بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..



تعريف علم البيلوغرافيا وتصنيفه
يقصد بكلمة البيلوغرافيا : علم الفهرسة وإعداد القوائم والمراجع ثم توسع هذا الاصطلاح في الاستخدام فصار اسماً لسائر العلوم المتعلقة بالتوثيق وتنظيم المكتبات وبرمجة المعراف وفهرسة الكتب وإعدادها .

وعلى العموم فإنه ليس لهذه الكلمة مرادف لفظي معتبر في العربية ، وإنما كانوا يدرسون هذا العلم في فنون مختلفة عرفها حاجي خليفة في كشف الظنون "1" :

علم الكتابة – علم الشروط والسجلات
علم الوراقة – علم أدوات الخط – علم تحسين الحروف
علم النسخ – علم الخط – علم ترتيب حروف التهجي
علم التصحيف – علم قوانين الكتابة
علم رسم المصحف – علم الدواوين .

ولا شك أن تعدد البحوث البيلوغرافية والإشتغال بها يدل على غنى هذا العلم وكثرة المتخصصين فيه في الثقافة الإسلامية .

المبحث الثاني
أثر القرآن الكريم في تطوير المعارف البيلوغرافية .

أول كتاب بلغة الضاد عرفته الثقافة العربية هو القرآن الكريم وغالب النشاط الثقافي من بعده إنما جاء لخدمته وبيان مقاصده .

وقد اتخذ طابع العنياة بالقرآن الكريم منذ نزوله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم مظهرا ً من المظاهر الواضحة لعناية الإسلام بالتوثيق والتدوين ، حيث رصد لهذه المهمه الجليلة جماعة من خيرة الصحابة الكرام ، كانوا يتلقون هذا التنزيل فور تلاوة النبي صلى الله عليه والة وسلم ، ويدونونه في الصحائف ، وقد أنعم النبي صلى الله عليه واله وسلم بلقب كتاب الوحي ، وهي رتبة شرف عظيمة كان الصحابة يتسابقون إليها تحصيلا ً ورواية .

وممن كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

أبو بكر الصديق – عمر ابن بن الخطاب
عثمان بن عفان – علي بن ابي طالب
الزبير بن العوام – ابي بن كعب
زيد بن ثابت – معاوية بن ابي سفيان
محمد بن مسلمة – الأرقم بن ابي الارقم
أبان بن سعيد نب العاص – خالد بن سعيد بن العاص
ثابت بن قيس – حنظلة بن الربيع
خالد بن الوليد – عبدالله بن الأرقم
عبدالله بن زيد – العلاء بن عتبة
المغيرة بن شعبة – شرحبيل بن حسنة وآخرون .
وقد رأى المسلمون في التوجيه القرآني مايأمرهم بضبط المعارف والعناية بها واستفراغ الوسع في جمع المعارف في ابواب واضحة وصونها من التحريف والتبديل .
ومن ذلك قوله تعالى : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "52" ) { الاعراف : 52}

فأخبر سبحانة أن التنزيل العزيز مفصل على علم ، وهي دعوة بإشارة النص إلى وجوب تحرير معارف الكتاب العزيز على علم ، ليهتدي بها المؤمنون ويقف سائر الباحثين على مقاصد التنزيل

وكذلك قولة تعالى :
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) { ص : 29}
فقد فهم المفسرون من ذلك أن هذا الكتاب إنما أنزل للتدبر ، وأن أي سعي يقوم به المسلمون لفهرسة مقاصد هذا الكتاب ، وبسطها أمام الأجيال إنما يندرج حقيقة في إطار هذا التدبر المبرور .

وكذلك فقد نعى القرآن الكريم على أهل الكتاب تفريطهم في العناية بما عندهم من علم حتى صارت معارفهم مرتعا ً لبغاة السوء ، ووصفهم بأقسى عبارة بقولة :
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) { الجمعة : 5 }

والآية واضحة جلية في أن الله يبغض أولئك الذين لا حظ لهم من العلم غير حمل الكتب ، ولا يقومون بأداء حق هذه العلوم من العمل بما فيها ، وتيسير سبل نشرها بين الناس ، وإتاعة معارفها لهم .

وذكر جرائمهم في تحريف الكتاب وتبديله وتغييره ، وذلك كله أثر من ضياع هذا الوجه من ضبط الكتاب وتوثيقة وتدوينة فقال :
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ) { المائدة : 13 }

وورد ذكر الكتاب في القرآن الكريم 257 مرة في وقت ماكانت العرب تعرف فيه أي كتاب عربي ، اللهم إلا مايتسرب إليهم من صحف مترجمة في الحكمة والديانة .

ويمثل تاريخ تويثق القرآن الكريم وتدوينه في الصحائف مرحلة مبكرة من علم التوثيق في الإسلام ، وإن مطالعة الروايات التي تتحدث عن جمع القرآن يرسم صورة عن الوعي التوثيقي واحترام الكلمة لدى المسلمين ، حتى قال زيد بن ثابت لما عهد إليه بجمع القرآن الكريم : ( فوالله لو كلفوني نقل جبل من مكانة لكان أهون علي ) "1".

وبعد الفراغ من توثيق نص القرآن الكريم واستنساخة في الصحائف انصرفت المهمة إلى كتابة السنة المشرفة تدوينا ً وتوثيقا ً وترتيبا ً ، وخلال القرون الثلاثة فإن علم توثيق الحديث كان أكثر العلوم ذيوعا ً وانتشارا ً ومناهج ومصنفات ، وقد وضع القوم من الضوابط والقواعد الناظمة لجمع التراث النبوي وتوثيقه وتحريره ، مالا يوجد له مثيل سابق في كل عمليات التوثيق التي عرفتها الامم الاولى . وليس يتسع البحث لتفصيل القول في اسس التوثيق وقواعد الفهرسة والتدوين ، ولك ن نكتفي من بيان ذلك كله بإيراد بحث صغير من مباحث التوثيق أورده السيوطي في الفيته في علوم الحديث :

وإن يك الضرب على مكرر = فالثاني اضرب في ابتداء الاسطر
وفي الاخير أولا ً أو وزعا = والوصف والمضاف صل .. لا تقطعه
وحيث لا . ووقعت في الأثنا = قولان : ثان ٍ أو قليل حسنا

فهذه مسألة أفردها علماء الإصطلاح بالبحث وهي بيان مايجب شطبة من الكلم الكرر حيث يغلط الناسخ في تكرير اللفظة الواحدة فيكون تقسم بحث السيوطي على الشكل التالي :

علم الحديث
قسم الرواية
باب الإملاء
فصل الغلط
مبحث شطب المكرر
فهذه مسألة من الدرجة الخامسة من علم الحديث وقد أفردت بالبحث وتناولتها السنة العلماء وأقلامهم حتى تعدد فيها الأقوال والإجتهادات كما رأيت !..

فلو كان من كل باب من هذه الابواب عشر مسائل لكان علماء الاصطلاح قد كتبوا نحوا من مائة الف مسألة في اصول حفظ وتدوين العلم الذي كان في ذلك الوقت منصبا ً على السنة النبوية بشكل اساسي .

ولا بد من الاشارة الى ان هذه القواعد لم تكن محل اتفاق بين سائر العلماء المشتغلين بالتدوين والتوثيق ، بل كان كل واحد يقرر في كتابه ما أداه إليه اجتهاده ، وكان مدى ا عتبار ذلك عند الناس هو منزلة العلم ومستواه العلمي والفكري .

المبحث الثالث

النشاط البيلوغرافي عند المسلمين

أما المكتبات فيقد كانت الحواضر الإسلامية جميعا ً تشتمل على مكتبات عامة ويقوم عليها أكفأ رجال العلم ، وكانت هذه المكتبات تؤدي أغراضا ً علمية واجتماعية كثيرة ففيها خزائن الكتب وفيها قاعات المحاضرات والمناظرات ، ومن حولها حوانيت الوراقين ، وفيها تكايا النساخ ، وعرف المترجمين وأبرز مثال على ذلك دار الحكمة في بغداد ، فقد بدئ بإنشاء هذه الدار في بغداد في عهد الخليفة هارون الرشيد واكتملت في عهد الخليفة المأمون وكانت بالغة الأهمية بالنسبة للمأمون حتى أوشك أن يكون معتكفا ً فيها من كثرة ماكان يتردد عليها .
وأعظم خدمة قدمتها هذه الدار العامرة إلى الثقافة العربية والإسلامية هي ترجمة المعارف اليونانية والفارسية والسريانية والقبطية والسنسكريتية .

ومن أشهر المكتبات العلمية في التاريخ الإسلامي :
1- خزانة سيف الدولة في حلب أنشأها عام 356هـ وجمع فيها أمهات المصادر العربية .
2- خزانة المنصور في بغداد ( 136-158هـ ) وهو ثاني الخلفاء العباسيين ، وقد أنشأها قبل تأسيس دار الحكمة على يد الرشيد والمأمون ، وكان يحتفظ فيها بالنسخ الأصلية للكتب بلغتها ثم يترجم منها إلى العربية .
3- الخزانة الحيدرية في النجف في العراق ، وقد تجمعت في هذه الخزانة كتب الشيعة الأصول وأكثرها بخط مصنفيها ، ولا تزال إلى يومنا هذا على الرغم مما اصابها خلال تعاقب الحوادث والأيام .
4- خزانة المدرسة النظامية ببغداد ، والمدرسة النظامية أشهر مدارس الحديث في القرن الخامس والقرون التالية وسائر أساتذتها أعلام مشهورون ، ومنها الإمام أبو حامد الغزالي .

وقد أسس هذه المدرسة الوزير السلجوقي نظام الملك عام 456هـ .

5- دار العلم وقد أسسها الفاطميون في عهد الحاكم بأمر الله وبلغ عدد مجلدتها ستمائة ألف مجلد ، وكان الخليفة يشرف عليها مباشرة ، وتدور مباحثها في الكونيات والشرعيات .

وكانت تحتوي كذلك على نسخ نادرة من المخطوط بالذهب والمكتوب بخط مشاهير الخطاطين أمثال ابن الغراب وابن مقلة .

وقد قام صلاح الدين بتأسيس المدرسة الفاضلية عام 580هـ ونقل إليها من مكتب العلم مائة ألف مجلد .

6- وفي الاندلس فإن اشهر المكتبات خزانة قصر الزهراء في قرطبة ، وقد أسسها المستنصر بالله فأنفق فيها أموالأ ً طائلة حتى اجتمع له ما يقرب من أربعمائة ألف مجلد .

وبعد .. فهذه أسماء ستة من مكتبات الحضارة الإسلامية التي أسسها المسلمون في حواضرهم ومنها تتبين ضخامة هذه المكتبات وتوزع أنشطتها الثقافية وذلك كله ليس على سبيل الحصر فذلك مالا سبيل إليه ، ونحيل القارئ إلى كتاب تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين الذي اجتهد في حصر أسماء المكتبات ومحتوياتها ، كما أورد عمر رضا كحالة تعريفا ً لأكثر من أربعمائة وخمسين خزانة كتب ضخمة في مراكز الحضارة الإسلامية .

ولعل من مفاخر المسملين في هذا الباب أن كثيرا ً من خزائن الكتب في الأديرة والمعابد والكنائس لا تزال إلى اليوم عامرة بكتبهم ، تزداد وتثري وهي محفوظة أمينة لم يصبها سوء على رغم ما تقلب على البلاد من حوادث وكوارث .

وهذا مايكشف لك عن أمرين اثنين :

1- مدى حرص المسلمين على العلم واحترامهم له أيا كان مضمونه ووجهة مقاصده .
2- مدى التسامح الديني الذي كان يعيش فيه أهل الذمة في الحواضر الإسلامية ، حيث تشتمل كتب كثيره منها على عقائد التثليث والأقانيم وقدم العالم ، وذلك كله مخالف للشريعة ، ومع ذلك لم يمسسه المسلمون بسوء .
وتجدر الإشارة بعدئذ على أن هذا الماضي المكتبي والببلوغرافي الرائع الذي نتغنى به لم يعد اليوم كما كان بالأمس ، فقد سرقت أكثر المخطوطات الإسلامية ، وأودعت في المكتبات الأوربية ، وبمقارنة بسيطة يمكنك أن تفهم الفارق الجوهري بين الفتح الإسلامي والاستعمار الأوربي ، ففي حين كان الأول فتحا ًُ تحريريا ً حافظ على حياة الناس وأموالهم وتراثهم وأمجادهم وأفسح لهم المجال ليتعلموا ويعلموا ويحفظوا نفائسهم ويثروا مكتباتهم ، كان الثاني استعمارا ًُ استغلاليا ً مارس تجهيل الشعوب وإفقارها ، وسرق تراثها ليضيفه الى أمجاده زورا ً وبهتانا ً .

إن غنى الحواضر الاسلامية أو فقرها بالكتاب والتراث يرتبط بشكل ظاهر بالمدة التي جثم فيها الاستمعار الاوربي على مقدرات هذه الشعوب وخيراتها . ففي حين لا تزال مكتبات دمشق والقاهرة مثلا تحتوي علىمجموعة جيدة من كتب التراث ، حيث لم يطل فيها مقام الاستعمار ، فإن الجزائر التي استعمرتها فرنسا مائة وثلاثين عاما ً تعد من افقر الحواضر الاسلامية عموما ً بكتب التراث ، رغم انها كانت في التاريخ مركزا ً حضاريا ً قويا ً لنشاط الأدارسة والأغالبة والفاطميون والمرابطين والموحدين .

إن القسم الاكبر من الكتب الاسلامية موجود اليوم في مكتبات اوربا وتقوم هذه المكتبات دوما بإعداد فهارس للكتب العربية الموجوده لديها .

ويعجب المرء حين يطالع ما أثبته حاجي خليفة في كتابة ( كشف الظنون ) حيث أورد تعريفا ً لنحو عشرين ألف كتاب عربي طالعها بنفسه ، ونقل منها نصوصا ً مختلفة ، وفي ذيول كشف الظنون مايزيد على ذلك ايضا ً ، وكلها تدور في علوم برع فيها المسلمون ، وقد ألف كتابة هذا قبيل الإستعمار الأوربي ، وذلك في القرن الحادي عشر ثم يتساءل المرء اليوم أين توجد هذه الالوف المؤلفة من النفائس التي أشار إليها صاحب كشف الظنون ؟!..

إن كل مافي المكتبات التراثية العربية والإسلامية لا يغطي نصف ماأورده صاحب كشف الظنون في كتابة هذا ، أما مايزيد على النصف فقد ضاع خلال القرنين المايين وبقدرة قادر صار جزءا ً من التراث الأوربي والأمجاد الإستشراقية !!...

وأشهر المكتبات التي تحوي نفائس عربية :
1- مكتبة الأسكوريال في مدريد بإسبانيا .
2- المكتبة الفاتيكانية في الفاتيكان بإيطاليا .
3- مكتبة برلين في المانيا.
4- مكتبة كمبردج في بريطانيا .
5- مكتبة شستربتي في بريطانيا .
6- مكتبة ليدن في هولندا .

وقد قام كارل بروكلمان ومن بعده فؤاد سزكين بمحاولات لإحصاء المخطوطات العربية في المكتبات العالمية .

ونشر الأول عمله في كتاب : ( تاريخ الأدب العربي ) وهو في ستة مجلدات .
ونشر الثاني عملة في كتاب : ( تاريخ التراث العربي ) وهو في مجلدين كبيرين .



م/ن