معايير دقيقة للمنهج وتأهيل مدرسين محترفين أبرز العلاجات



اللغة العربية "آخر الصف" في فصول تدريسها آخر تحديث:السبت ,05/03/2011


تحقيق: ايمان سرور

1/1






أضحى الاهتمام بمادة اللغة العربية الشغل الشاغل للتربويين والعاملين في ميدان المناهج وطرق التدريس، باعتبارها محط الهوية وأداة التواصل بين أبناء الوطن العربي . ولمناهج اللغة العربية في مدارس التعليم العام والخاص والجامعي نصيب من النقد والاتهام، لدورها في ضعف الطلبة في مهارات وفنون هذه اللغة، ولقصورها في تحقيق الاهداف اللغوية والتربوية والوطنية التي وضعت من اجلها، خاصة وان مدارس التعليم العام، والجامعي تشهد، ضعفاً علمياً ووظيفياً ملحوظاً بين أوساط الطلبة في مجالات القراءة والكتابة والتعبير والتواصل، وفي تحصيل علوم اللغة العربية، والإقبال عليها، وقد زادت مشكلة ضعف الطلبة في تلك اللغة حتى أصبحت ظاهرة مقلقة قد تؤثر على المستوى الديني والثقافي والعلمي للعالم العربي .



تقول أحلام مصيقر، اختصاصي اول تقويم لغة عربية بمجلس أبوظبي للتعليم، إن اهتمام المجلس باللغة العربية ينطلق من كونها اللغة الرسمية للدولة، والمكون الأساسي للهوية الوطنية التي تسعى “التربية” للحفاظ عليها وترسيخها لدى المتعلمين، حيث تعتمد رؤية المجلس على ما تضمنته الوثيقة الوطنية لمنهج اللغة العربية للتعليم العام في الدولة، بالإضافة إلى استراتيجية المجلس لتطوير الأداء، لتحقيق المخرجات المنشودة .



وان المجلس يهتم بعملية التقويم، لما لها من دور كبير في تحسين المخرجات، وتطوير أداء المعلم، وتحقيق الإفادة القصوى من المنهج محتوى وأهدافاً .



وأشارت إلى أن التقويم اعتمد على اعتبار اللغة العربية أداة للتواصل وأداة للتفكير والتعبير، وأنها مجموعة من المهارات الشفوية والكتابية ينبغي أن يمتلكها المتعلم، ويمارسها حتى تصير جزءا من حياته الفكرية والعملية، وقد أدى ذلك إلى تغيير سلوك المتعلم تجاه اللغة، وإلى أن يغير المعلم أساليبه واستراتيجياته؛ ليواكب التوجه الجديد في التقويم، لافتة إلى أن المعلم اصبح يعتمد الطرائق الحديثة التي تجعل من المتعلم هو العنصر الفعال في عملية التعلم، وأخذ يربط المتعلم بمصادر التعلم ربطاً صحيحاً .



وقالت إن المجلس سعى لنشر هذه الثقافة الجديدة في المجتمع التربوي كله، وبدأ بالأسرة، إيماناً منه بأنها شريكة في عملية التربية والتعليم، فعقد اللقاءات، وتبادل الأفكار، واطلاع الأسر على حقيقة التطوير الذي يجري، حتى أدركت أنه يصب في مصلحة أبنائها، من حيث بنائهم التربوي والفكري والثقافي .



كما تم تنظيم لقاءات مع المجتمع المدرسي ممثلا بمديري المدارس ومديراتها ومعلمي العربية ومعلماتها، وقام المجلس بإعداد نماذج تدريبية تتضمن الرؤية الجديدة؛ ليتدرب المتعلم على نظام الأسئلة الجديد، وليتمكن المعلم من إعداد نماذج تحقق الأهداف نفسها .



أشياء كثيرة



يقول عيسى السويدي مستشار تربوي إن اشكالية الضعف في اللغة العربية عند طلاب مدارس التعليم العام يهدد منظومتين، أولاهما الهوية والأخرى المنظومة التعليمية، فتهديد منظومة الهوية مفهوم لا يتطلب فيه الجدل والحوار فضعف لغة قوم يعني ببساطة أن هويتهم إلى ضياع، والحقيقة التي لا يفهمها البعض هي أن ضعف اللغة العربية عند طلابنا يؤثر سلبا على مستوى تحصيلهم في بقية المواد الدراسية كالاجتماعيات والعلوم وغيرها، إذا كانت مهارة القراءة وجلده عليها ضعيفين بما فيها اللغة الإنجليزية .



واضاف ان مهارات اللغة الأربع (الاستماع، والمحادثة، والقراءة، والكتابة) هي في الحقيقة من الأدوات الأساسية لتعلم كل شيء تقريباً، داخل المدرسة وخارجها، فمن لا يحسن الاستماع لن يحسن المحادثة، ومن كانت مهارة القراءة عنده ضعيفة تراجع استيعابه وفهمه لما هو مكتوب أمامه، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تردي في قدرته على الكتابة، ومن يحسن القراءة ولا يحسن الكتابة فلن يتمكن من كتابة إجابات اسئلة الاختبارات، لافتاً إلى أن اتقان مهارات اللغة العربية يساعد على تعلم اللغات الأخرى .



ورأى السويدي أن معالجة ضعف اللغة العربية في مدارسنا يتطلب أشياء كثيرة، على رأسها وضع معايير دقيقة لمناهج اللغة العربية يسهل قياسها وتأهيل معلمين محترفين لتعليمها، والمعلم المحترف ليس من يتقن استخدام اللغة فحسب ولكن من يستطيع تحبيبها للطالب ومن ثم تعليمه إياها، وينبغي ان لا ينحصر تدريس اللغة العربية على معلم اللغة العربية ولكن يجب أن تكون من اهداف جميع المعلمين في المدرسة من خلال محادثة الطلاب في الصف باللغة العربية ولو كانت المبسطة والابتعاد عن اللهجات العامية وتشجيع الطالب على استخدام اللغة الفصحى المبسطة .



وتؤكد موجهة اللغة العربية بمدرسة الريم النموذجية بأبوظبي، إيمان عقلة، أن مناهج اللغة العربية في مدارسنا تحظى بمزيد من العناية والرعاية، مشيرة إلى أن احترام أي أمة كانت للغتها وغيرتها عليها هما أقوى ما يحفظها وأكبر ضمان لقوتها وحيويتها، وأنه ينبغي علينا كتربويين أن نبث الاعتزاز في نفوس الطلبة بلغتهم العربية والشعور بقوتها، ومرونتها، وجمالها، وحيويتها، وقدرتها على استيعاب التطورات العلمية والتقنية الحديثة .



واشارت إلى أن ثمة أساليب تعليم قديمة جعلت الطالب يستصعب عملية استيعاب مهارات اللغة العربية، وجعلته ينفر من بعض فروعها، ولكن هذا الوضع بدأ يتلاشى نوعاً ما، وان المرحلة المقبلة ستقدم فيها اللغة العربية بشكلها الأصيل في صورة محببة ومرنة، تدفع الطالب إلى الإبحار فيها والنهل منها، لافتة إلى أن المعلمين والمهتمين والقائمين على مناهج اللغة العربية في مجلس أبوظبي للتعليم يسعون جاهدين لتطوير برامج ومناهج هذه اللغة، لتنمية مهارات الطلبة اللغوية وتعويدهم على ممارستها واستخدام مفرداتها، كما ان تخصيص المدارس حصة إلى حصتين اسبوعيا للمطالعة الحرة داخل مكتباتها وغرف المصادر، واعارة طلابها الكتب، يساعد على تقويم ألسنتهم، وتنمية قدراتهم ومواهبهم الكتابية والخطابية، وإثارة الحماسة فيهم لتعلم اللغة والبراعة فيها، لافتة إلى أن تنظيم المسابقات الثقافية التنافسية في القراءة والتلخيص بين طلبة المدرسة الواحدة والمدارس الأخرى والاستغلال الأمثل للاذاعة المدرسية خلال الطابور الصباحي والمناسبات الوطنية وخلال الفسحة، يشجع الطلبة على ابراز ملكاتهم ومواهبهم الادبية في فن الالقاء والخطابة والشعر .



معالجة الضعف



ويرجع المعلم حمزة احمد الشحادات الحاصل على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للاداء التعليمي فئة المعلم المتميز أسباب ضعف الطلاب في مادة اللغة العربية إلى بُعد الدروس عن بيئة الطالب ومن أمثلة ذلك وحدة (رحلة إلى الماضي)، ووحدة (عالم الحيوان) ووحدة (عالم الخيال) في الصف الأول حيث تكون محتويات هذه الدروس أكبر من مستوى الطالب العقلي والإدراكي، كما أنها بعيدة عن رغباته وحاجاته في هذه المرحلة، كما أن الطالب في الصف الأول الابتدائي لا ينتهي من تجريد الحروف إلا في نهاية العام الدّراسي، ما يؤدي إلى عدم تمكنه من قراءة جميع الحروف إلا في وقت متأخر من العام الدّراسي، مقترحاً أن يتم تجريد جميع الحروف قبل نهاية الشهر الثالث، حتى يتسنى للطالب مراجعة جميع الحروف والتطبيق عليها في وقت كاف، مقترحاً اضافة شخصيات محببة للطلاب تكون دائمة الحضور في معظم الدروس كي يتقمص الطالب تلك الشخصيات ويحاول تقليدها خاصة وان الكتب تخلو من الشخصيات الرئيسة .



وقال إن عدم وجود ترابط ما بين كتابي الصف الأول والصف الثاني، يؤثر على قدرة الطالب على الاستيعاب والإتقان واكتساب المهارات المطلوبة، مشيراً إلى أن كثيرين من المدرسين يشعرون بوجود فجوة كبيرة ما بين الكتابين، وان كتب الصف الثاني تحوي دروساً طويلة جدا لا تتناسب مع بيئة الطالب، ولا تركز على المهارات التي تعلمها في الصف الأول، بالاضافة إلى أنها تطالبه بأعمال تفوق ما اكتسبه من مهارات كتأليف وكتابة فقرة .



وأشار، إلى أن الطالب يفتقد الكثير من المصطلحات والمفاهيم والتراكيب في اللغة العربية نتيجة تعلم مادتي الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية كالأشكال الهندسية وأجزاء الزهرة، والفصول الأربعة وغيرها، حيث تمر عليه في اللغة العربية دون أن يلم بالمعنى الكامل لها .



حب القراءة



ويقول عمر مبارك الناجم الاختصاصي الاجتماعي إن العالم العربي بحاجة إلى نهضة في التأليف الخاص بأدب الطفل، لأن تأسيس وعي الطفل يأتي بدرجة اولى حتى ننمي حب القراءة والاطلاع لدى الاطفال منذ مراحل مبكرة، وفي نفس السياق نحتاج إلى محاولة للفت نظر القائمين على العملية التربوية إلى اهمية احياء اللغة العربية من خلال القصص والروايات الموجهة للطفل، وتأسيس المكتبات بالمدارس وتوجيه الطلبة نحو القراءة، لافتاً إلى أن حكومة أبوظبي تمثل نموذجاً للدول التي تدعم كتاب الطفل، وذلك برصدها ميزانية لطلاب المدارس لشراء ما يرغبون به من كتب وقصص .



وقال إن جوائز ومسابقات انجال الشيخ هزاع بن زايد لثقافة الطفل، التي تتضمن خمسة أنواع كتابية عبارة عن القصة والسيرة القصصية والشعر والمسرح بالاضافة إلى جائزة الترجمة، لمثال كبير وعظيم في مساعدة الطفل وتشجيعه على حب القراءة وجعلها عادة من عاداته اليومية .



عدم الدافعية



وأشارت إحدى معلمات اللغة العربية في مدارس التعليم الخاص، إلى أن ضعف مادة اللغة العربية في بعض مدارس قطاع التعليم الخاص وبخاصة (الأجنبي) قد يؤدي إلى التأثير في الهوية الوطنية والاعتزاز بالقيم والعادات والتقاليد الاصيلة، حيث إن بعض ادارات تلك المدارس لا تزال تعاني عدم قدرتها وقدرة معلميها على إثارة دافعية تعلم اللغة العربية لدى طلابها، نظراً لعدم تلبية اساليب التدريس التي تخدم مهارات اللغة العربية المطلوب اكتسابها لديهم، لافتة إلى أنه على الرغم من حدوث تغيير نوعي في توجه المختصين والمعنيين بالشأن التربوي نحو ضرورة اعتماد الأساليب الحديثة في تعليم اللغة العربية وتبنيها، إلا أنه لا يزال هناك ضعف لدى طلبة هذه المدارس بتلك اللغة .



وتقول نجلاء الدهان، ولية أمر إن تعود الطفل وتوجيه ميوله نحو القراءة خصوصاً في سنواته الأولى، له دور مهم يقع على عاتق البيت والاسرة بالدرجة الأولى، ومن ثم المعلم والمدرسة كما أن وسائل الاعلام لها دور مفصلي يساعد الطفل في تشكيل المنظومة القيمية والاخلاقية، مشيرة إلى أنه عندما يقرأ الطفل يكتسب لغة الكتاب إذا أحب المضمون وبالتالي ترتقي لغته وتتعزز لديه عاطفة الاحساس بالغير ويصبح قادرا على القراءة بلغة ممتعة، لافتة إلى أن اهم ما يقف عائقا امام القراءة هو عدم الوعي بقدرات الطفل وانتشار الأمية بين النساء والامهات ما يؤثر في ثقافة أبنائهن وميلهم للمطالعة .



ويقول عاطف لطفي رئيس قسم لغة عربية بإحدى المدارس إن اللغة العربية شأنها شأن بقية اللغات، لا تعتمد على المدرسة والمعلم فقط حيث ان دور البيت يأتي قبلهما، وإن “البرستيج” جعل اولياء الامور يفضلون ان يتحدث أبناؤهم باللغة الإنجليزية، كما ان البعض منهم يميل إلى أن يتحدث صغارهم إلى المربيات، وخدم المنازل، وأصحاب البقالات، ومراكز الالعاب بلغة اجنبية رغبة منهم ان ينشأ طفلهم على “الاتيكيت” وكأنه لا وجود له في لغتنا العربية، بالاضافة إلى أن الزواج من اجنبيات غير الناطقات بالعربية فاقم من هذه المشكلة، حيث يوجد في مدارسنا طلبة لا يجيدون الحديث باللغة العربية، وأصبح من الصعب تعليمهم العربية بسبب عدم النطق السليم للغتهم الام .



جهود محلية وعربية بارزة



أنشئت جمعية حماية اللغة العربية في العام 1999 في امارة الشارقة، من أجل خدمة اللغة العربية من خلال غرس الاعتزاز بها في نفوس أبنائها باعتبارها لغة دينهم، والتوعية باللغة العربية لكونها اللغة الروحية والرسمية، وذلك على المستويين الرسمي والشعبي، وحث الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة على تعزيز استخدامها وجعلها الأساس في التعامل والتخاطب، وكذلك للإعلان والعمل على تيسير تعليمها للناشئة وتعليمها لغير الناطقين بها وتنظيم المحاضرات والندوات وحلقات البحث للنهوض باللغة العربية .



واطلق مكتب التربية العربي لدول الخليج في العام 2006 المشروع الخليجي المشترك “تحسين مستوى طلاب التعليم العام في اللغة العربية”، الذي عكس الاهتمام الصادق، والغيرة الدينية والوطنية لقادة الدول الأعضاء، وللمسؤولين عن التربية والتعليم في تلك الدول في المحافظة على اللغة العربية، وفي تطوير تعليمها وتعلمها بما يتناسب مع التطور العلمي والتقني ومتطلبات العصر، حيث ينطلق المشروع من عدد من الاستراتيجيات منها استراتيجية بناء المناهج، واستراتيجية إعداد معلمي اللغة العربية ورفع كفاياتهم، واستراتيجية تقويم أداء تعليم اللغة العربية وتعلمها، فيما تشمل كل استراتيجية عدداً من البرامج التي تحقق أهدافها، بالاضافة إلى البرامج المساندة لتلك الاستراتيجيات، منها برنامج تنمية اتجاه طلاب التعليم العام نحو القراءة الحرة، وبرنامج تطوير مستوى التأليف والإبداع في أدب الطفل، وبرنامج تفعيل دور التقنية في تعليم هذه اللغة وتعلمها، وبرنامج تطوير المكتبات المدرسية، وتنمية البيئة المدرسية، وغيرها من البرامج التربوية المعينة على تطوير تعليم اللغة العربية وتعلمها .

عن صحيفة الخليج 5-3- 2011