بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


مقدمة:
للتأصيل معاني عديدة ، وأبعاد مختلفة تختلف باختلاف رؤى الناس واهتماماتهم ومعتقداتهم ، ويعني التأصيل وفق منظورنا الإسلامي إعادة صياغة مناهج حياتنا بحيث تراعى وتعبر عن القيم والمعتقدات الإسلامية . وتعتبر العلوم الطبيعية من أحد أهم الموضوعات التي نحتاج لتأصيلها بحسبان أن السمة المميزة لهذا العصر هي التقنية التي ترتكز على العلوم الطبيعية ، ويشمل ذلك علم الطبيعة (الفيزياء) والكيمياء والأحياء والرياضيات . وسوف نحاول في البحث تناول أحد جوانب التأصيل والتي تختص بإعادة صياغة منهجية هذه العلوم الطبيعية بحيث تنبثق من مشكاة الوحي وتهتدي بهديه . وهذا يستدعي أن نتدبر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والسيرة النبوية لنستنبط منها بعض المؤشرات التي قد تعين مستقبلاً بإذن الله لصياغة منهجية إسلامية علمية متكاملة بديلة للمنهجية الغربية التي سنحاول استعراض سماتها قبل أن نشرع في تلمس طريقنا للمنهجية الإسلامية البديلة .

المنهجية العلمية الغربية :
لقد شهد القرن العشرين منذ بدايته وحتى نهايته ثورة تقنية وعلمية ضخمة بكل المقاييس ، حيث شهد تطوراً كبيراً في وسائل النقل والاتصالات والالكترونيات والذرة فانتشرت السيارات بنماذج مختلفة وانتشرت أجهزة التلفاز والمذياع والهاتف والأجهزة اللاسلكية والأقمار الصناعية ، وتم اختراع أجهزة الحاسوب الرقمي وأجهزة التحكم والاستشعار عن بعد . وتم توليد الكهرباء من المفاعلات النووية الانشطارية ومن الشمس .
وفي المجالات الحيوية تم اكتشاف العقاقير الكيميائية المختلفة لعلاج مختلف الأمراض . وتم اكتشاف وسائل جديدة لتشخيص الأمراض ، فظهرت الأشعة السينية وأجهزة الموجات فوق السمعية ، وأجهزة الرنين المغنطيسي ، وتم التعرف على تركيب الخلية الحية وأسرار الصبغيات والشفرات الوراثية الموجودة بها ، وظهر علم جديد يرعى هذه الجوانب وهو يسمى بعلم الهندسة الوراثية .
أما في المجال الزراعي فقد تم ابتكار أسمدة كيميائية لزيادة الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة ، وتم تصنيع مبيدات كيميائية للقضاء على الآفات الزراعية . كما تم إنتاج علف صناعي تضاف إليه الهورمونات لزيادة إنتاج الحيوانات من اللحوم والألبان والبيض .
تعتمد المنهجية الغربية في مذهبها الذي يعرف بالمذهب الوضعي المنطقي على عنصرين للمعرفة وهما :
الكون المحسوس الذي نرغب في معرفة النواميس التي تحكم سلوك ظواهره، والعقل البشري الذي يمتلك الأدوات التي تمكن الإنسان من تحليل هذه الظواهر وصياغة القوانين المتعلقة بها . وهذا يعني أن الدين والغيب والوحي ليس لهما دور البتة كمصادر للمعرفة في المنهج الغربي .
وتنقسم الحقائق العلمية في المنهج الغربي إلى قضايا تحليلية يعتمد صدقها على أحكام العقل الأولي كقولنا الجزء أقل من الكل . أو قضايا تجريبية يعتمد صدقها على مطابقة الواقع الخارجي والاختبار التجريبي كقولنا : أن الحديد يتمدد بالحرارة .
ولمعرفة القوانين التي تحكم سلوك المادة اعتمد الغربيون أولاً على المنهج التجريبي الذي يتعرّف قوانين ظاهرة معينة بإجراء سلسلة من التجارب . على هذه الظاهرة ، ثم يتم استخلاص القانون أو القوانين المتعلقة بهذه الظاهرة بتحليل نتائج تلك التجارب . وعندما ولج العلم عالم الذرة الذي لا تدركه حواسنا مباشرة اضطر العلماء لاعتماد المنهج الاستنباطي الذي يقوم فيه العلماء بوضع نظرية معينة لتفسير ظاهرة أو عدد من الظواهر حيث توضع مجموعة من الفرضيات ثم يتم وضع إطار رياضي على ضوء هذه الفروض وعلى ضوء ذلك تتنبأ النظرية بنتائج معينة يتم اختيار صحتها على ضوء التجربة .
وتنحصر وظيفة العلم في توظيف العلم لمنفعة الإنسان ورفاهيته .

فشل المنهجية التقنية الغربية :
وما أن بدأت شمس الربع الثالث من القرن العشرين في الافول حتى أفاق الغرب من نشوة التفوق العلمي . فإذا به يتبين أن سياراته ومصانعه تبعث آلاف الأطنان من السموم التي تصيب الإنسان بأوجاع وآلام مستعصية مثل أمراض السرطان والكلى ، وإذا بمفاعلاته النووية الانشطارية تنشر أشعة الرعب والموت والدمار .
أما العقاقير الكيميائية التي ظنوا أنها هي البلسم الشافي والدواء ، فقد تبيّن لهم أنها هي نفسها داء ، إن قوم جانباً من الجسد هدم جوانب أخرى منه ، فاصبحت مضاعفات العقاقير الكيميائية في بعض الأحيان من حيث يدري الإنسان أو لا يدري - أخطر من المرض نفسه ، حيث تبين للعلماء بعد فوات الأوان وبعد سقوط آلاف ضحايا الآثار الجانبية لكثير من العقاقير الكيميائية . أما المبيدات والأسمدة الكيميائية فقد ظهر أنها هي أيضاً تحوي سموماً مدمرة تنتقل من النبات ثم للحيوان والإنسان . وفيما يختص بالأعلاف الصناعية فيكفي أنها متهمة بالتسبب في مرض جنون البقر ، هذا فضلاً عما تسببه هذه الهرمونات من فوضى في الأنظمة الحيوية للجسم وفي صفات الأنوثة والذكورة .
ويرجع فشل المنهجية الغربية لإغفالها لعنصر الوحي كمصدر من مصادر المعرفة ولكونها تعتبر أن الكون خلق بالصدفة وبصورة عشوائية ، لذا فهي تعتبر أن مفاعلات الطاقة الاندماجية الموجودة في الشمس والتي تمدنا بطاقة الكون كله مخلوقة عشوائياً لذا فإن الإنسان بعقله المدبر يستطيع أن يصنع ما هو أفضل .
وهي تعتقد أن الأعشاب وهي التي تمثل الدواء الرباني الطبيعي هي مخلوقات وجدت بالصدفة . وعقل الإنسان المدبر كفيل بإيجاد الأحسن ، كما أنها تظن أن الأسمدة الطبيعية والمبيدات الطبيعية والحيوية كلها مخلوقات جزافية . وهي تعتقد أنها يمكن أن تصنع خيوطاً صناعية تصنع منها الملابس أفضل من خيوط القطن المستخلصة من المصنع الرباني المسمى بالنبات . وينطبق نفس الفهم الغربي على الأعلاف والغذاء الطبيعي للحيوان ، حيث قام العلماء باستبدال الأعلاف الطبيعية بأعلاف من صنع البشر .
كما يرجع فشل المنهجية الغربية كذلك لقيام أركانها على النظرة النفعية والمادية الصرفة والتي تهدف لتقليل تكاليف التقنيات دون النظر لعواقبها على الإنسان ، فقد هرعوا لمفاعلات الانشطار ، لأنهم وجدوها من أرخص مصادر توليد الطاقة ، ولجأوا للعقاقير الكيميائية لإيجاد بدائل أرخص للأعشاب ، واستخدموا المبيدات والأسمدة الكيميائية لزيادة الإنتاج الزراعي ، واستبدلوا الأعلاف الطبيعية بالصناعية لكونها تزيد إنتاج اللحوم والألبان ، ولكن حتى هذه النظرة المادية المنفعية الصرفة العاجلة أصبحت تفرز أضراراً تحتاج لعلاجها من الجهد والمال أضعاف أضعاف ما ظنوا أنهم سيوفرونه عند استبدال التقنيات الطبيعية بتقنياتهم البائسة الخاسرة .
وقد أدرك الغرب بعد أن شاهد بأم عينيه الخراب والدمار والأضرار البليغة التي أحدثتها تقنياته بالبيئة والإنسان - خطأ منهجيته المبنية على تفوق العقل الإنساني وعشوائية الطبيعة ، والنظرة النفعية المادية الصرفة ، فظهرت على الفور المدرسة الطبيعية ، ومن يسمون أنفسهم بأنصار البيئة . فأيقنوا أن الطاقة الاندماجية التي توجد في أكبر مفاعل اندماجي طبيعي وهو الشمس ، هو من أفضل أنواع الطاقات وأقلها ضرراً للبيئة والإنسان ، وتأكدوا أن طريقة النبات في الاستفادة من الطاقة الشمسية ستمد الطبيعة بالأكسجين المفيد للإنسان وتنظف البيئة من غازات ثاني أكسيد الكربون الضارة . وتبينوا أن الأسمدة الطبيعية والأعلاف الطبيعية لا تحدث أمراضاً للإنسان والحيوان . كما ثبت لهم بالتجربة العملية أن تناول الإنسان للغذاء الطبيعي بدون حذف أو إضافة من الإنسان يقيه من كثير من الأمراض المستعصية ، فقد أظهرت البحوث الطبية أن نزع نخالة القمح من الخبز الذي نتناوله يتسبب في إصابته بكثير من أمراض الجهاز الهضمي والقلب . كما أن إضافة المواد الحافظة ومكسبات النكهة تعرض الإنسان للإصابة بأمراض السرطان وأمراض الحساسية المختلفة .

المنهجية العلمية الإسلامية :
لقد سردنا باسهاب إخفاق المنهجية العلمية الغربية في التعامل مع الطبيعة والإنسان وتأكده بالتجربة أن عدم تغيير سنن الله في خلقه هي وحدها مفتاح النجاح في التعامل مع البيئة وتوظيفها لخدمة الإنسان . ولكن ما ينقص هذه المنهجية هو اعتمادها على التجربة وحدها مع إغفال تام لعنصر الوحي الرباني الذي هو راس الأمر وذروة سنامه ، لذا فإن مآل هذه المنهجية هي أن تتخبط على غير هدى إلى يوم القيامة ، وأن تقدم الآلاف بل ملايين الضحايا وقوداً لتجاربها حتى تنضج .
من هذا المنطلق نجد أن واجبنا الأول كمسلمين - أن نطرح مرتكزات المنهجية العلمية الإسلامية المستمد من الوحي الرباني الموجود في رسالة الإسلام وهديه خاصة بعد أن بينت تجارب العالم الغربي نفسها بعض سمات هذا المنهج .
فإذا أمعنا النظر في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، نجد أنها قد أوردت الكثير من الحقائق المتعلقة بخلق هذا الكون وتركيبه وطريقة التعامل مع مخلوقاته المختلفة .
وتتمثل هذه المرتكزات في أن هذا الكون خلق بإحكام وبتدبير حكيم سليم ؛ لذا فإن تعاملنا مع هذا الكون يتطلب ألا نغير سنن الله في خلقه بل أن نجتهد في محاكاة الطبيعة ومحاولة الاستفادة من إبداع الخالق عند ابتكارنا لتقنيات جديدة .
أما الركن الثاني من هذه المرتكزات فهو يتمثل في الاستفادة مما ورد في القرآن الكريم من موجهات في علوم الطبيعة (الفيزياء) والكيمياء والأحياء والهندسة والطب ، وفي مجال العلوم الإنسانية ويشمل ذلك علوم الاقتصاد ، والإدارة ، والنفس ، والتربية ، وغيرها من فروع العلم والمعرفة المختلفة .

مجاراة سنن الله في خلقه وتقليدها :
بين الله في محكم تنزيله أنه خلق كل شيء في هذا الكون بإحكام ، وأورد ذلك في عدة مواضع ؛ فقد ورد قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر[القمر:49].
وقد ورد في تفسير المؤمنين (1-424) لقد خلق الله كل شيء وفق تقدير حكيم ودقيق ، ما من شيء يريد تحقيقه إلا تحقق مثل لمح البصر . وقد أورد ابن كثير في تفسير (2-266) قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر كقوله  وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان : 2] ، وكقوله تعالى :  سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى  [الأعلى: 1-3] .
كما ورد  الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا  [الفرقان : 2] ، فقد ورد في تفسير ابن كثير (2-308) في تفسير هذه الآية : " أن الله نزّه نفسه عن الولد والشريك ثم أخبر أنه خلق كل شيء فقدره تقديراً أي كل شيء مما سواه مخلوق مربوب وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه وكل شيء تحت قهره وتسخيره " أما تفسير المؤمنين فقد أورد في تفسير المؤمنين (1-287)  فقدره تقديراً  : قدر حجمه وشكله ووظيفته وزمانه ومكانه وتناسقه مع غيره من الموجودات .
كما ورد  الذي خلق فسوى [الأعلى : 2] ، وورد في تفسير المؤمنين (1-473) في قوله تعالى:  فسوى  أحسن خلقة متناسقة. أما ابن كثير فقد اورد في تفسير هذه الآية أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئآت (2-50).
فإذا تدبرنا هذه الآيات نجد أن المولى سبحانه وتعالى أشار بجلاء ووضوح إلى أنه خلق كل شيء في الكون بتقدير دقيق وإحكام وتناسق تام ، فلا ينبغي لبشر أن يغير خلق الله بالحذف أو الإضافة وقد حذر الله البشر من ذلك في سورة النساء في قوله تعالى :  ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً  [النساء:119] . وقد أورد ابن كثير تفسير ابن عباس (7) لقوله تعالى :  فليغيرن خلق الله  فقد فسره ابن عباس يعني بذلك هي الدواب وقال الحسن البصري يعني بذلك الوشم ، وكذلك ورد عن ابن مسعود أنه قال: " لعن الله الواشمات والمتوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل " وكذلك ورد : " لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم " وقد تبين للغرب الآن بجلاء ووضوح مدى الضرر البليغ الذي يحدث للإنسان عندما يحاول تغيير خلق الله بالحذف أو الإضافة ، فقد تسبب نزع النخالة من دقيق القمح عند صنع الخبز نتيجة لاعتبار الإنسان هذه النخالة زيادة لا ضرورة لها في إصابة الإنسان بكثير من أمراض الجهاز الهضمي ؛ لقدرة الألياف على تقليل كثافة الطعام ومروره في الأمعاء بسهوله ولفعاليته في تنشيط الأمعاء وانعاشها وتسبب كذلك في إصابة الإنسان بالتوتر لاحتواء النخالة على مادة مهدئة للأعصاب ، كما أدى كذلك إلى إصابة الإنسان بأمراض القلب الناتجة من تليفه ، لأن لبعض مواد النخالة مقدرة في تمديد الشعيرات الدموية في الأنسجة المتليفة لتمدها بالغذاء والطاقة والأكسجين فتحييها من جديد ، وهناك عبارة قالها الطبيب العالمي (الفرد مكان) في كتابه علم التغذية عن النخالة ، حيث قال : " لو أننا وضعنا في كفة ميزان جميع الأدوية التي يتناولها مرضى العالم المتحضر ، وفي الكفة الثانية وضعنا النخالة التي تحذف من الحبوب عند طحنها لتعادلت الكفتان " إن حرمان الإنسان من النخالة وما فيها من فيتامينات وأملاح معدنية ثمينة وغيرها جعله يتهافت على تناول العلاجات والأدوية، كما أدت إضافة المواد الحافظة ومكسبات النكهة واللون للأطعمة إلى ظهور أمراض السرطان والحساسية بأنواعها المختلفة . وقد اتجه الغرب بكليته نحو منحى جديد في الطب يقوم على تناول الغذاء كما خلقه الله للوقاية من أمراض الجهاز الهضمي والقلب والسرطان . بل ذهب الغربيون لأبعد من هذا فأصبح الناس في أمريكا يستبدلون العطر والصابون الكيميائي بعطور وصابون مستخلصه من مواد طبيعية .
أما في مجال علاج الأمراض فقد تأكد لهم أيضاً مدى ما تحدثه العقاقير الكيميائية من آثار جانبية خطيرة بالإنسان فاتجهوا الآن نحو استخدام الأعشاب الطبيعية لعلاج مختلف الأمراض . وهذه الأعشاب هي نباتات طبيعية تنبت في الأرض وقد اشار المولى عز وجل لتكوين الأعشاب بنسب دقيقة في قوله تعالى :  والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون  [الحجر : 19] ، فقد ورد في تفسير " موزون " في تفسير المؤمنين (1-210) معلوم ومقرر مقداره بالضبط.
أما في تفسير ابن كثير فقد ورد: " ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ، ومده إياها وتوسيعها وبسطها ، وما جعل فيها من الجبال والرواسي والأودية والأراضي والرمال وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة " ، وقال ابن عباس في تفسير من كل شيء موزون أي معلوم ، وقال بعض المفسرين مقدر بقدر ، وقال ابن زيد من كل شيء يوزن ويقدر بقدر .
ويجب ألا نقتصر على عدم تغيير طبيعة خلق الله فقط ، بل يجب كذلك أن يتعلم الإنسان من مخلوقات الله كيف يتغلب على مشاكله ويطور تقنياته . وقد ذكر القرآن نماذج لتعلم الإنسان من البيئة في قوله تعالى :  فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين [المائدة : 31] ، فورد في (المؤمنين) في تفسير هذه الآية : " وحار كيف يفعل بجثته فأرسل الله إليه غراباً أخذ يحفر في الأرض حتى يواري جثة غراب آخر " وتبين هذه الآية أن الإنسان تعلم كيفية الدفن من الغراب . لذا فإن من واجبنا التعلم من مخلوقات الله كيفية توليد الطاقة مثلاً فنولدها بالاندماج ، كما يحدث في الشمس ، ولو فعلنا ذلك لوقانا الله شرور الاشعاعات الضارة الناجمة في توليد الطاقة من الانشطار . كما كان يمكننا التعلم من النبات تحويل طاقة الشمس الضوئية لطاقة كيميائية مفيدة للإنسان وغير مضرة بالبيئة كطاقة النفط (البترول) . وكان من الممكن أيضاً معرفة الطريقة التي تجعل البعوض يحمل طفيل الملاريا في أحشائه دون أن يؤثر ذلك عليه للوقاية من الملاريا ، وكذلك تعرّف الآلية التي يستخدمها جهاز المناعة للقضاء على الطفيليات، ومحاولة تقليدها وأن تتحول آلية العلاج من القضاء على الأمراض بإدخال أدوية للجسم تعمل كسموم تقضي على الطفيليات أو تعالج الخلل العضوي ، بالقضاء على الأمراض بتقوية جهاز المناعة وتحفيزه بحسبان أن دفاعات الجسم لم تخلق عشوائياً بل خلقت بدقة وإحكام ، وقد تمت تجربة ذلك في أبحاث الإيمان عندنا بإشراف الأستاذ النور عبد المجيد والطبيب يوسف صفي الدين ، وكذلك هنالك تجربة في منظمة البدائل بإشراف الدكتور مرتضى وخبيري الأعشاب عثمان عبد المنعم وخالد حدربي ، بالإضافة لتجارب أخرى داخل السودان وفي الولايات المتحدة ، وكانت النتائج مبشرة جداً . وقد بدأت أنا بنفسي بتجربة هذا الأسلوب على نفسي وأسرتي ومن حولي في علاج مرض المصران بإشراف الأستاذ الدكتور يحيى الطيب العربي وفي علاج الملاريا وكانت النتائج مبشرة جداً ، حيث لوحظ أن آلية تحفيز المناعة عن طريق الأعشاب ومنها الحبة السوداء يزيل المرض بسرعة ولا يوهن الجسم بل يبعث فيه النشاط بعكس الدواء الكيميائي الذي إن قضى على الطفيل أو أصلح جانباً من الجسم خلف للجسم آثاراً ومضاعفات جانبية ، وقد يكون من بينها إلحاق الضرر بأجزاء أخرى من الجسم ، كما تفعل بعض الأدوية بالكلى والكبد والقلب .

استخلاص الإطار النظري والأسس العامة
للعلوم من الوحي القرآني والسنة المطهرة :
رغم أن القرآن ليس كتاباً متخصصاً في العلوم الطبيعية إلا أنه حوى معلومات ثرة وقواعد عامة يمكن أن نهتدي بها لوضع الأسس النظرية العامة لكل العلوم الطبيعية والإنسانية ، مما يبين مدى إعجاز هذا القرآن ، ويقدم لنا برهاناً جديداً على احتواء القرآن على المبادئ الأساسية والأسس العامة ليس للعلوم الشرعية فحسب كما يظن الكثيرون ، بل لكل العلوم التي على ظهر الأرض ، وقد أشارت بعض آيات القرآن الكريم لهذه الحقيقة ، فقد ورد ... ما فرطنا في الكتاب من شيء ... [الأنعام : 38] ، وفي قوله تعالى :  ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهبداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين  [النحل : 89] .
وسوف نحاول هنا استعراض بعض الإشارات التي وردت في القرآن الكريم لبعض أساسيات العلوم الطبيعية ومبادئها .
مبادئ واساسيات العلوم الطبيعية والفيزياء :
تحدث القرآن الكريم عن خواص الفضاء والزمان والمكان ، وعن قوانين البقاء والتماثل وكيفية تطوير النظريات الفيزيائية . وتعتبر هذه الخواص من الأساسيات التي ارتكز عليها علم الطبيعة " الفيزياء " الحديث والتقليدي ، والتي أخذت قروناً عديدة حتى تبلورت في صورتها الحالية فعلى سبيل المثال تطور مفهوم الزمان والمكان منذ القرن السابع عشر الميلادي والذي كان فيه نيوتن يعتبر الزمان والمكان ظواهر مطلقة ، وتغير هذا المفهوم في بداية القرن العشرين ، حيث قدم ألبرت انشتاين نظريته النسبية الخاصة ، والتي اعتبر فيها الزمان والمكان ظواهر نسبية .
أما مفاهيم التماثل والتجانس وقوانين البقاء فقد أصبحت تمثل حجر الزاوية التي ترتكز عليها النظريات الطبيعية " الحديثة " إذ نجد أن أحدث النظريات الطبيعية مثل النظريات المعيارية (Standard Model) والتي وحدت القوى الكهربية المغنطيسية مع التفاعلات النووية الضعيفة قد ارتكزت بصورة أساسية على قوانين التماثل والبقاء . وكذلك ارتكزت نظريات التوحيد العظمى والتي تحاول توحيد كل قوى الطبيعة وإخراجها من مشكاة واحدة على مبادئ التماثل وقوانين البقاء .
وقد أشار القرآن الكريم لهذه المبادئ العامة التي ترتكز عليها نظريات علوم الطبيعة بجلاء ووضوح في بعض آياته .

نسبية الزمان والمكان :
ذكرنا أن علم الحركة الذي صاغه نيوتن في في كتاب سماه (Principa) (3) اعتبر أن ظاهرة الزمان والمكان هي ظواهر مطلقة بمعنى أن المدى الزماني والمكاني بين أي حدثين يكون ذا قيمة واحدة لكل أنظمة المراقبة ، وبغض النظر عن حركة بعضها بالنسبة لبعض . وقد ظل هذا المفهوم سائداً لفترة طويلة حتى مطلع القرن العشرين والذي شهد اخفاق قوانين نيوتن في تفسير سلوك الجسيمات التي توجد في عالم الذرة ، وكذلك بعض الظواهر ونتائج بعض التجارب الطبيعية ومن أشهرها تجربة "مايكلسون ومورلي" والتي تأكد فيها للعلماء أن سرعة الضوء ثابتة . وليست متغيرة كما تنبأت نظرية نيوتن . مما حدا بانشتاين اعتبار الزمان والمكان ظواهر نسبية في نظريته المشهورة بنظرية النسبية الخاصة (4) والتي قدمها للعالم عام 1905م عند قيامه بتعميم احساس الضوء بالزمان والمكان ممثلاً في تحويلات " لورنس" على المادة ، وقد أقامت هذه النظرية الدنيا ولم تقعدها حتى الآن لنجاحها المنقطع النظير في تفسير كثير من الظواهر الذرية المهمة ونجاحها في وصف الظواهر الكونية والتثاقلية . ولا زال الناس متعجبين حتى الآن كيف استطاع انشتاين اعتبار الزمان والمكان ظاهرتين نسبيتين رغم تعارض هذه النسبية مع تجاربنا اليومية وإحساسنا المباشر ، واعتبروا ذلك فلتة من فلتات الدهر وعنواناً للعبقرية الفذة .
ولو تدبر علماء الطبيعة القرآن لوجدوا هذه المفاهيم مذكورة بجلاء ووضوح، مما يؤكد أن هذا القرآن ليس من عند بشر بل من عند الله العزيز الحكيم لأنه أورد مفاهيم استعجمت على الناس وكثير من العلماء حتى في القرن العشرين . ففيما يخص نسبية الزمن ورد في القرآن الكريم  أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلنك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير  [البقرة:259] . وقد أورد ابن كثير في تفسيره (2-314) أن رجلاً من بني إسرائيل يقال له عزير مر على بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها فوقف مفكراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة . وقال  أنّى يحيي هذه الله بعد موتها  وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه ، قال تعالى:  فأماته الله مائة عام ثم بعثه  فلما بعثه الله بعد أن أماته مائة عام وسأله بواسطة الملك كم لبثت ، قال: لبثت يوماً أو بعض يوم . ويمكن بسهولة استنباط نسبية الزمن في هذه الآية على ضوء النظرية النسبية ، فحسب مفاهيم النسبية فإن الرجل عندما مات أصبح في حالة شبه نورانية فصار يومه طويلاً جداً بالنسبة للكائنات الحية التي على ظهر الأرض بحيث يعادل هذا اليوم مئات السنين على ظهر الأرض والله أعلم .
ووردت الإشـارة أيضاً لنسبية الزمـن في سورة الكهف في قوله تعالى :  وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً  [الكهف :19] . فقد أورد ابن كثير في تفسيره (2-76) أن أصحاب الكهف فروا من قومهم إلى الكهف فناموا ثلاثمائة عام بحساب أهل الأرض ولأنهم كانوا في حالة شبه نورانية فإنهم شعروا بأن فترة النوم استغرقت يوماً أو بعض يوم ، لأن يوم الكائن النوراني يعادل مئات ، وربما ألوف السنين بحساب أهل الأرض . وتبين هذه الآيات أن الزمن نسبي على ظهر الأرض وبالنسبة للمخلوقات الأرضية التي تخضع لقوانين علم الطبيعة "الفيزياء" ، كما وردت آيات أخرى توضح أن الزمن نسبي بالنسبة للسماوات والمخلوقات السماوية التي لا تخضع لقوانين علم الطبيعة، فقد ورد في الآية  يدبر الأمـر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة : 5] ، وفي قوله تعالى  تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة  [المعارج : 4] . وقد تم التحقق من ذلك بقياس عمر الجسيم الذري المسمى بالميزون (chap. 6-9) فوجدوا أن عمره وهو ساكن يساوي 2 ميكرو/ثانية بينما وجدوا أن عمر الميزون المتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء هو 32 ميكرو/ثانية تقريباً . وهذا يعادل 16 مرة قدر عمر الميزون الساكن .
وكذلك ارتكزت ميكانيكا نيوتن على اعتبار أن خواص الفضاء مطلقة بمعنى أن الفراغ أقليدي وتكون أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم في كل أجزائه. ولما صاغ انشتاين نظريته النسبية العامة وجد أن الفراغ محدب (4) ومتعرج المسارات ولا يكون تحدب الفراغ واحداً في كل أجزاء الكون بل يتغير التحدب بتغير كثافة المادة الموجودة حيث يزيد التحدب بزيادة كثافة المادة . وقد تأكد للعلماء تحدب الفضاء في مايو 1919م بمنطقة سويرال في الشاطئ الشمالي الشرقي للبرازيل حيث لاحظ أثناء كسوف الشمس أن مواقع النجوم تنزاح لمواقع ظاهرية مختلفة عن مواضعها الأصلية عند مرور شعاعها قرب الشمس مما يدل على انحناء شعاع الضوء وتحدب مسار الفضاء حول الشمس .
وقد أورد القرآن الكريم هذه الحقيقة أيضاً بجلاء ووضوح في كثير من الآيات التي تبين أن الفضاء الكوني محدب لقوانين الطبيعة "الفيزياء" للمخلوقات السماوية التي لا تخضع للقوانين الطبيعية أيضاً ففيما يختص بتعرج المسارات لمخلوقات الأرض ورد في الآية  ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون  [الحجر : 14] ، وهذه الآية توضح أن الكفار وهم مخلوقات أرضية يسلكون مسارات متعرجة في الفضاء . وكذلك وردت الإشارة لتحدب الفضاء في الآية  يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور  [سبأ : 2] .
وتعني هذه الآية أن الله يعلم كل ما يلج في الأرض ويخرج وما ينزل وما يعرج وشمل ذلك الكائنات الأرضية الحية والجامدة والكائنات السماوية . ويعني العروج في اللغة العربية ، وكما ورد في لسان العرب لابن منظور (5- 2869) المسار المائل حيث ورد : " عرج النهر أي أماله وعرّج البناء تعريجاً أي ميله فتعرج " .
من هذا نخلص إلى أن القرآن تحدث عن الزمان والمكان باعتبارهما ظاهرتين نسبيتين ويعتبر هذا المفهوم الذي عززته التجارب العلمية من أحد أركان علم الطبيعة "الفيزياء" الحديث .
تماثل وتجانس الكون :
يعتبر مبدأ التماثل (Symmetry) من أحد أهم أركان العلوم الطبيعية "الفيزياء" الحديثة ، فقد تم اكتشاف الخواص الموجبة للجسيمات (4) على يد العالم "ديبرولي" الذي اعتبر أن الطبيعة متماثلة فاستند على حقيقة أن موجات الضوء تتصرف أحياناً كجسيمات ليفترض أن مبدأ التماثل يقتضي أيضاً أن تتصرف الجسيمات أيضاً كموجات ، فافترض أن جسيمات مثل الالكترون تتصرف كموجات لها طول موجي يتناسب عكسياً مع اندفاعها " كمية تحركها " وقد تم التأكد من ذلك عند تسليط حزمة الكترونات على بلورة فوجد العلماء أن الالكترونات تتشتت بشدة وتتغير دورياً من الصفر لقيمة عظمى وكأنها موجات تتداخل مع بعضها . وكذلك يتم استخدام التماثل في وصف تفاعلات الجسيمات الأولية ومثال ذلك التماثل المرآوي . وتعتمد نظريات التوحيد ونظريات الجسيمات الأولية بصورة أساسية على مبدأ التماثل . كما تعتمد نظريتا النسبية الخاصة والعامة على مبدأ تجانس الكون كركن اساسي في النسبية .
وقد وردت إشارات في القرآن لمبدأ التماثل والتجانس كأحد المبادئ والسمات الأساسية للمخلوقات . فقد ورد في الآية  الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير  [الملك : 3-4] . وقد ورد في تفسير ابن كثير في معنى قوله تعالى :  ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا نقص ولا عيب ولا خلل . كما ورد في تفسير المؤمنين في قوله تعالى:  تفاوت  تباين وعدم تناسب . وما ورد في تفسير هذه الآية يوضح بجلاء شديد أن هذا الكون متماثل متجانس .

قوانين البقاء :
تلعب قوانين البقاء أيضاً دوراً مهماً في وصف سلوك كوننا المحسوس وعالم الذرة حيث يدخل قانون بقاء الطاقة كأحد المرتكزات الأساسية في كل نظريات علم الطبيعة "الفيزياء" تقريباً . وكذلك توصف تفاعلات الجسيمات الأولية بقوانين بقاء معينة مثل قانون بقاء العدد الليبتوني والباريوني والغرابة . وقد تسبب قانون بقاء الطاقة في اكتشاف جسيم ذري اسمه النيوترينو (10-423) . فعندما يتحلل البروتون إلى نيوترون وزوج الالكترون وجد العلماء أن قانون بقاء الطاقة لا يتحقق فافترض العالم الإيطالي فيرمي جسيماً ثالثاً ينتج من التحلل وأسماه النيوترينو ؛ لانفاذ قانون بقاء الطاقة . وقد تم التأكد من وجود النيوترينو تجريبياً الأمر الذي أكد صحة قانون بقاء الطاقة .
ولقد وردت الإشارة لحقيقة أن مقادير الأشياء معلومة وثابتة في القرآن الكريم في قوله تعالى:  وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم  [الحجر : 21] ، وقد ورد في تفسير ابن كثير في تفسير قوله تعالى  وما ننزله إلا بقدر معلوم  يخبر الله تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه . وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف  وما ننزله إلا بقدر معلوم  كما يشاء وكما يريد ولما له من ذلك من الحكمة البالغة .
ويتضح من سياق الآية وسياق التفسير أن الله ينزل الأشياء بمقادير معلومة ثابتة ، وهي عين ما تنص عليه قوانين البقاء المتعددة ، ويشمل ذلك قوانين بقاء الطاقة وكمية التحرك ، وقوانين البقاء المختلفة الأخرى .

مبادئ واساسيات العلوم الحيوية :
تعتبر الهندسة الوراثية ، والكيمياء الحيوية ، والطب ، والصيدلة - من أهم فروع العلوم الحيوية ، وقد وردت إشارات في القرآن لبعض الحقائق والمبادئ والأساسيات في هذه العلوم .




ففي مجال هندسة الوراثة تطور هذا العلم على يدي العالم " مورقان " (11-100) في حقبة الأربعينيّات من القرن العشرين ، وتطور فهم السلاسل الوراثية المعروفة باسم الصبغيات ، أو الكروموزمات ، وقد ساعد العلماء على هذا الفهم التجارب التي أجريت على ذباب الفاكهة باعتباره من أبسط الخلايا وأسهلها . ولو أمعن المسلمون النظر للقرآن الكريم لوجدوا الإشارة للذباب كأبسط خلية واضحة في قوله تعالى:  يأيها الناس ضُرِب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب  [الحج : 73] . فالله سبحانه وتعالى تحدى خلقه بأن يخلقوا ذباباً والتحدي يكون دائماً بأبسط المخلوقات . وكان من الممكن على المسلمين إدراك هذه الحقيقة لو تدبروا هذا القرآن .
أما في مجال الطب فكما هو معلوم فإن الإنسان يصاب بالأمراض لسبيين رئيسين هما: خلل وظيفي في أعضاء الجسم نتيجة للغذاء الفاسد الذي يتناوله الجسم، أو لعوامل وراثية ، وينتج عن هذا أمراض مثل الضغط ، وأمراض القلب والمصران ، والسكري . أما السبب الثاني للأمراض فهو ناتج عن مهاجمة الطفيليات للجسم .
وقد ثبت للعلماء والأطباء الآن أن تناول الغذاء الطبيعي كما خلقه الله يقيه من أمراض السرطان ، والضغط ، والقلب ، وكثير من الأمراض . وأصبح الاتجاه الطبي الحديث في دول الغرب يعتمد بصورة كبيرة على أن الغذاء الطبيعي وسيلة رئيسة للوقاية والعلاج من الأمراض . فتناول الخبز كما خلقه الله دون نزع النخالة منه يقي من كثير من أمراض الجهاز الهضمي والقلب والضغط والسكري وقد صدق الله حين قال  والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان  [الرحمن: 12-13] . فالعصف ويحتمل معنى النخالة وهي فعلاً من نعم الله وآلائه. وتناول الغذاء الذي لا يحتوي على مواد حافظة وكيميائية يقي من أمراض السرطان .
كما أن لبن الأم الطبيعي أفضل بكثير من اللبن الصناعي فإضافة لتكامل لبن الأم ، فهو يحتوي أيضاً على أجسام مضادة تقي الطفل من كثير من الأمراض الطفيلية ، خاصة أن جهاز المناعة الطبيعي للطفل يكون ضعيفاً جداً .
وكذلك وجد العلماء أن الملابس القطنية غير مضرة بجسم الإنسان في حين وجدوا أن الملابس المصنوعة من الغزل الصناعي الذي هو من صنع الإنسان يصيب الإنسان بكثير من أمراض الجلد والحساسية . وقد توصل علماء الغرب لهذه الحقائق بعد معاناة مريرة إذ تبين أن الغذاء الطبيعي - وهو من صنع الله - يقي الجسم من كثير من الأمراض ، في حين أن الغذاء الصناعي - الذي هو من صنع البشر - يصيب الإنسان بأمراض عديدة وخطيرة . مما يؤكد أن هذا الكون بنباتاته وحيواناته هو من صنع الله الذي اتقن كل شيء ، وأن هذه المخلوقات صنعها الله بتوازن دقيق ومقادير موزونة لخدمة الإنسان وإطعامه وقد أورد القرآن حقيقة التوازن والتقدير لخلق الله في قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر[القمر : 49] في تفسير المؤمنين، لقد خلق الله كل شيء وفق تقدير حكيم كما ورد في قوله تعالى:  الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً [الفرقان : 2] ، وفي تفسير المؤمنين (1-287) فسرت هذه الآية على أن الله خلق كل شيء فقدر حجمه وشكله ووظيفته وزمانه ومكانه وتناسقه مع غيره من الموجودات .
وقد أورد القرآن أيضاً صنوفاً من الغذاءات التي ثبتت فائدتها في وقاية الإنسان من السرطان فقد ورد في قوله تعالى:  وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  [البقرة : 57] . وقد أورد الله سبحانه وتعالى في هذه السورة إشارة إلى أفضلية المن والسلوى في قوله تعالى  وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون[البقرة :61]. فحينما طلب بنوا إسرائيل البقول والعدس والبصل بدل المن والسلوى تم عتابهم لأنهم استبدلوا الذي هو أدنى من البقول وغيرها بالذي هو خير وهو المن والسلوى ومن أنواع المن الكمأة أو عش الغراب حيث ذكر الرسول  ذلك فقال : " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " ، وقد أثبتت التجارب التي أجريت في إحدى الجامعات المصرية بالقاهرة أن تناول الكمأة يقلل من نمو الخلايا السرطانية ويقلص حجم الورم بنسبة تصل إلى 90٪ مما يعطي مؤشراً واضحاً لفعالية المن في مكافحة السرطان . كما تأكد للعلماء أيضاً أن تناول الفاكهة باستمرار يزود الخلية بسياج يمنع دخول الطفيليات والأجسام الغريبة إليها ، حيث لاحظ الباحثون أن سكان المناطق الريفية النائية الذين يكثرون من تناول الفاكهة قلما يصابون بالأمراض وهم يعمرون حتى سن التسعين .
وقد أورد القرآن الكريم أهمية الفاكهة وأفضليتها في الدنيا والآخرة على السواء ، ففي أفضليتها في عالمنا الأرضي ورد قوله تعالى  وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وأن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون  [المؤمنون : 18-21] .
فقد اعتبر المولى عز وجل الفواكه جزء من جنات الدنيا مما يؤكد أفضليتها. وكذلك وردت الإشارة لفائدة اللبن في الآيات وهو يعتبر تقريباً غذاءً كاملاً . كما وردت الإشارة للفاكهة كنعمة من نعم الله في قوله تعالى:  والأرض وضعها للآنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان  [الرحمن : 10-13] ، فالملاحظ هنا أن الآية قدمت الفاكهة على النخيل والحبوب ، وذكر أنهما آلاء الله مما يؤكد أفضليتها . كما وردت الإشارة للفاكهة كطعام لأهل الجنة ، وقدمت على باقي المأكولات في قوله تعالى:  وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون  [الواقعة : 20-21] .
أما السبب الثاني للأمراض وهو الطفيليات فإن علاجها وفق المنظور القرآني بتحفيز جهاز المناعة أو باستخدام العسل أو الماء أو باستخدام الأعشاب . فحسب منظورنا فإن هذا الكون لم يخلق عشوائياً كما يعتقد الغربيون بل خلقه مدبر حكيم هو الله سبحانه وتعالى ؛ لذا فإن مقتضى هذا يتطلب منا أن نعتقد ونتأكد من أن الله قد زود جسم الإنسان بأفضل الأجهزة الدفاعية ضد الأمراض متمثلاً في جهاز المناعة الطبيعي للإنسان . وقد تأكد للغربيين الآن أن من أفضل الوسائل لمقاومة المرض هي تحفيز جهاز المناعة الطبيعي ، وقد حاولوا صنع عقار اسمه الانترفرون للقيام بهذه المهمة ولا زالت أبحاثهم جارية في هذا المجال . وقد تحدث الرسول  عن هذا العقار السحري متمثلاً في الحبة السوداء وذكر إنه شفاء لكل داء إلا الموت ، وقد منح عالم مسلم جائزة في عهد الرئيس الأمريكي ريغان لأنه أثبت أن الحبة السوداء تحفز جهاز المناعة وترفع كفاءته بنسبة 30٪ .
أما العلاج بالعسل فقد ورد في قوله تعالى  وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكلي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون  [النحل : 68-69] .
فإذا تدبرنا هذه الايات نجد أن القرآن أشار بجلاء ووضوح لشراب النحل كعلاج شافٍ وأن هذا الشراب ليس نوعاً واحداً ؛ لأنه أوحى للنحل أن يأكل من كل الثمرات وليس بعضها ؛ ولأن بطونها يخرج منه شراب مختلف ألوانه وليس شراباً واحداً . وقد أوضحت الأبحاث التي أجريت في مختلف أنحاء العالم ومن ضمنها بعض الأبحاث التي أجريت بجامعة السودان بقسم المعامل الطبية واطلعت عليها شخصياً - أن العسل هو أقوى مضاد حيوي طبيعي ومفعوله أقوى من مفعول المضادات الحيوية التي صنعها الإنسان وهو لا يضر بالجسم عكس المضادات الحيوية الصناعية التي ما قومت جزءاً من الجسم إلا قامت بهدم جزء آخر منه .
وهناك نوع آخر من العلاج لم يلتفت له العلماء المسلمون وانتبه له اليابانيون مؤخراً ، وهو العلاج بالماء والذي اصبح استخدامه يتنامى في الآونة الأخيرة . ويرتكز العلاج على اعتبار أن الأمراض يمكن أن تنشأ من خلل في ماء الخلية وأن إعادة التوازن لماء الخلية بماء من خارجها يمكن أن يزيل هذه الأمراض .
وهذا الأمر ليس بمستغرب إذ أشار القرآن إلى أهمية الماء للحياة في قوله تعالى:  ... وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون  [الأنبياء : 30] . كما وردت الإشارة لاستخدامـه في العلاج في قـوله تعالى  واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه إني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [ص : 41-42] . فعندما أصاب السقم سيدنا أيوب أمره المولى عز وجل باستخدام الماء .
وهناك إشارة في هذه الآية لمسبب آخر للأمراض أغفلت عنه نظريات الغرب وهو الشيطان ، إذ ورد أن سيدنا أيوب نادى ربه:  أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، وكذلك وردت الإشارة للماء كعلاج من رجز الشيطان في قوله تعالى  إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام[الأنفال : 11] .
أما العلاج بالأعشاب فقد أصبح الوسيلة الطبية الجديدة التي تستخدم في العلاج بدلاً عن العقاقير الكيميائية ، بحيث أصبحت الأعشاب في الصيدليات في دول الغرب تحل تدريجياً محل العقاقير الكيميائية بدرجة أن الأعشاب أصبحت تشكل حضوراً أكثر من العقاقير الكيميائية في أحيان عديدة . وقد تأكد للعلماء أن العقاقير الكيميائية التي هي من صنع البشر تسبب في معظم الأحيان آثاراً جانبية مضرة في حين أن الأعشاب وهي التركيبة الدوائية الربانية تكاد لا تترك آثاراً جانبية تذكر ، مما يؤكد أن هذه الأعشاب وهي من فصيلة النباتات لم تخلق عشوائياً كما يعتقد الغربيون والذين تأكد لهم الآن بما لايدع مجالاً للشك أن هذه الأعشاب النباتية قد صنعت بدقة وإحكام وبتوازن دقيق . وأن أي تدخل للإنسان بعقله القاصر لاستخلاص ما يسمى بالمادة الفعالة يخل بهذا التوازن ويضر بالمريض أبلغ الضرر. فعلى سبيل المثال ، وجد العلماء أن استخلاص المادة الفعالة من شجر الصفصاف لصنع عقار الأسبرين يحدث أضراراً بالجهاز الهضمي للإنسان في حين أن استعمال شجر الصفصاف كما خلقه الله يخلو تقريباً من الآثار الجانبية . كما وجد العلماء أن محاولة تصنيع المادة الفعالة بطريقة كيميائية رخيصة لا يخلو أيضاً من الخطورة إذ وجدوا أن المادة الفعالة الطبيعية أكثر أماناً . بل أن أي محاولة لتقليد صنع الله في أي مادة طبيعية باءت بالخسران . فعلى سبيل المثال حاول اليابانيون عمل صمغ صناعي وقاموا بنشره وترويجه في السوق . ولم تمض بضع شهور على ذلك حتى وجدوا أن صمغهم الصناعي هذا يسبب سرطاناً في الجلد ، ولما حاولوا معرفة الشيء الموجود في التركيب الرباني للصمغ والذي يمنع الإصابة بالسرطان - تعذر عليهم ذلك ، مما يؤكد أن الله خلق هذه المواد والنباتات بتوازن دقيق ، وقد أورد القرآن هذه الحقيقة الناصعة في قوله تعالى:  والأرض مددناها وألقينا فيها راوسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون  [الحجر : 19] ، وقد جاء في تفسير المؤمنين في معنى قوله تعالى  موزون  معلوم ومقرر مقداره بالضبط .
وورد استعمال النبات كعلاج في سورة الصافات الآية في قوله:  وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  [الصافات : 146-147] . واليقطين هو نبات القرع وهو طارد للذباب (6) وكأن الله أراد أن يحمي سيدنا يونس من مصدر الطفيليات والوسيط الناقل لها وهو الذباب .
النظم الدراسية وفق المنظور الإسلامي :
إذا نظرنا لنظم القبول العادية في المراحل التعليمية المختلفة نجد أنها تهدف لانتقاء الصفوة في كل مرحلة للدخول للمرحلة التي تليها ، في حين أن المنظور الإسلامي يتطلب أن يكون التعليم إلزامياً لكل الناس في كل مرحلة لأن الرسول  ذكر أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .
كما أن الدولة لا تدرب الشخص الذي تجاوز عمره الأربعين سنة في حين أن المنظور الإسلامي يتطلب أن يكون التدريب في كل مراحل العمر حيث أن الرسول  يطلب منا أن نتعلم العلم من المهد إلى اللحد أي في كل مراحل العمر بل أن النبوة أتت الرسول  بعد سن الأربعين . كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:  ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين  [الأحقاف : 15] وهذا يتطلب بالإضافة لجعل التعليم إلزامياً لكل الأعمار - توسيع مواعين التعليم المستمر .
أما فيما يختص بالمهارات التي نتعلمها في المؤسسات التعليمية فهي ترتكز على تزويد الدارس بمعارف وعلوم عقلية لإعمار هذه الدنيا . في حين يتطلب المنهج الإسلامي أن تزود الإنسان على ما يعينه على عبادة الله وإعمار الأرض وفق الحدود التي رسمها خالق الكون لقوله تعالى:  وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  الذاريات : 56] ، لذا يجب أن يكون تدريس القرآن وعلومه ، والسنة وعلومها ، والفقه وأصوله ، والسيرة النبوية العطرة - من أول أولويات وأهداف المؤسسات التعليمية . وكذلك يجب على المنهج التعليمي أن ينمي كل مهارات الإنسان الروحية والنفسية والعقلية والجسمية ، بحيث تخرج هذه المؤسسات العاملين في كل مجالات الحياة ويشمل ذلك المهن الحرفية والتقنية مثل الزراعة ، والحدادة والخراطة ، والنجارة ، وكافة المهن الهندسية ، كما يشمل المهن التعليمية والإعلامية والطبية وكل المهن والمجالات التي يعمل فيها الإنسان . وهذا يتوافق مع ما نهانا عنه الرسول  الذي تعوذ من علم لا ينفع .
أما فيما يخص الفترة الدراسية فإن المنظور الإسلامي يتطلب أن لا يتفرغ الإنسان للعلم فقط بعد سن البلوغ والرشد ، كما هو حادث الآن في مؤسساتنا التعليمية. وهذه السن يدركها الطالب قبل المرحلة الثانوية أو في بدايتها والتي يجب عليه بعدها التكاليف الشرعية مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج وكيف يزكي الإنسان ويحج إن لم يكن يملك مالاً . كما أن الرسول  حث الشباب على الزواج في سن الشباب في حديثه المشهور " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " . كما أوجب الإسلام على الرجل الإنفاق على زوجته ويتضح ذلك في سياق الآية  الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليّاً كبيراً  [النساء : 34] ، وهذا يعني أن المنظور الإسلامي يتطلب أن يعمل الطلاب في المرحلة الثانوية لتدبير أمر معاشهم ولا يتفرغوا للدراسة ، كما هو حادث الآن ولو طبقنا هذا المنظور على واقعنا الآن لحلت مشكلتنا الاقتصادية بإذن الله ، إذ يؤدي هذا النظام لتوظيف طاقات الشباب المعطلة مما كان سيضاعف من دخل الأسر بحسب عدد الشباب لديها ، وكان سيقلل من أعباء الأسرة إذا تزوجت بناتهم . لذا ينبغي تقسيم الفترة الدراسية لفترة للدعوة والجهاد ، مما يستدعي تزويد الطالب بالعلوم الشرعية وتعهده بالتدريب العسكري . وفترة أخرى لتدبير أمر المعاش وتنمية المهارات اليدوية ، وفترة ثالثة لتغذية العقل بالمعارف المختلفة ولتهذيب النفس بمكارم الأخلاق . ولو طبقنا مثل هذا التقسيم لكفانا الله شر المتربصين بالبلاد الذين كان سيرهبهم تجييش الشعب عبر المؤسسات التعليمية ولحللنا مشاكلنا الاقتصادية والناجمة كذلك من عدم تزويد الدارسين بمهارات يدوية وحرفية مما عاق استغلال أراضينا البكر وثرواتنا الموجودة في باطن الأرض .
ولا يقتصر منظور الإسلام على هذه المبادئ بل يمتد ليشمل حتى فترة المحاضرة والحصة الدراسية التي يجب ألا تطول لأن رسول الله  كان يقصر خطبة الجمعة حتى لا يمل الناس .

خاتمة :
إذا نظرنا للاستعراض الذي قدمناه لمحاولة استنباط منهجية علمية عامة بديلة للمنهجيات الوضعية الأخرى ، نجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة ، قد حويا مبادئ عامة وموجهات في مجالات العلوم الطبيعية مما يستوجب منا أن نعيد النظر للقرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، ولا نعاملها كمصدرين لفقه العبادات والمعاملات فقط ، بل ينبغي علينا أن نستنبط منهما منهجيتنا ونظمنا لكل مجالات الحياة عسى الله أن يقوم لنا بهما اعوجاجنا الذي أصبح ظاهراً للعيان ، بعد أن أثبتت المنهجيات الوضعية الأخرى فشلها في كل مجالات الحياة تقريباً والله المستعان .


م/ن