كانت هناك بنت صغيرة تحب والدها ولا تفارقه أبداً.. تقرأ معه الصحف، وتشاهد إلى جواره نشرات الأخبار. إذا جاء الليل، نامت على دفء أنفاسه مطمئنة؛ لكنها الليلة لم تنم. أغمضت عينيها.. بجانبها الأيسر غاصت فوق مرتبة السرير الطرية. أخذتْ تحدق إلى وجه أبيها الكبير، بشاربه الأسود، وشعر رأسه المنكوش على المخدة المبللة بالعرق. وفجأة حرك يديه الكبيرتين.. وبكفيه دعك عينيه، فخرجتْ منهما ألوان تليفزيونية مرتعشة.





وعندما مدَّد ذراعيه إلى جواره انتفض، وهو يتمتم، ثم همد كأنه مات.. لكن أصابعه الطويلة تشبثتْ بملاءة السرير، ولوثتها بالألوان المضيئة النابضة بالحياة.


وفي هذه اللحظة كان والدها ينام على ظهره وعيناه شاخصتان في سقف حجرة النوم المظلمة.. طبقات داكنة تضغط فوق بعضها البعض.. تطبق على صدره.. تخنق عنقه المستديرة. خيوط طويلة مشربكة ممتدة بطول الجدران.. خيوط ملونة تهزها ذبذبات الضوء.. ورؤوس ملقاة على قارعة الطريق تنزف، وفوقها تهوى الأنقاض مرتطمة في ضجيج أصم.


مدَّتْ البنت يدها تبحثُ عن جسد والدها.. غاصت أصابعها في لحم رأسٍ مهروس بالشعر.. بالدم معجون. دم أحمر، وأزرق، وأبيض.. هكذا الألوان تنبض ما بين سقف الحجرة وحواف المخدع، وسط الظلام المطبق والصمت المخيف. اهتزت الأرض.. اختلط الأنين بالبكاء.. والدها يحملها في حضنه مهرولاً..


يجري هو، وهي تبكي مذعورة.. المباني الشاهقة العارية من الأسمنت تتهاوى على جانبي الطريق الضيقة المعتمة، فإلى أين؟


يجري هو، وهي تتشبثُ في عنقه.. تصرخُ.. ترى وجهها يتفجر بالدموع والدم الأحمر.. ترى نزيف رأسها. وفوقها حوَّمت الطائرات تهز أسطح العمارات. دارتْ في لمح البصر، ودوَّت الانفجاراتُ.. سُحُبُ الدُّخان.. ألسنة اللهب تصاعدتْ من خلف الركام المتصدع.


من وراء كتف والدها يتخبط الأولاد والبنات وهم يفرُّون على غير هدى، فيتساقطون وراء الغبار الأصفر. المآذن وأبواق الكنائس نقلت على الهواء مباشرة صوت قارئ نشرة الأخبار.


نهض والدها من مرقده مذعوراً قابضاً عنقه وصدره بأصابعه الطويلة. أضاء النور، فأغمضت عينيها. سمعته يجرعُ الماءَ مستعيذاً مستغفراً. سألَ إن كانت مستيقظة.. تظاهرتْ بأنها تغط في نوم عميق.. أظلمَ الحجرةَ.. استلقى جوارها متقطع الأنفاس.. هنيهة وهمد كأنه مات!


تحدق البنت الصغيرة إلى وجه والدها الكبير بشاربه الأسود، وترفع يديها ضاربة الفراغ الثقيل الممتد بين السقف وحواف السرير.. كأنها تتقي الأنقاض والضجيج الأصم والغبار الأصفر!