هل الحج أيام يقضيها الإنسان طولاً أو عرضاً، ضيقاً أو حنقاً، تصبراً أو كظماً، حتى يتنفس الصعداء حين يركب عائداً؟ أم هي فعلاً كما تحكي كتب القدامى نفحات روحية تجعل الأرواح هائمة في سبحات الأنس بالله لا تشعر بزحام ولا بمتطلبات جسد من طعام وشراب ومنام، يبكي القلب عند قرب انتهائها، وتحن الروح دوماً لبقائها، ويرجع الحاج فلا يألف أخطاء حياته السابقة على الحج، ويتواصل في عالم الرؤيا مع ما كان عليه من هيام روحي، حتى أنه يستيقظ من نومه ظاناً أنه لايزال هناك ويتحسر حين ينتبه أنه فعلاً ليس هناك.


الجواب أن هذا موجود وهذا موجود، بل وبين المقامين درجات كثيرة يتفاوت فيها الحجاج زيادة ونقصاناً، قرباً وبعداً، تعلقاً وزهداً، فعلى قدر ما عاش الإنسان معنى الحج على قدر ما يترك الحج فيه من آثار.


إذاً لماذا يتفاوت الناس؟


إن الأغلبية العظمى من الناس ينشغلون بمن حولهم وما حولهم، وقليل من ينشغل بحقيقة وجهته ومقصوده، منهم من لا يرى إلا السفر بحجوزاته وخدماته وكلفته، وكيفية نومه ونوعية طعامه وأسلوب القائمين على مشاعر الحج، أولئك الحجاج وفدوا إلى الحج بأجسادٍ يجرونها جراً، وما تخلصت من علائق حظوظ النفس بدءاً بالتدخين والغيبة والنميمة والنظرات والرسائل الهاتفية «التي لو رأى أقل منها على هاتف حرمته لفضحها وطلقها»، وتظل هذه السلوكيات عادات لم تتغير فيه حتى وهو محرم في عرفة والمشعر الحرام، بل النية باقية مستمرة على العودة إلى الربا، وربما الزنا وقطيعة الأرحام.. إلخ، معهم سلوكيات جاء الإسلام لمحاربتها مثل الكبر والتعالي على الناس والنظر باحتقار ربما لجنسية كاملة، كأنه صلى الله عليه وسلم، ما وقف خطيباً وَسَط أيامِ التشْرِيقِ في منى ، وقَالَ « يَا أَيهَا الناسُ أَلاَ إِن رَبكُمْ وَاحِدٌ وَإِن أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِي علي أعجمي ولا لأعجمي عَلَى عَرَبِي وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتقْوَى».


هذه السلوكيات هي التي تفرق بين حاج وآخر وفيها تتفاوت الدرجات، في كل جنسية حلوها وهزيلها، بل وفي كل عائلة، فلماذا نحتقر مسلماً لوجهة نظر في بعض أشخاصِ من جنسيته؟ عجباً فمَن بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي؟! ومئات غيرهم صهرهم الإسلام في شخصية واحدة. ذاك الصنف لا تترك المناسك عنده من أثر، إلا في جمل عابرة، كأنها ليست مقصوده الأول والوحيد.


أما الصنف الموفق من الحجاج، فإنهم لا يذكرون إلا الحرمين وتجليات مولاهم على القاصدين لبيته ونفحاته للمقبلين عليه بأرواحهم، أولئك الذين تشهد لهم القلوب قبل العيون بالقبول الواضح، صبروا على مشقة معاملة الصنف الأول من الحجاج طوال المناسك وفي الحرمين، اهتموا بمرافقة واعظ الحملة والتزود بالمعلومات منه ومن لجنة الوعظ التي ترسلها الدولة، واغتنموا أوقاتهم في الحرمين ونهلوا من دروس العلم، حجاج يتفقهون ويحرصون على اغتنام كل لحظة، بروا حجهم فتلألأت وجوههم بأنوارالرضا والتجلي فنالوا درجة «مجاب الدعوة»، فأشهد الله القلوب فيهم قول رسوله «الْحُجاجُ وَالْعُمارُ وَفْدُ اللهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ». وهل تنال هذه الدرجة من غير جهاد النفس؟