بينما أنا ابحر في عالم الأدب والشعر .. عالم الامتاع والفن .. عالم صياغة الكلمات الجميلة والرقيقة ..

العالم الذي أبدع فيه الكثيرين من الأدباء والشعراء .. عالم لا يستطيع أي أحداً دخوله كيفما شاء ..

فالأدباء وخصوصاً الشعراء منهم .. لم يأتوا بكلمات من عندهم .. ولا بحرف واحد من جعبتهم ..

فحروفهم حروف الهجاء المعروفه .. وكلماتهم نفس الكلمات التي نعرفها ونرددها

ولكن .. سر نجاحهم في هذا الفن وهذا العالم .. أنهم عرفوا كيف تكون صياغة الكلمات .. وكيفية توظيف الكلمات

وأين يضعون كل كلمة .. وفي أي مكان..

عرفوا كيف يصفون .. وكيف يشبّهون ..

كيف يكون المدح .. وكيف يكون الهجاء ..

وكيف يكون الفخر .. وكيف يكون الرثاء ..


وأنا .. وأعوذ بالله من كلمة انا .. ابحر في هذا العالم صادفت .. شاعراً اسطورياً .. شاعر ابدع حيثما ذهب .. وحيثما قال

أنه أبو الطيب المتنبي .. أنه الشاعر الذي من الصعب أن يقول أحداً : لم أسمع عنه يوماً !!

هل صحيح أنه هو أبو الطيب !! الذي مدحه الأدباء والشعراء .. بل قالوا عنه :

لو أراد أبو الطيب المتنبي أن يجعل كلامه كله شعراً ... لفعل !!

فقلت في نفسي .. لم لا استغل هذهـ المقابلة التي لن تتكرر .. واتقدم واتعرف عليه أكثر .. فقلت له

س / عرّفني على نفسكـ .. فمن أنت ؟ .. قال :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صممٌ

س / هل صحيح أن الكل يعرفكـ ؟ .. قال :

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

س / مارأيكـ في شعركـ ؟ .. قال :

وما الدهرُ الاّ من رواةِ قصائدي ... إذا قُلت شعراً أصبح الدهرُ منُشدا

س / لكن بعض السفهاء ينتقدون شعركـ ؟ .. قال :

وإذا أتتكـ مذمّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ

س / بعض الناس غلب عليه سوء الظن ؟ .. قال :

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونُهُ ... وصدّق ما يعتادهـ في توهمِ

س / بعض الناس يستطيع أن تكون حاله أفضل .. لكن لايفعل ؟ .. قال :

ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمامِ

س / حسناً .. والبعض الآخر لا يصل إلى ما يريدهـ ؟ .. قال :

ما كل مايتمناهـ المرء يدركه ... تجري الرياح بما تشتهي السفنُ

س / وهناكـ أيضاً من الناس منهم يستفيد من نكبات الآخرين ؟ .. قال :

كذا قضتِ الأيامـُ ما بين أهلها ... مصائبُ قومـٍ عند قومـٍ فوائدُ

س / وهناكـ أيضاً من لايرضى الاّ بالمكان العالي ؟ .. قال :

على قدر أهلِ العزمـ تأتي العزائمُـ ... ةتأتي على قدر الكِرامـِ المكارمُـ

س / أي الامكان ... والجلساء أحب أليكـ ؟ .. قال :

أعز مكان في الدّنا سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليس في الأنامِ كتابُ

س / ماذا تقول لمن تحب ؟ .. قال :

وما كنت ممّن يملكـُ الحبُ قلبهُ ... ولكنّ من ينظرعيونكـَ يعشقُ

س / نرى في بعض الأحيان .. المنافق يبكي ؟ .. قال :

إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ ... تبين من بكى ممّن تباكى

س / هناكـ أغنياء ألسنتهم سخيّة وأيديهم بخيلة ؟ .. قال :

جُودُ الرجال من الأيدي وجُودهمُ ... من اللسانِ فلا كانوا ولا الجُودُ

س / أرى العظماء لا يبالون بالمصاعب ؟ .. قال :

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمرّ به الوحُولُ

س / أراكـ تحسنُ القول .. ولاتعطي شيئاً ؟ .. قال :

لاخيلَ عندكـ تهديها ولا مالٌ ... فليسعِد النّطقُ إن لم تسعِدِ الحالُ

س / هل تنفع العداوة .. وتضرّ الصداقة ؟ .. قال :

ومن العداوة ما ينالكـ نفعُه ... ومن الصداقةِ ما يضُرُّ ويُؤلِمُ

س / مارأيكـ في الدنيا ؟ .. قال :

لحا الله ذي الدّنيا مُناخاً لراكبٍ ... فكلّ بعيدِ الهمّـ فيها مُعذّبُ

س / وما رأيكـ في المال ؟ .. قال :

إذا المالُ لم يُرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسُوباً ولا المالُ باقيا

س / وما رأيكـ الفراق ؟ .. قال :

لو لا مُفارقةُ الأحبابِ ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحِنا سُبلا

س / ماذا تقول لمن فارق حبيبه ؟ .. قال :

قد كنتُ أشفقُ من دمعي على بصري ... فاليومـ كلُ عزيزٍ بعدكم هانا

س / والموت ماذا تقول فيه ؟ .. قال :

الموت آتٍ والنّفوس نفائسٌ ... والمستغرّ بما لديهِ الأحمقُ

س / إذاً لا مفرّ من الموت ؟ .. قال :

نعُدُ المشرفيّة والعوالي ... وتقتُلنُا المنُونُ بلا قِتالِ

س / ما هو سبب موتكـ ؟ .. قال :

ما أنصف القومُ ضبه ... وأمه الطُرطبه

س / كيف حالكـ الآن يا أبا الطيب ؟ .. قال :

وحيدٌ من الخلاّنِ في كلّ بلدهـِ ... إذا عظم المطلوبُ قلّ المساعدُ

س / اريد ختم اللقاء ببيتين في وصف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقط ؟ .. قال :

الشمسُ من حسّادهـِ والنّصرُ من ... قرنائهِ والسّيفُ من أسمائهِ

أين الثلاثة من ثلاث خِلاله ... كم حُسنهِ وإبائهِ ومَضَائِهِ

مضتِ الدّهوُرُ وما أتيَنَ بمثلِهِ ... ولقد أتى وعجزنَ عن نظرَائِهِ

قف .. قف .. قف .. يا أبا الطيب ... قلت لكـ بيتين لا أكثر لكي لا نطيل على القارئ أكثر

---------

واختتم لقاءي هذا بمقوله لمعالي الوزير والأديب السعودي .. د/ غازي القصيبي .. حينما قال :

( أسطورتان لن تتكررا أبداً ... المتنبي في الشعر .. ومارادونا في الكرهـ )

ولا يسعني الاّ أن اشكركم على حسن قرائتكم وانصاتكم في هذهـ المقابلة الحصرية مع

الشاعر الذي صدق الأدباء حينما قالوا فيه أنه : لو أراد أبو الطيب المتنبي أن يجعل كلامه كله شعراً ... لفعل !!

أنه امبراطور الشعراء .. الشاعر الاسطورهـ .. في مقامة المتنبي .. من مقامات القرني ..



ملطوش..