يوجهنا القرآن الكريم دائما إلى التثبت من الأخبار التي تنقل إلينا وتجنب سوء الظن بالآخرين وعدم نقل شيء يسيء إليهم إلا بعد التأكد من صحته، فضلا عن احترام خصوصيات الناس والبعد عن أي شيء يؤدي إلى إساءة الظن بهم .


الآيات التي رصدت هذه التوجيهات الإلهية كثيرة ومتنوعة من بينها قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . فضلاً من الله ونعمةً والله عليم حكيم” .



تحكيم العقل



في الآية الأولى يخاطبنا الحق سبحانه وتعالى ويقول: يا من آمنتم بالله حق الإيمان: إن جاءكم فاسق بخبر من الأخبار، ولاسيما الأخبار المهمة، فلا تقبلوه من دون تبين أو تثبت، بل تأكدوا وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه .


يقول د . سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية والداعية المعروف في معنى هذه الآية الكريمة وما ترشدنا إليه من هدايات: واجب المؤمن أن يكون ضميره يقظا دائما والمسلم الحق، لا يرضى للآخرين ما لا يرضاه لنفسه، يعرف مداخل الأمور وعواقب الأحكام المتسرعة وما يترتب عليها من ظلم وإهدار لحقوق آخرين قد يكونون أكثر صلاحا وقبولا عند الله عز وجل، وهذا الإنسان العاقل الرشيد مطلوب منه أن يحكم عقله في كل ما يسمع من أخبار وما ينقل إليه من بيانات أو معلومات . وهذا يفرض عليه ألا يصدق أي خبر أو إشاعة تنقل إليه، وألا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التأكد من صحته، لأن خبر الفاسق يؤدي إلى تشويه سمعة وصورة الأبرياء، ولذلك قال سبحانه وتعالى: “أن تصيبوا قوما بجهالة” أي تتثبتوا أيها المؤمنون من صحة خبر الفاسق لئلا تصيبوا قوما بما يؤذيهم وأنتم تجهلون حقيقة أمرهم، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة، لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق صحيح .



نتائج سيئة



الأخبار غير الصحيحة والإشاعات الفاسدة التي تتناول بعض الناس من دون تمحيص وتدقيق من الطبيعي أن تؤدي إلى نتائج سيئة، فهي تلحق الأذى بالشرفاء وتشيع الأخبار والبيانات والمعلومات المضللة بين الناس فتؤدي إلى انحرافهم وفسادهم أو على الأقل إصابتهم بالإحباط . وهذا ما ينبهنا إليه الحق سبحانه بقوله “فتصبحوا على ما فعلتم نادمين” وما أقسى على الإنسان الظالم لنفسه وللآخرين أن يشعر بالندم . والندم غم يلحق الإنسان لأمور وقعت منه ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم وقوعها، أي فتصبحون على فعلتكم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا بسبب تصديقكم لخبر الفاسق من دون تبين أو تثبت .


فالآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرها حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق في خبره من دون تأكيد أو تحقق من صحة ما قاله . . وبهذا التحقق من صحة الأخبار كما يقول د . سالم يعيش المجتمع الإسلامي في أمان واطمئنان، وفي بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام .



فضل الله ورحمته



وفي قوله سبحانه: “واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم” بيان للمناسبة التي وردت فيها الآية الأولى حيث ذكر المفسرون أنها نزلت في بني المصطلق حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إليهم ليأخذ منهم الصدقات، ولما أتاهم الخبر قبل وصوله فرحوا وخرجوا للترحيب به، فرجع الوليد ظنا منه أنهم يريدون قتله وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم أتاه وفد منهم وقالوا: يا رسول الله، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ” .


والذي يفهم من قوله تعالى: “واعلموا أن فيكم رسول الله” أن بعض المسلمين صدقوا الوليد بن عقبة وأشاروا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعجل بعقاب بني المصطلق، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكثر الناس حكمة وتعقلا لم يستجب لهم .


ومعنى الآية: أعلموا أيها المؤمنون أن فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله سبحانه لكي يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم، وهو عليه الصلاة والسلام لو يطيعكم في كثير من الأخبار التي يسمعها منكم، وفي الأحكام التي تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم . لو يطيعكم في كل ذلك لأصابكم العنت والمشقة ولنزل بكم ما قد يؤدي إلى هلاككم وإتلاف أموركم .






وقوله سبحانه: “ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان” توضيح لما يقتضيه الكلام السابق، وبيان المظاهر فضله عليهم ورحمته سبحانه بهم . أي: ولكنه لا يطيعكم في كل ما يعن لكم، وإنما يتبين الأمور والأخبار ويتثبت من صحتها ثم يحكم، وقد حبب الله تعالى إلى كثير منكم الإيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب وزينه وحببه في قلوبكم، وكره وبغض إليكم الكفر والفسوق والعصيان لكل ما أمر به أو نهى عنه .


ومعنى قوله سبحانه: “أولئك هم الراشدون” أن أولئك المتصفين بتلك الصفات الجليلة هم الثابتون على دينهم، المهتدون إلى طريق الرشد والصواب، فالرشد كما أوضح العلماء هو الاستقامة على طريق الحق مع الثبات عليه والتمسك به في كل الأحوال .


وقوله سبحانه “فضلا من الله ونعمة” أي فعل ما فعل من تحبيب الإيمان إليكم، ومن تبغيض الكفر إلى قلوبكم، لأجل فضله عليكم، ورحمته بكم، وإنعامه عليكم بالنعم التي لا تحصى وهو سبحانه عليم بكل شيء حكيم في كل أفعاله وأقواله وتصرفاته . وهكذا نرى الآيتين الكريمتين قد رسمتا للمؤمنين أحكم الطرق في تلقي الأخبار وأرشدتاهما إلى مظاهر فضل الله عليهم، لكي يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم .