بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


المقدمة
الجريمة في المجتمع ليست ظاهرة حديثة العهد، بل عانت منها المجتمعات القديمة وعرفتها التشريعات في مختلف العصور عن طريق منع ارتكاب بعض الأفعال التي تشكل اضطرابا وخطورة على المجتمع والعلاقات السائدة فيه، وذلك منذ أن شرع الإنسان يعيش في نطاق العشيرة أو القبيلة رغم عدم وجود سلطان رسمية في بادئ الأمر كالبوليس والمحاكم والسجون، فالمجتمعات لم تخل تماما من الجريمة فهي نتيجة لازمة لحياة الناس وما يثور بينهم من تنازع في المصالح وتنافس على إشباع الحاجات.
ورغم عملية التغيير الاجتماعي المتلاحق التي شملت المجتمعات قديمها حديثها فان ظاهرة الإجرام في المجتمع مازالت موضع اهتمام علماء القانون والاجتماع وعلم النفس لما تثيره من اضطراب في العلاقات الإنسانية وإهدار للقيم والعادات السائدة وتهديد لسلطة الدولة والقانون، وقد اتخذ هذا التطور أشكالا مختلفة وخاصة بالنسبة للصغار والشبان المذنبين حيث حل العلاج والتأهيل محل المعاملة العقابية، لان الدراسات والبحوث والاختبارات العلمية قد دلت على ان الجريمة أكثر ما تكون شيوعا بين الصغار، وان معظم المجرمين البالغين قد بدءوا حياتهم الإجرامية منذ سن الحداثة.
التعريف الاجتماعي للحدث المنحرف
يرى علماء الاجتماع أن الانحراف ينشا من البيئة دون أي تدخل للعمليات النفسية المعقدة التي تلعب دورها على مسرح اللاشعور. وهم بذلك يصفون الأحداث المنحرفين، على أنهم ضحايا ظروف خاصة اتسمت بعدم الاطمئنان والاضطراب الاجتماعي لأسباب متعلقة بالانخفاض الكبير لمستوى المعيشة الذين يعيشون في ظله أو هم ضحايا مزيج من هذا أو ذاك.
وقد عرّف الدكتور منير العصره انحراف الأحداث بأنه " موقف اجتماعي يخضع فيه صغير السن لعامل أو أكثر من العوامل ذات القوّة السببية مما يؤدي به إلى السلوك غير المتوافق أو يحتمل أن يؤدي إليه". ووصف الانحراف بأنه موقف اجتماعي من شأنـه أن يستجمع حالات الانحراف الإيجابي والسلبي ، وفيما يتعلق بمظاهر السلوك اكتفى التعريف بوصف السلوك الذي يصدر عن الحدث المنحرف بأنه " سلوك غير متوافق، أو يحتمل أن يؤدي إلى عدم التوافق" ، وهذا الوصف ذو مدلول واسع ينبسط على كافة المظاهر السلوكية المضادة للمجتمع سواء كانت جريمة من الجرائم أو عملا إيجابيا أو سلبيا يتعارض مع القواعد المألوفة للجماعة.
وإذا كان التشريع يهدف من تعريف الحدث إلى تحديد فترة زمنية معينة يطبق بشأنها نظاما مـخففا للمسؤولية الجنائية على الأحداث ، فان علماء الاجتماع ينظرون إلى الأمر من ناحية تعلقه بفترة من حياة الإنسان لها طابعها وخواصها ونوازعها. وتمتد فترة الحداثة بنظر علماء النفس والاجتماع حتى يتم النضوج العقلي والاجتماعي لدى الأحداث، فالحداثة لا تتقيد وفقا لنظرتهم بحد أدنى للسن، أو بحد أقصى له، فمناط تحديدهم لسن الحداثة ليس ركن التمييز الذي تترتب عليه المسؤولية الجزائية، بل تلك الفترة من حياة الإنسان منذ ولادته وحتى يكتمل لديه النضج الاجتماعي الصحيح والرشد الكامل.
والواقع أن التعريفات الاجتماعية في مجال الجريمة والانحراف لم تضع معيارا للضرر الاجتماعي، وهي حينما تصف السلوك بأنه غير متوافق مع المجتمع فكأنها لم تصف شيئا طالما أن هذه العبارة غير محددة تحديدا دقيقا، ذلك أن هذا التحديد لازم و بالضرورة الملحة حينما يعاقب المرء على سلوكه المنحرف، أو حتى إذا عومل معاملة جنائية خاصة تحد ولو بقدر ضئيل من حريته. وهذا ما دعى تافت taft ان يقرر أن على علم الإجرام أن يعتمد على ا لتعريف القانوني من اجل الاعتبارات العملية.[1]
الوضع الراهن لمشكلة جناح الأحداث
أسفرت الحرب العالمية الأخيرة عن زيادة خطيرة في عدد الأحداث الجانحين، في كل البلاد المحاربة وكل من عانى منها احتلال العدو أراضيه. فلقد تفككت اسر لا عداد لها من جراء الأسر والنفي خارج البلد لأسباب سياسية أو لأغراض العمل الإجباري ، كما أدى سوء التغذية من ناحية أخرى إلى زيادة عدد الجرائم الاقتصادية من قبيل السرقات والتبديد والصفقات غير المشروعة بكافة أنواعها. كما اضر بنمو الحدث الفسيولوجي فبعث فيه استجابات تتسم بعدم الاستقرار وتدفعه إلى التخلف عن المدرسة، والهروب من الأسرة، والتشرد في عصابات من أترابه، وزادت خطورة عدم استقرار الحدث بدوره بتأثير الاضطرابات العصبية الغالبة على الأسرة من جراء ضروب القلق الناجمة عن الانفصال ، والتوجس من الغارات والاعتقالات وهموم توفير الغذاء التي تنوء بها أمهات الأسر، واضطرارهن إلى الانتظار أمام الحوانيت ساعات حتى يتداعين إعياء في بعض الأحيان كيما يحصلن على المواد التموينية اللازمة للأسرة.
وأخيرا كان لا بد أن تتفاقم خطورة الموقف الناجم عن الحرب بتأثير مراس السوق السوداء، ومشاهد الموت والخراب والبؤس التي كثيرا ما أثارت لدى الحدث صدمات وجدانية خطيرة ولم يكن في الإمكان إلا أن تزعزع إيمانه بأعمق القيم الإنسانية الجوهرية، وما أتاحته المعسكرات الحربية من فرص السلب والصورة الخيالية الباهرة التي يحملها الأحداث عن المحارب في فرق المقاومة الشعبية، وهي صورة دفعت الصبية إلى الهروب من عائلاتهم، والفتيات إلى احتراف الدعارة في بعض الأحيان.[2]
الأهمية الاجتماعية لظاهرة إجرام الأحداث
لا شك أن إجرام الأحداث ظاهرة اجتماعية عاشت في كل مجتمع واختلفت نظرة التاريخ الاجتماعي إلى هذه المشكلة، فقديما اعتبر الحدث المنحرف مجرما وانه يستحق العقاب ولا سبيل إلى إصلاحه إلا بالبتر حتى لا يصاب المجتمع باختلال توازنه.
أما المجتمعات الحديثة فقد أدركت بما لا يدعو للشك أن الأحداث غالبا هم ضحية ظروف اجتماعية أدت بهم إلى الانحراف وسوء التكيف، وان تهيئة الظروف الاجتماعية وتدعيمها بالمقومات الصالحة لتنشئتهم في عطف وحنان هي الحفاظ الحقيقي لقواهم وانطلاقهم نحو غايات اجتماعية صالحة.
ولقد ازدادت هذه المشكلة خطورة في هذا العصر نتيجة للتقدم الحضاري والصناعي الحديث وخاصة في المجتمعات النامية مما كان له أثره على كيان الأسرة وتماسكها، وعلى ازدياد مطالب الفرد وتعرضه لمغريات البيئة مع غلاء المعيشة، فضلا عن المشكلات التي نتجت عن هذه الأوضاع كمشكلات العمل والبطالة والهجرة والإسكان وغيرها والتي هيأت فرصا جديدة لانحراف الصغار وارتفاع نسبة إجرامهم.
فالأحداث هم نواة المجتمع البشري، ومرحلة الحداثة يتوقف عليها الى حد بعيد بناء شخصياتهم وتحديد سلوكهم في المستقبل وأي جهد يوجه لرعايتهم وحمايتهم هو في نفس الوقت تامين لمستقبل الأمة وتدعيم لسلامتها. لذلك تعتبر رعاية الأسرة والطفولة العملية البناءة الأساسية في أي مجتمع يسعى إلى تحقيق التطور المتوازن البعيد عن الانحرافات والعلل الاجتماعية، والقادر على الابتكار والتجدد والمتمسك بالقيم والأخلاق الفاضلة.
فظاهرة إجرام الأحداث تكمن أهميتها لكونها تتناول بالدرس والتحليل طاقات بشرية في المجتمع انحرفت في مرحلة مبكرة وباتت تهدد كيانه بالتفكك وتعرض حياة أفراده وسلامتهم وأعرافهم وأموالهم للخطر، وهي من ناحية أخرى تجعل من هذه الفئة قوى معطلة وغير منتجة بحيث تصبح عالة على عاتق المجتمع وبالنتيجة فان الخسارة تتمثل في النتائج الضارة للإجرام من جهة ومن تعطل وفقد هذه الطاقات البناءة من جهة أخرى. فهم يعيشون عالة على ذويهم وعلى المجتمع وقد يكونون في مستقبل حياتهم عامل هدم وإعاقة لعملية الإنتاج حيث أن الأسلوب السائد في حياتهم يقوم على العدوان واللامبالاة.
هذه الظاهرة تعني أيضا أن هنالك قصورا من قبل الأسرة والمجتمع في توجيه ورقابة جيل ينمو. وهي تعني من ناحية أخرى أن عملية التطور الثقافي والحضاري قد صادفت عائقا ما في وجهها. ولقد دلت الإحصاءات انه رغم نقص نسبة معدل المواليد فان هنالك زيادة ملحوظة في نسبة الإجرام عند الأحداث، وهذا يعني بشكل أو بآخر أن هذه المشكلة لا تنفصل عن سياسة الأسرة والجماعة وتبدو انعكاسا للحياة العصرية وما يشوبها من سوء التنظيم الاقتصادي والاجتماعي وتفكك بناء الأسرة المادي والمعنوي وما يتبعه من انحلال في القيم الدينية والأخلاقية.[3]
تعدد العوامل المؤدية للسلوك المنحرف
لا يمكن فهم إجرام الأحداث إلا على ضوء تلك الخبرة التي تشكل جزءا من عملية ديناميكية مستمرة، فالصغير يتمتع عادة بتكوين بيولوجي ونفسي خاص، ويتمتع عادة بتكوين بيولوجي ونفسي خاص، ويتمتع بقدرات وميول واتجاهات مختلفة، ولكنه يعيش أيضا في عالم اجتماعي تسوده العلاقات الفردية والاجتماعية والثقافة المتنوعة التي تؤثر في تكوين شخصيته، وهناك أمر مؤكد وهو أن سلوك الحدث المنحرف يرجع لأكثر من سبب يساهم بشكل أو بآخر في تكوين ذلك السلوك.
ففكرة البحث عن سبب واحد لتفسير أية ظاهرة غير صالح على الإطلاق بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، فبناء نظرية عامة لأسباب السلوك الإجرامي يستحيل أن يؤسس على سبب واحد أو مجموعة أسباب ذات طابع واحد(بيولوجي أو اجتماعي)، وإنما يجب أن تؤخذ بالاعتبار العوامل المختلفة التي تسهم في إخراج السلوك الإجرامي ذاته الذي لا يختلف في ذلك عن السلوك العادي إلا بقدر اختلاف العوامل ذاتها داخلية كانت أم خارجية.
ورغم تعدد العوامل الدافعة إلى الجريمة وتشعبها فإنها ليست على درجة واحدة من الأهمية، فقد يكون بعض هذه العوامل سببا رئيسيا للانحراف وقد يكون البعض الآخر من الأسباب الثانوية أو المساعدة له.
هذا لناحية تعدد العوامل التي قد ترجع أو تتصل بالتكوين الشخصي للحدث ، أو تكوينه العقلي أو النفسي أو العضوي وهذا ما نطلق عليه العوامل الداخلية لإجرام الأحداث، والتي قد ترجع أيضا إلى البيئة التي يعيش فيها الحدث سواء في الأسرة أو المدرسة أو العمل أو الوسط الاجتماعي الفاسد، وهذا ما نطلق عليه بالعوامل الخارجية أو عوامل البيئة لإجرام الأحداث.[4]
العوامل الداخلية لإجرام الأحداث
المقصود بالعوامل الداخلية، مجموع الظروف أو الشروط المتصلة بشخص المجرم، وهي قد تكون أصلية تلازم الفرد منذ ولادته ويدخل فيها التكوين الطبيعي للمجرم والوراثة والنوع والجنس والضعف والخلل العقلي والأمراض العصبية والنفسية وظروف الحمل والولادة. وقد تكون مكتسبة أي يكتسبها الشخص بعد ولادته من الأمراض العقلية والعضوية التي قد تصيب الفرد أثناء حياته.
وهذه العوامل تتمثل في إمكانيات واتجاهات قد تتحول في مراحل لاحقة إلى صفات حقيقية وأسلوب معين للتصرف والسلوك إزاء إحداث العالم الخارجي كما أن هذه العوامل تنمو وتنضج خاضعة في ذلك لمؤشرات وظروف البيئة، وهي من ناحية أخرى تؤثر في تكوين الشخصية وتتجلى من خلال تصرفات الإنسان في العالم الخارجي.
وكون هذه العوامل تتصل بذات الحدث وتكوينه فان سبل علاجها ليست بالأمر اليسير ويقتضي نتيجة لذلك إتباع طرق خاصة في الوقاية والعلاج والتعليم.[5]
# الـــــوراثــــــــة
الوراثة هي انتقال خصائص معينة من الأصول إلى الفروع في اللحظة التي يتكون فيها الجنين، حيث يتم الإخصاب عن طريق اتحاد خلية منوية للذكر ببويضة الأنثى فينشأ من هذا الاتحاد ناتج يجمع بين خصائص الرجل صاحب تلك الخلية وخصائص الرجل صاحب تلك الخلية وخصائص المرأة صاحبة تلك البويضة، سواء كانت هذه الخصائص جسمية ام نفسية، وهي باختصار انتقال للصفات العضوية من السلف إلى الخلف، وبالتالي انتقال بعض الأمراض العضوية والعقلية عن طريق الوراثة إلى الأحداث والمساهمة في تكوين سلوكهم المنحرف، فالوراثة هي قوة أولية ومحدودة في نمو الفرد الأساسي، حيث انه من الواضح أن سلوك الإنسان لا يتغير فقط بالظروف ولكن بالخصائص الفيزيولوجية أيضا.وقد يرث الفرع من الأصل الصفة التي لدى هذا الأخير، كان يكون الأصل لصا فيصبح الفرع لصا، كذلك ق لا يرث الفرع ذات الصفات التي لدى الأصل بل يرث عنه صفات مشابهة أخرى، كان يكون الأصل مدمنا على الخمور والمخدرات فينشا الفرع لصا او سيئ السلوك والسيرة.[6]
# التكوين العقـــلــي والعــضوي
يقصد بالتكوين العضوي مجموع الصفات التي تتعلق بالحدث منذ ولادته بالنسبة لشكله الخارجي وتركيبه الحيوي والعضوي.. ومن مظاهره التي قد تؤثر على تصرفات الحدث وتدفعه إلى تصرفات شاذة أحيانا النقص في التكوين الجسدي والأمراض والعاهات الدائمة أو المؤقتة والنمو الغير الطبيعي. فاختلال أعضاء الجسم قد يجر معه اختلالا في السلوك، والعاهات التي تصيب الحدث قد تدفعه الى الإحساس بالنقص المتزايد ومن ثم إلى التحول السلبي والإتيان بتصرفات ينبذها المجتمع.
أما التكوين العقلي فيقصد به الأمراض المتنوعة والرضوض المختلفة التي قد تصيب دماغ الإنسان فتحدث اضطرابا في جهازه العقلي واختلالا في قواه الذهنية تدفعه أحيانا إلى الإتيان بتصرفات شاذة و أفعال إجرامية. فالنقص العقلي هو الخلل في القدرة العقلية والضعف العقلي هو نقص في درجة الذكاء وغالبا ما يكون موروثا ويؤدي إلى عدم القدرة على التكيف الاجتماعي. أما مظاهر النقص العقلي فقد ترجع إلى عوامل سابقة على الولادة أو أثناء الولادة أو إلى عوامل تالية للولادة، فقد يرث الحدث بعض الصفات كالضعف العقلي وانخفاض مستوى الذكاء بشكل غير طبيعي. وقد تكون الحالة العقلية ترجع إلى الرضوض الشديدة التي قد تحدث في الرأس خلال فترة الطفولة الأولى، كذلك يؤثر في التكوين العقلي سوء التغذية والتسمم والعوامل الانفعالية والولادة غير الطبيعية، فكل هذه العوامل يمكن أن تؤثر على التكوين العقلي عند الحدث وقد تدفعه إلى تصرفات غير متوافقة في المستقبل.[7]
# التكويــن النفســـــي للحـــــــــدث
لم تكن الدوافع لنفسية موضع اهتمام علماء الإجرام قبل هذا القرن ، فكان المجرم حدثا كان ام بالغا يعاقب دون النظر إلى الجوانب النفسية التي قد تكون إحدى العوامل الدافعة لارتكاب الجريمة. وفي سنة 1909 انشأ الباحث الأميركي هيلي(healy) أول مركز للملاحظة في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة، وقد تبع ذلك انتشار هذه المراكز في أوروبا والولايات الأميركية الأخرى لدراسة حالة الأحداث الصحية والنفسية والاجتماعية وكانت مهمة الطبيب النفسي في المركز إيجاد العلة لدى الأحداث وإعطاء العلاج الملائم. وكان لمدرسة التحليل النفي التي أسسها سيجمند فرويد الفضل الكبير في إظهار مدى أهمية سن الحداثة في بناء الخطوط والأسس التي ترتكز عليها شخصية الفرد في المستقبل، ورغم ظهور النظريات المختلفة التي تبين دور التحليل النفسي في كشف الشخصية المنحرفة وعوامل انحرافها، غير ان هذه النظريات والاتجاهات ما زالت بعيدة عن دائرة الحقائق العلمية الراسخة، ومازال أكثرها يقبل المناقشة والجدل.[8]
عـــــوامــــــل البيـــــئــــة
عوامل البيئة هي مجموعة الظروف والعوامل التي تحيط بالحدث في بيئة معينة وتؤثر في سلوكه وتصرفاته كعلاقاته بأسرته وأصدقائه وجيرانه، وهي لا تقتصر فقط على الظروف المادية الملموسة بل تشمل أيضا الجانب المعنوي للبيئة كالثقافة والتعليم والأفكار السائدة، ويبدو اثر البيئة أكثر فاعلية ووضوحا في السن المبكرة للفرد حيث يقل مدى تأثيره للبيئة واختياره لها والتي تعمل على المساهمة في تكوين الشخصية وفي غرس وتنمية الميول والاستعدادات لدى الفرد والتي يكون لها تأثير جسيم على مستقبل حياته وخاصة على تصرفاته الإجرامية.
فالبيئة تعمل على نقل الأفكار والمعاني المختلفة لظواهر الحياة والتي تؤثر في طريقة تفكير الفرد وفهمه لأمور الحياة والعلاقات بين الناس وتفسيره للظواهر المتعددة. كما ان هذه البيئة تنقل للفرد المبادئ والقيم والمثل التي يتبعها وتقوده في حياته وتحدد علاقته بالآخرين، والإنسان في نزاع مستمر مع القوى النابعة منه والمحيطة به يحاول ان يجد توازنه في تحديد المركز الذي يرضى عنه ضمن هذه القوى، وتحقيق الشخصية الإنسانية يتطلب تجاوبا ايجابيا بين الإنسان ومحيطه وذلك منذ حداثة سنه.
فالشخصية المرفوضة من محيطها الاجتماعي تنمو بشكل عدواني حاملة لعقد الظلم والتخلي والجفاف العاطفي والرفض والاضطهاد. وفي هذا المحيط بالذات تحاول بسلوكها التعويضي السلبي ان تؤكد انتقامها لظلمها واضطهادها من خلال العنف والانحراف.
فالجماعات المختلفة كجماعات اللعب والأسرة والعمل التي يتصل بها الفرد وينتمي إليها يكتسب من اختلاطه وتفاعله معها قيمه واتجاهاته الايجابية والسلبية حسب القيم السائدة فيها، فإذا سادت هذه الجماعات القيم السلوكية الخارجة على القانون وانعزل عن الجماعات التي تحبذ السلوك السوي تغلبت لدى الفرد الاتجاهات المحبذة للخروج على القانون واتجه إلى السلوك الإجرامي.
فالجرائم عند الصغار هي غالبا ما تكون نتاج البيئة السيئة التي يعيشون في ظلها والصغير المنحرف غالبا ما يكون ضحية الوسط الاجتماعي الفاسد الذي ينشا في ظله ، فالقدوة السيئة للأسرة وترك الصغار بدون توجيه، وبيئة العمل والمدرسة وأجهزة السينما والإعلام والدعايات المغرية والقصص البوليسية كلها أمور قد تؤدي إلى إفساد الأحداث ودفعهم إلى الانحراف.[9]
# البيئة الخاصة بالحدث
معظم حالات الانحراف ترجع إلى البيئة التي ينشا فيها الطفل، وتعتبر الأسرة هي الخلية الأولى المسؤولة عما يصيب الطفل من انحراف لأنه عن طريقها يتلقى القيم والعادات والنظرة إلى الحياة والمجتمع، فهي الصلة التي تربطه بالمجتمع الكبير فيما بعد. أما البيئة الثانية التي يتعرف عليها الحدث فهي المدرسة وتتميز بكونها غير منضبطة وغير محددة كالأسرة ولا يستطيع التهرب منها، وفي ظل هذه البيئة يتعرف الحدث على رفاق آخرين وهذا يتطلب مستوى معين من السلوك الذي يكون قد اكتسبه في أسرته ، وهو يحاول أن يتهرب من متطلبات المجتمع الخارجي إذا رأى أنها أصبحت عبئا عليه، وقد ينتقل الحدث إلى بيئة التدريب المهني التي يواجه فيها مجتمعا جديدا أيضا بعلاقاته واتصالاته، وقد تبرز بعض الصعوبات التي قد تؤدي به إلى السلوك المنحرف. فعدم تكيف الحدث داخل الأسرة سيقوده بالأرجح على عدم التكيف خارج الأسرة، والحياة اليومية في البيئة المدرسية أو بيئة العمل قد تولد لديه بعض المشاكل حيث تظهر فرص الاحتكاك بالآخرين.

# تأثير العوامل الاجتماعية العامة إلى إجرام الاحداث
من الملاحظ انه حيث توجد نسبة عالية من الإجرام فانه بالتالي توجد نسبة كبيرة من الأحداث المنحرفين،والسبب الرئيسي في ذلك هو تأثير الصغار بفساد الكبار، لان الحدث المنحرف كالمجرم البالغ يرجع إجرامه لعوامل شخصية واجتماعية واقتصادية مختلفة والعوامل الاجتماعية التي تدفع بالأحداث إلى الانحراف متنوعة ومتشعبة. وهي تظهر العيش أكثر إلحاحا وضراوة ، وحيث أن هنالك أناسا بلا مأوى وحيث تصبح العلاقات واهية إلى ابعد حد. وقد وجد الأستاذ كليفورد شو وغيره من دارسي انحراف الأحداث أن عددهم يتزايد وسط المدينة حيث يزداد عدد السكان ولا سيما في فترة النهار حيث تكثف حركة المرور، وتضمحل روح الجوار فيفقد السكان وخاصة الأطفال الشعور بالانتماء والمسؤولية ووحدة المصالح.
# أسباب تعدد العوامل الاجتماعية العامة
التطور السريع في هذا العصر شمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية وغيرها، وهذا التطور كان له تأثير على سلوك الإنسان حدثا كان أم بالغا، فسرعة الاتصالات بين أنحاء العالم المختلفة جعلت أي تطور أو تغيير يحصل في ناحية ما، ينتقل تأثيره إلى كافة أجزاء العالم القريبة والبعيدة. هذا الترابط الوثيق الذي خلقته أجهزة الاتصال كان له انعكاساته السلبية والايجابية أيضا على أعضاء الجماعة وأصبحت مشكلة إجرام الأحداث مشكلة اجتماعية تقع تبعتها على المجتمع ككل بحيث أصبح من الواجب النظر إليها من زواياها المختلفة وعواملها المتعددة كي نستطيع الإلمام بجوهرها وخطورتها.
فانتشار أماكن اللهو والخمور، والأفلام المثيرة، والصحافة غير الواعية وتجارة التهريب والدعارة السرية، والهجرة وقصور التشريعات الوضعية عن وضع حل لمشاكل الأحداث كل هذه الأمور انتشرت بشكل واسع نتيجة لتطور أساليب الاتصال وأثرت على ظاهرة الإجرام عندهم. ويؤكد كل من ولنسكي ولبوكس أهمية الدور الاجتماعي والمادي للمدنية ودور الصناعة الحديثة أيضا ومدى تأثيرها على انحراف الأحداث باعتبارها من الأسباب الرئيسية التي تدفع بهم إلى الإجرام.[11]
الشخصية المرضية والدوافع النفسية
في الوقت الذي يبذل فيه الكثيرون جهودهم في سبيل سعادة البشرية، يبذل الكثيرون في الطرف الآخر، الجهود نفسها ، بل لعلها أضخم حجما منها، من اجل شقاء الإنسانية وتحطيمها.
فان كل الظواهر السلوكية الخاطئة المتفشية في الواقع المتحضر، هي ثمرة تلك الجهود المبذولة لتحطيم الإنسان وسلب عقله وفكره ، وجعله دمية رخيصة يتلاعبون بها حيث شاءوا، للسيطرة على إنسانيته، بل ومحاولة إرجاعه طفلا رضيعا يرجع إلى أحضان أمه (الغرب) كلما شعر بالجوع والخوف!!
فالتخطيط المسبق لكسب الساحة بكاملها لصالح المستغل، جعل هذه الحقيقة واضحة للعيان أمام دور المستغل، وذلك في مواقفه الانهزامية أمام المنعطفات التي تواجهه، والتراجع عن مواجهة الأحداث، والدور الهامشي والضعيف، حتى فيما يتعلق بمستقبله وتقرير مصيره.
فالمجتمع الإسلامي اليوم بدأ يفقد هويته، وموقعه الطبيعي في معالجة المواقف، باتخاذ الحلول التخديرية لمعالجة مجمل الأوضاع الراهنة ضمن النظرة المتذبذبة بين آراء اليمين واليسار، جعله فريسة لمشاكل لا تنتهي، بل وفتح أمامه كما هائلا من المشاكل التي لم تكن في حسبانه ذات يوم.
فالغزو السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري للساحة الإسلامية، وآثار هذا الغزو الذي ارجع الأمة إلى الوراء عشرات السنين، جعل الشارع الإسلامي رافضا للوضع المتأزم، الذي بدأ يلمس آثاره عن طريق الظواهر السلوكية المناقضة للعادات والتقاليد الاجتماعية المتجذرة العمق في صلب تاريخه الأصيل، وانعكاساتها على واقع الفرد والمجتمع.
كل هذا جعل الشارع الإسلامي يطالب بإلحاح بالغ تطبيع المنهج الإسلامي، وإعادته إلى الحياة من جديد وإبراز هويته القادرة على تخليص الأمة من كل هذه الأخطار والويلات.
ولكن!
هل نرجع مجمل هذه الظواهر الإنحرافية وأسبابها الرئيسية إلى هذا الغزو الشامل للساحة الإسلامية؟
أم أن هذا الغزو كان بمثابة الرياح العاتية التي حولت الجو الصحو إلى جو عاصف؟ أي أن هناك أسبابا رئيسية للانحراف. و إنما كان دور الغزو الأجنبي المقصود للبلاد الإسلامية بمثابة المنشط والمحرك والدافع لإبرازها على سطح الواقع؟




إن الغزو لم يكن إلا عاملا مساعدا لعوامل رئيسية للانحراف، وقبل ان نتناول هذه الأسباب نعرف الجريمة أولا.
الجريمة: هي ظاهرة اجتماعية تصدر عن إنسان له جسم ونفس، وتختلف في التركيب والتكوين من شخص لآخر، وبالتالي فتأثيرها على تصرفاته، وتأثره بالعوامل الخارجية يختلف من إنسان لآخر، فلا يمكن القول بان الجريمة سبب بذاتها ، لازم لوقوعها، والثابت أن هناك عوامل مجتمعة سواء أكانت : وراثية متأصلة في تكوين الشخصية، أم عضوية مرضية، أم اجتماعية تدفع إلى السلوك الإجرامي.
والفارق بين الإجرام والانحراف ، هو أن كلا منها فعل مذموم ولكن الإجرام سلوك يعاقب صاحبه معاقبة جزائية، بينما الانحراف فلا يلقى صاحبه سوى اللوم والسخط باعتباره شذوذا عن القوانين العامة، والأخلاق الضابطة للاجتماع، ونمطا سلوكيا مغايرا لما عليه العرف، دون ان تصل به إلى العقاب الجزائي ما لم يتحول إلى جريمة.
# الجريمة واقعة اجتماعية
إن الشذوذ الفكري، والذي يعقبه عادة انحراف ظاهر على مستوى السلوك، لا تتعدى آثار كل منهما حدود الشخصية فقط، وإنما تخترق بذلك قوّة الجماعة وتتسبب في الاضطراب الاجتماعي، ولذلك شدد الإسلام على خطورة الجرائم والانحرافات أيضا، لما تسببه من انعدام للأمن، وإخلال بالنظام، وتعد صارخ على القانون الذي يجر آلامه وويلاته على المجتمع فيؤذيه إيذاءا بالغا.[12]
الأسرة وشـــــذوذ الشخصية
إن الحاجة البيولوجية للشخصية تستدعي وجود حالة من الالتحام والانسجام بين الشخصية وبين بيئة الأسرة، كما لا بد من وجود حالة التكامل العاطفي والارتباط الوجداني معها أيضا.
أما في حالة انعدام التكامل العاطفي، وحرمان الشخصية من الدفء والرعاية والحب، فذلك كفيل لبناء جدار منيع يحجب عنها الراحة النفسية، وقد يكون مدعاة لانحراف الشخصية وهروبها من بيئة الأسرة إلى خارجها، رغبة في إشباع حاجاتها الغريزية في بيئة أخرى.
ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نطمس الدور الكبير الذي تلعبه الأسرة على مسرح الحياة الاجتماعية، وبخاصة فيما يتعلق بالانحرافات الأخلاقية، ذلك لان الأسرة أحد الأسباب الرئيسية المؤدية للانحراف.
فالأسرة مسئولة إلى حد كبير عن ارتفاع مستوى الاضطرابات السلوكية بين أفرادها والميل الى الانحراف، وقد ينشا 1لك عن عدم استقامة العائلة في الخطوط الأساسية للتربية التي تنتهجها. فقد تبالغ في تعاملها بأسلوب العطف والرعاية والحماية، وقد تستخدم الأسلوب الآخر المناقض تماما.
فالإفراط والتفريط في تربية الأبناء، تؤدي إلى مالا تحمد عقباه من نتائج مضادة لمطالب الأبوين والمربّين، ورغبتهما في إصلاح الأبناء وسلامتهم. فالتدليل فوق الحد الطبيعي، والتحقير للسلوك والتصرفات ، أمام الأقران والضيوف بالذات، أو جعل الأبناء يختلطون بأفراد مشبوهين، او عزلهم وإبعادهم لفترات طويلة عن الاجتماع المألوف لديهم لسنوات، يجعلهم عرضة للانحراف بالخمول والكسل أو بامتثال السلوك الخاطئ والنشاط المحرم.
قد يعبّر هذا الأسلوب الذي تنتهجه العائلة عن لون من ألوان الانحراف، وهناك لون آخر يتمثل في التضارب الفكري بين الوالدين، ومشاجراتهما المستمرة بشان حاضر ابنهما ومستقبله.
وقد يزداد الأمر سوءا إذ يتطور التضاد والتضارب في كل ما يتعلق في كليات شؤونه وجزئياتها، فيؤدي هذا التناقض والازدواجية إلى انفصام في شخصيته، وقد يصبح فيما بعد مريضا بالعقد النفسية التي تفقده الثقة بنفسه، وتفقده الأصدقاء والأقران من حوله، وذلك بسبب أفكاره المريضة ، ونزعاته العدوانية البارزة على سلوكه وتصرفاته.[13]
المجتـــمع وشــــذوذ الشخصيـــــــة
إن المطلب الأساسي لنمو الشخصية نموا طبيعيا هو العلاقة الطبية والسليمة التي تربطها مع بقية أفراد المجتمع، ويتحدد مضمون هذا المطلب في الحديث القائل:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
فلفظ الأخ هنا مطلق غير مقيد، والمقصود به أما الأخ في الدين ، أو النظير في الخلق، كما قال الإمام علي عليه السلام. فنظرة الإنسان إلى الآخرين هي ما ينظره الإنسان لنفسه على وجه الخصوص، وقرن الحديث حب الإنسان لنفسه بحبه لإخوانه المؤمنين، إذ لا يوجد شيء اعز على المرء لنفسه، وجب أن يتمناه لإخوانه في المجتمع سواء بسواء.
ويتدرج النمو الاجتماعي لدى الشخصية ، بنمو الثقة بالذات والشعور الواضح بكيان الشخصية وإمكاناتها وقدراتها، لتتحمل مسؤولياتها الاجتماعية وتتقبلها، ليمتد اهتمامها إلى خارج ذاتها، من خلال الوعي الكافي بالأوضاع والاتجاهات والقيم والتقاليد التي تسود بيئة المجتمع.
كما أن الشخصية السوية تنسج نظرة إيجابية سليمة عن بيئة المجتمع. وتكون نظرتها إلى المجتمع نظرة تقبل وانسجام والتحام، امتدادا لنظرتها الإيجابية حول نفسها أسرتها. ويتأثر سلوك الشخصية الاجتماعي بالاتجاهات الفكرية التي تؤمن بها وتعشقها، والاتجاهات السائدة في محيط الأسرة، فالأجواء الديمقراطية والانبساطية في الأسرة تساعد على نمو الثقة بالذات، واكتساب الأصدقاء، وامتثال السلوك الاجتماعي السويّ، أما الأجواء المحكومة بالتسلط والسيطرة فإنها لا تخرج إلا الانطوائيين أو المعقدين السذّج.[14]
المصادر والمراجع
- الانحرافات السلوكية الأسباب والعلاج، للمؤلفة صباح عبّــاس ، الطبعة الاولى
- الأحداث المنحرفون دراسة ومقارنة ، للدكتور علي محمد جعفر
- جناح الأحداث، تأليف: جان شزال


م/ن