراهية ردها حيث لا يوجد مانع شرعي .
فعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أهدي إلى كراع(3) لقبلت ، ولو دعيت إليه لأجبت (4)
وعن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، إن لي جارين ، فإلى أيهما أهدي ؟ قال : ( إلى أقربهما منك باباً ) .
وعن أب هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسن شاه ) .
وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية الكفار . فقبل هدية كسرى وهدية قيصر وهدية المقوقس كما أهدى هو الكفار الهدايا والهبات .
أما ما رواه أحمد وأبو داوود والترمذي أن عياضاً أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أسلمت ؟ قال : لا . قال : ( أني أنهيت عن **د المشركين ) .
فقد قال فيه الخطابي : ( يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخاً لأنه صلى الله عليه وسلم قد قبل هدية غير واحد من المشركين ) .
قال الشوكاني : ( وقد أورد البخاري في صحيحه حديثاً استنبط منه جواز قبول هدية الوثني ، ذكره في باب قبول الهدية من المشركين من كتاب الهبة والهدية ) .
قال الحافظ في الفتح : ( وفيه فساد من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي وذلك لأن الواهب المذكور في ذلك الحديث وثني ) .

وقد جاء في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي(1) دليل على مشروعية الهبة عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه ) متفق عليه .
وفي رواية للبخاري ومسلم : ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ) .

# أركانهـــا ..

وتصح الهبة بالإيجاب والقبول بأي صيغة تفيد تمليك المال بلا عوض بأن يقول الواهب : وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك ونحو ذلك . ويقول الآخر : قبلت . ويرى مالك والشافعي اعتبار القبول في الهبة . وذهب بعض الأحناف إلى أن الإيجاب كاف وهو أصح . وقالت الحنابلة : تصح بالمعاطاة التي تدل عليها ؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي ويهدى إليه ، وكذلك كان أصحاب يفعلون . ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يشترطون إيجاباً وقبولاً ونحو ذلك .

# شروطهـــا ..

الهبة تقتضي واهباً وموهوباً له وموهوباً . ولكل شروط نذكرها فيما يلي : -

شروط الواهب :-
يشترط في الواهب الشروط الآتية :
1- أن يكون مالكاً للموهوب .
2- أن لا يكون محجوراً عليه لسبب من أسباب الحجر .
3- أن يكون بالغاً لأن الصغير ناقص الأهلية .
4- أن يكون مختاراً لأن الهبة عقد يشترط في صحته الرضا .

شروط الموهوب له :-
ويشترط في الموهوب له :
1- أن يكون موجوداً حقيقة وقت الهبة فإن لم يكن موجوداً أصلاً أو كان موجوداً تقديراً بأن كان جنيناً فإن الهبة لا تصح .
ومتى كان الموهوب له موجوداً أثناء الهبة وكان صغيراً أو مجنوناً فإن وليه أو وصيه أو من يقوم بتربيته ولو كان أجنبياً يقبضها له .

شروط الموهوب :-
ويشترط في الموهوب :
1- أن يكون موجوداً حقيقة .
2- أن يكون مالا متقوما ً .
3- أن يكون مملوكاً في نفسه أي يكون الموهوب مما ترد عليه الملكية ويقبل التداول وانتقال ملكيته من يد إلى يد فلا تصح هبة الماء في النهر ولا السمك في البحر ولا الطير في الهواء ولا المساجد والزوايا .
4- أن لا يكون متصلاً بملك الواهب اتصال قرار كالزرع والشجر والبناء دون الأرض بل يجب فصله وتسليمه حتى يملك للموهوب له .
5- أن يكون مفرزاً أي غير مشاع لأن القبض فيه لا يصح إلا مفرزاً كالرهن ، ويرى مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور عدم اشتراط هذا الشرط وقالوا :
أن هبة المشاع غير المقسوم تصح .
وعند المالكية يجوز هبة ما لا يصح بيعه مثل البعير الشارد والثمرة قبل بدو صلاحها والمغضوب .

# هبة المريض مرض الموت ..

إذا كان شخص مريض مرض الموت ووهب غيره هبة فحكم هبته كحكم الوصية ، فإذا وهب هبة لأحد ورثته ثم مات ، وأدعى باقي الورثة أنه وهبه في مرض موته وأدعى الموهوب له أنه وهبه في حال صحته ، فإن على الموهوب له أن يثبت قوله ، وإن لم يفعل اعتبرت الهبة أنها حصلت في مرض الموت وجرى حكمها على مقتضى ذلك أي أنها لا تصح إلا إذا أجازها الورثة .
وإذا وهب وهو مريض مرض الموت ثم صح من مرضه فالهبة صحيحة .


# قبض الهبة ..

من العلماء من يرى أن الهبة تستحق للموهوب له بمجرد العقد ولا يشترط قبضها أصلا لأن الأصل في العقود أنها تصح بدون اشتراط القبض مثل البيع كما سبقت الإشارة إليه ، وإلى هذا ذهب أحمد ومالك و أبو ثور و أهل الظاهر . وبناء على هذا إذا مات واحد الوهاب بمجرد العقد أصبحت ملكا للموهوب له .
و قال أبو حنيفة والشافعي و الثوري إن قبض شرط من شروط صحتها ، ما لم يتم القبض لم يلزم الواهب .
فإذا مات الموهوب له أو الواهب قبل التسليم بطلت الهبة .


# التبرع بكل المال ..

مذهب الجمهور من العلماء أن للإنسان أن يهب جميع ما يملكه لغيره .
وقال محمد بن الحسن وبعض محققي المذهب الحنفي : لا يصلح التبرع بكل المال ولو في وجوه الخير و عدوا من يفعل ذلك سفيها يجب عليه .
وحقق هذه القضية صاحب الروضة الندية فقال : (( من كل له صبر الفاقة و قلة ذات اليد فلا يأس بتصدق بأكثر ماله أو بكله ؛ ومن كان يتكفف الناس إذا احتاج لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره .
وهذا وجه الجميع بين الأحاديث الدالة على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة وبين الأدلة التي دلت على مشروعية التصدق بزيادة على ثلث )) ا . هـ


# الهبة في حياة الرسول الكريم ..(1)


وكان الرسول أسخى الناس كفا ما سئل شيئا فقال لا ، وعن صفوان بن أمية قال أعطاني الرسول يوم حنين وإنه لأبغض الناس إليّ ، فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الناس إليّ ولما رأى صفوان كثرة ما أعطاه رسول الله ، قال : والله ما طابت بهذا إلا نفس نبي ، فأسلم . وكان الذي أعطاه الرسول لصفوان غنما ملأت واديا بين جبلين وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله .
تدبروا في هذه العطايا الطائلة التي يبذلها الرسول عن طيب نفس وهو لا يملك شيئاً ولا يحمل منها إلى بيته درهماً ولا يقتني شيئا وقد يبيت طاويا هو وأهله، لا يجد ما يأكل ويعطي العباس من الذهب مالا يطيق حمله ويهب المؤلفة قلوبهم من الإبل ما يذهل ألبابهم ويسلب عقولهم ولما رأى صفوان كثرة ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنبهر وأسلم .
مسائل فقهية في الهبة ..(1)


(مسألة 1): إذا وقعت الهبة على نحو القربة لم تكن صدقه، بل الصدقة ماهية خاصة لابد في وقوعها من قصد عنوانها ولو إجمالاً، ولا يكفي فيها قصد التمليك المجاني على نحو القربة.
(مسألة 2): يعتبر في الواهب والموهوب الكمال بالبلوغ والعقل، ومع عدمه يقوم الولي مقامهما. كما لابد في الواهب من عدم الحجر بسفه أو فلس، على الكلام المتقدم في كتاب الحجر.
(مسألة 3): يعتبر في صحة الهبة قبض الموهوب للعين الموهوبة بإذن الواهب، فلو مات الواهب قبل القبض بطلت الهبة، وكانت العين الموهوبة ميراثاً. ويكفي قبض وكيل الموهوب ووليه عنه.




(مسألة 4): لا يعتبر في القبض الفورية، ولا كونه في مجلس العقد.
(مسألة 5): إذا حصل القبض صحت الهبة وملك الموهوب العين الموهوبة من حينه، لا من حين العقد، فإذا حصل لها نماء بعد العقد قبل القبض فهو للواهب.
(مسألة 6): إذا كانت العين الموهوبة حين الهبة في يد الموهوب أو يد وليه أو وكيله صحت الهبة، ولا تحتاج إلى قبض جديد. فإذا وهب الولي ما تحت يده للمولى عليه صحت الهبة، ولم يحتج لقبضه لها عنه بعد ذلك.
(مسألة 7): لا يكفي في القبض هنا التخلية بين الموهوب والعين الموهوبة، ولا التسجيل الرسمي، بل لابد من خروجها عن حوزة الواهب واستيلاء الموهوب عليها خارجاً بحيث يصدق أنها في حوزته عرفاً.
(مسألة 8): لابد في الموهوب من أن يكون عيناً، ولا تصح هبة المنفعة.
(مسألة 9): تصح هبة الحصة المشاعة ويكون قبضها بقبض العين بتمامها.
(مسألة 10): تصح هبة ما في الذمة لغير من هو في ذمته، ويكون قبضه بقبض ما يتحقق به وفاؤه، فإذا كان لزيد على عمرو مبلغ من المال كان له أن يهبه لبكر، فتصح الهبة بقبض بكر المال من عمرو. أما إذا وهبه لمن هو في ذمته فإنه يصح من دون حاجة للقبض ويكون بحكم الإبراء.
(مسألة 11): إذا وقعت الهبة وصحت بالقبض لم تلزم، وكان للواهب الرجوع فيها، إلا في موارد:
الأول: أن يكون الموهوب له رحماً ذا قرابة، والمدار فيه على الصدق العرفي.
الثاني: أن يعوض الواهب عن هبته.
الثالث: أن تتغير العين الموهوبة عن حالها التي كانت عليه حين الهبة، كما لو قطع الثوب أو خيط أو طحن الحب أو خبز الدقيق أو طبخ الطعام أو ذبح الحيوان أو انكسر الإناء أو نحو ذلك، سواء كان ذلك بفعل الموهوب أم لا.

(مسألة 12): الظاهر عدم إلحاق الزوج والزوجة بذي الرحم، فيجوز لكل منهما الرجوع فيما يهبه للآخر.
(مسألة 13): لا يعتبر في العوض أن يكون عيناً، بل يكفي كل ما يصدق به التعويض والجزاء عن الهبة، عيناً كان أو منفعة أو عملاً، سواء كان تعويضه بتمليكه ذلك الشيء، أم ببذله له حتى استوفاه من دون أن يتملكه، بل حتى مثل بيعه شيئاً يرغب في شرائه أو شراء شيء منه يرغب في بيعه. نعم لابد في الجميع من أن يصدر بعنوان التعويض والجزاء، والأحوط وجوباً توقف اللزوم على أن يقبله الواهب بالعنوان المذكور أيضاً، أما إذا دفع إليه بعنوان التعويض وقبله لا بالعنوان المذكور، للغفلة عن قصد الدافع ففي الاجتزاء به في لزوم الهبة إشكال.
(مسألة 14) الأحوط وجوباً أن يكون التعويض من الموهوب، وفي الاجتزاء بالتعويض من غيره ـ كالأب والأخ والأجنبي ـ إشكال.
(مسألة 15): إذا مات الواهب قبل الرجوع بالهبة فليس لورثته الرجوع بها.
(مسألة 16): إذا مات الموهوب قبل الرجوع بالهبة انتقلت العين الموهوبة لورثته وليس للواهب الرجوع بها عليهم. وكذا إذا خرجت عن ملك الموهوب ببيع أو هبة أو غيرهما فإنه ليس للواهب الرجوع عليه لا بعينها ولا ببدلها، أما إذا رجعت إليه بفسخ أو شراء أو غيرهما ففي جواز رجوع الواهب بها إشكال.
(مسألة 17): إذا كانت الهبة مشروطة بشرط وجب على المشروط عليه القيام بالشرط ما دامت الهبة باقية لم يرجع فيها، ومع عدم قيامه بالشرط يثبت للآخر خيار تخلف الشرط حتى مع أحد الملزمات المتقدمة. أما مع قيامه بالشرط فلا يثبت الخيار المذكور، وتبقى الهبة على الحكم المتقدم.
(مسألة 18): يكره للشخص تفضيل بعض أولاده على بعض في العطية إذا كان معسراً، بل قيل إنه مكروه مطلقاً، لكن لا إشكال في جوازه، كما يجوز له ذلك في نسائه.



# الخاتمــــــــــــة ..


الحمد لله رب العالمين ..

وبعدما تعرفنا على هذه الصفة الرائعة والتي تنشر بين الناس الخير والمحبة ولمسنا فضلها الكبير في تآلف القلوب وتماسك المجتمع وترابطه ..

فهيا نعقد العزم على تطبيقها وجعلها إحدى الشمائل التي نتصف بها بين الناس ونكون قدوة لغيرنا فننال الخير الكثير والجزاء العظيم بإذنه تعالى ..


# المراجــــــــــــــ ـــــــع ..

1 – السيد سابق ، فقه السنة ، المجلد الثالث ، ط7 ، دار الكتاب العربي بيروت ، ص534 إلى ص 542.

2 – محمد رضا ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المجلد الأول ، ط4 ، دار الكتب العلمية بيروت ، ص373.

3 – الإمام النووي ، رياض الصالحين ، المجلد الأول ، ط2 ، دار الفكر المعاصر بيروت ، ص636 ..
4 - http://www.alhakeem.com/arabic/fqh/mnhag2/040.htm
5- معهد الامارات التعليمي
www.uae7.com/vb