للحب رائحة المطر للحب رائحة المطر
Size="7"]تعود العريف79 أن يلعب مع رفاقه في الأدغال حيث الأشجار الكثيفة
خصوصا مع رفيقه الفرحان الذي كانت الابتسامة لاتفارق محياه لذلك أحبه الجميع
وكذلك صديقه الرملي والسندي وعبدالله
وكانت طفولتهم بريئة يلعبون سويا رغم العداء بين آل بحران وآل سيار
وكان بين القبيلتين أحد الكتاتيب لأحد المشايخ وكانوا جميعا يدرسون فيها
وصادف أن صف العريف79 له نافذة تطل على قبيلة آل سيار
وبهذه القبيلة ابنة لأحد الجنود الصغار تدعى أمل
وكانت جميلة كأنما خلقت من نور أو ولدت من رحم الياسمين
فهي أمل
وابتسامتها أمل
ونظرتها أمل
فكانت كلما خرجت من ديارها تتوقف الكرة الأرضية عن الدوران
ويتوقف الزمن قسرا لينبهر الجميع بجمالها الفتان
فهي هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة لا يشتكي قصر منها ولا طول ولها خالٌ على صفحاتِ خدٍّ كنقطة عنبرٍ في صحن مرمرْ . .
فهام بها العريف79 أيما هيام فكان يردد في نفسه :
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجبِ الناسُ مني أن لي بدناً لا روح فيه ولي روح ٌ بلا بدنِ . .
ذات يوم اتفق شباب آل بحران وآل سيار على السفر للبطحاء باليمن الشمالي
وفعلا خرج الجميع قبل العصر عدا العريف 79 الذي تأخر لظروف طارئة
وما أن أذن العصر حتى أطلق لساقيه العنان ليلحق برفاقه ...
وحدث مالم يكن بالحسبان
إذ هطلت الأمطار بغزارة فور خروجه من حي آل بحران
وتناول قطعة من الورق المقوى (كرتون) ليحتمي بها من الأمطار
وفي الطريق لاحظ نورا يمشي بالأرض فإذا هي أمل
فسارع بحمايتها بقطعة الكرتون وأدخلها مضارب بني بحران وأخذت نبضات قلبه تتسارع
فالورد في وجتنيه والسحر في مقلتيه وإن عصاه لساني فالقلب طوع يديه . .
أو كما قال قباني : لم أعد داريا إلى أين أذهب كلَ يوم ٍ أحس أنك أقرب ..
كل يوم يصير وجهك ُجزءاً من حياتي ويصبح العمر أخصب . .
وتصير الأشكال أجمل شكلا وتصير الأشياء أحلى وأطيب . .
قد تسربتِ في مسامات جلدي. . مثلما قطرة الندى تتسرب . .
اعتيادي على غيابك صعبٌ واعتيادي على حضورك أصعب
فراح يتأمل في قطرات المطر وهي تتساقط من قميصها الأبيض وخصلات شعرها المبلل بماء المطر
حينها أدرك أن للحب رائحة المطر
وتذكر كلام أبي القاسم الشابي:
عذبة أنت كالطفولة كالأحـلام كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد
أنت قدسي ومعبدي وصباحي وربيعي ونشوتي ووجودي
يا ابنة النور . . إنني أنا وحدي من رأى فيك روعة المعبود

نظر إليها بحرمان
فأرادت أن تثرثر
فأسكتها بشفتيه النديتين
وهو يغني سمفونية الولهان
عشق... ما أطيبه من عشق
قبلة...ماأغلاها من قبلة
يا الله...تمنيت أن أقضي عمري سجين شفتيها

كانت لحظات بل ثواني مرت كلمح البصر
لكنها علقت في ذاكرته مدى الدهر

فانطلقت أمل لديارها سريعا ودون كلمة شكر للعريف 79
فودعها بعينيه قائلا :
يا حلوة العينين يا قاسيه سرعان ما أصبحتِ لي ناسيه
أما أنا فلست أنسى يداً ناعمةً تجود بالعافيه
لئن شفى الطب ضنىً عارضا فمهجتي أنت لها شافيه
وإبرة الآسي على نفعها أفعَلُ منها نظرةٌ ساجيه
تبعثها عيناكِ في أضلعي فياضةً بعطفها آسيه
تلأمُ قلباً نكأت جرحه فعاد يهوى مرة ثانيه
وسجد العريف79 لله شكرا على هذه اللحظات التي لايزال يتذكرها كلما ضاقت به الدنيا وكلما هطل المطر
فإن للحب رائحة المطر
ولم يفقد الأمل
فكلما أراد أحد الذهاب لديار آل سيار يذكره بقول الأخطل الصغير :
بلغوها إذا أتيتم حماها .. أنني مت في الغرام فداها . .
واذكروني لها بكل جميل .. فعساها تبكي علي عساها . .
واصحبوها لتربتي فعظامي ..تشتهي أن تدوسها قدماها




ويردد قول القباني :
إن سألوني : من تكون حبيبتي
أقول لهم : يا ليتني أملك رسمها . .
فإني منذ عشرين قرناً أحبها ..
وما زلت حتى الآن .. لا أعرف أسمها ..

..................

قـفـلـة لنزار:

أخاف أن تمطر الدنيا . .ولست معي
فمنذ رحت . . وعندي عقدة المطر
كان الشتاء يغطيني بمعطفه
فلا أفكر في برد ولا ضجر
وكانت الريح تعوي خلف نافذتي
فتهمسين : تمسك ها هنا شعري
والآن أجلس . . والأمطار تجلدني
على ذراعي . . على وجهي .. على ظهري
فمن يدافع عني . . يا مسافرة
مثل اليمامة ، بين العين والبصر
وكيف أمحوك من أوراق ذاكرتي
وأنت في القلب مثل النقش في الحجر
أنا أحبك يا من تسكنين دمي
إن كنت في الصين ، أو كنت في القمر
ففيك شيء من المجهول أدخله
وفيك شيء من التاريخ والقدر