تنبيه :: عزيزي اذا واجهتك مشكلة في تصفح الموقع , فاننا ننصحك بترقيه متصفحك الى احدث اصدار أو استخدام متصفح فايرفوكس المجاني .. بالضغط هنا .. ثم اضغط على مستطيل الاخضر (تحميل مجاني) .
 
 
النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    طبعا الكآتبة اغاثا كريستي معروفــه انهآ روايات بوليسية رآئعــة وهآدي من أجمل الروايات الها

    وأنا عن نفسي أعشق كل روآيآتهــآ ,,>>> ,وللعلم هآي أول مشآركة الي وانشاالله تعجبكـــم :)

    ملآحظة :
    يمكن أول القصة ما تفهموا منيح أو تكون مملة شوي بس الرواية روووعة واصبرووا


    بسم الله بدينآآ:

    الفصل الأول

    كم أدهشني رؤية أولئك القوم على مقاعدهم الخشبية يعبرون القنال هادئين ,
    فإذا وصلوا انتظروا حتى ترسو السفينة ثم قاموا إلى متاعهم يجمعونه دون ضجيج .


    أما أنا فلا أبقى هادئا و لو حينا من الوقت , فإذا صعدت لسطح السفينة أراني قد بدأت اقلق و اضطرب
    , و يحل في شعور أن الوقت قصير جدا لا يكفي للراحة و القعود فأنطلق اجمع حقائبي و
    أحركها من مكان للآخر , و إذا نزلت إلى الصالة لكي آكل طعامي فإنني ازدرده بسرعة
    و ربكة مخافة أن تصل السفينة فجأة و أنا ما أزال في الأسفل.

    ربما كان هذا مما أورثتنيه الحرب, فقد كنت حين آخذ إجازة قصيرة أجعل اهتمامي أن استأثر نفسي بموقع قريب من المخرج لكيلا اخدر بضع دقائق ثمينة من إجازتي القصيرة ذات الثلاثة الأيام أو الخمسة .

    في صباح ذلك اليوم من تموز كنت اقف جنب الحافة أراقب المنحدرات الصخرية البيضاء في دوفر و هي تقترب رويدا رويدا . لقد أثارني مشهد المسافرين يجلسون على مقاعدهم بكل هدوء و لم تتحرك مشاعرهم و لا رفعوا عيونهم ليروا منظر وطنهم الأول , ربما اختلفت حالهم عن حالي قليلا , فأكثرهم بلا شك جاء من اجل قضاء عطلة نهاية الأسبوع في باريس , في حين أقيم أنا بعيدا في مزرعة كبيرة في الأرجنتين منذ سنة و
    نصف , حيث حققت نجاحا كبيرا , و استمتعت مع زوجتي بحياة حرة بسيطة في أمريكا الجنوبية .

    و راقبت ذلك الشاطئ المألوف يدنو رويدا رويدا بشعور من القلق و الشوق , انه اثار في نفسي
    ذكريات و ذكريات قد نزلت في فرنسا قبل يومين من اجل بعض الاعمال الضرورية , و ها أنا ذا
    في الطريق إلى لندن , و الواجب أن امكث فيها بضعة اشهر , حيث الوقت يتسع أن ازور
    أصدقائي الأقدمين لا سيما صاحبي الضئيل الحجم ذا الرأس البيضاوي و العينين الخضراوين : هيركيول بوارو .

    و عزمت أن أفاجئه بزيارتي هذه مفاجأة مقصودة و إن كانت رسالتي الأخيرة التي بعثتها إليه من
    الأرجنتين تلمح إلى رحلتي التي اتخذت القرار بشأنها على عجل بعد مواجهتي لبعض المصاعب في العمل.

    .. ترى ماذا يصنع بوارو حين يراني ؟
    أيقنت انه غير بعيد أن يكون في مقر عمله ؛لأن الوقت الذي كانت قضاياه تضطره للسفر
    من شمال إنكلترا إلى جنوبها قد انقضى , و لم يعد يرضى أن تأكل قضية واحدة كل وقته , فقد ذاع صيته و اشتهر , و استطاع وصول أهداف كثيرة , و حقق كثيرا من طموحه , ثم إن الوقت يهيئه ليصبح
    ((مستشارا فذا في التحري و التحقيق)) تماما مثل الطبيب المختص الشهير في شارع هارلي !

    كان بوارو يسخر دائما من الفكرة الشائعة عن كلب ((الدموم)) الإنساني الذي يتعقب المجرمين
    و يقف عند كل اثر قدم , و سوف يقول ((لا يا صديقي هيستنغز , ذاك من فعل جيرود
    و أصحابه , أما أسلوب هيركيول بوارو فهو خاص به : التنظيم و المنهجية و ((الخلايا الرمادية ))
    إذا جلسنا نحن على مقعدنا نستريح نستطيع أن نرى أمورا غفل عنها آخرون , و نحن لا نقفز
    إلى النتيجة قفزا كما يصنع ((جاب)) الكفء ))

    كان لدي خوف أن يكون بوارو مسافرا لكني كنت اطرد هذه الوساوس المقلقة , و حين وصلت لندن أودعت متاعي في فندق و انطلقت بالسيارة مسرعا إلى العنوان القديم …
    أي ذكريات ممتعة أثارها هذا المكان في نفسي !

    و انتظرت بشيء من القلق كي أزجي التحية لصاحبة البيت الذي كنت اسكنه , ثم انطلقت
    اصعد الدرج درجتين درجتين , و طرقت باب بوارو إذا بصوته المعهود يهتف:
    ادخل …
    و دخلت فإذا بوارو أمامي وجها لوجه , و ما إن رآني حتى سقطت من يده حقيبة سفر
    و ارتطمت بالأرض لشدة المفاجأة , و صاح :
    هيستنغز ! هيستغز!

    اقبل علي و عانقني عناقا حار , و دار كلامنا غير مترابط و لا مقبول : هتاف
    و أسئلة لاهفة و أجوبة متبورة و كلام عن رحلتي و رسائل , كله اختلط اختلاطا عجيبا!
    و سألته أخيرا حين هدأنا من ثورة الشوق قليلا:
    - أرى أن في غرفتي القديمة شخصا ما , و احب أن اقعد معك هنا مرة أخرى .

    تغير وجه بوارو من هول المفاجأة :
    - يا إلهي! أية فرصة سيئة التوقيت هذه .. انظر حولك يا صديقي ..
    لأول مرة لاحظت الأشياء التي حولي : صندوق ضخم على الطراز القديم ناحية الحائط ,
    و إلى جواره عدة حقائب مصفوفة كل حسب حجمها , و قد أعدت للسفر حتما لا خطأ في ذلك ..
    - هل أنت راحل ؟
    - اجل ..
    - أين؟
    - إلى أمر كيا الجنوبية..
    صحت بانفعال :
    - نعم تلك مهزلة مضحكة , أليس كذلك ؟ أني مسافر إلى ((ريو)) في البرازيل ,
    و كنت في كل يوم أقول : لن اكتب شيئا في رسائلي حتى تكون مفاجأة لصديقي الطيب هيستنغز حين يراني ..
    - و متى ستذهب
    نظر بوارو إلى ساعته :
    - في غضون ساعة واحدة
    - أتتذكر انك تقول : ((ليس هناك ما يقنعني بإنجاز رحلة بحرية طويلة ))؟
    ارتجف بوارو و قد اغمض عينيه و قال :
    -لا تحدثني في ذلك ,طبيبي يا صديقي , يؤكد لي أن الإنسان لن يموت من رحلة كهذه ,
    أنت تعلم أنني لن ارتحل مرة أخرى أبدا .. و جذبني نحو المقعد و أردف : سوف تعلم كل ما حدث أتدرى
    من هو أغنى رجل في العالم ؟ روكفلر؟ هذا أغنى من روكفلر انه آبي ريلاند ..

    - ملك الصابون الأمريكي؟
    - أجل , لقد اتصلت بي إحدى سكرتيراته و قالت إن عصابة تمهد لعمل احتيال
    ضخم يرتبط بشركة كبيرة في ريو , و هو يرجوني أن أحقق المسألة في ساحتها
    فرفضت و قلت : إذا كانت الحقائق بين يدي فسوف اقطع عندئذ برأي خبير مستشار ,
    لكنه رد علي بأنه لا يستطيع تقديم الحقائق , و أن علي أن أسعى بنفسي لكشفها حين اصل عنده,
    و قد كان هذا يكفي أن يلغي الصفقة من البداية , لان من الوقاحة الصرفة أن يملي على هيركيول بوارو ما ينبغي فعله . لكن الأجر الذي عرضه علي كان مذهلا جدا ... لأول مرة اشعر أن المال يغريني !
    -
    لقد كان الأجر ثروة طائلة , و لا تنس أن عندي إغراء آخر غيره أنت يا صديقي قد كنت عجوزا وحيدا
    في عام و نصف هي غيبتك , ثم أنني تحققت لي شهرة تامة , ففكرت في نفسي : لماذا لا آخذ تلك
    المكافأة و ابحث عن القرار في مكان ما و عندي صديقي القديم ؟

    تأثرت كثيرا من نظرت بوارو إلي و تابع كلامه :
    - من اجل ذلك قبلت , و في ساعة من الزمن يجب أن أغادر المكان لألحق القطار الذي يقلني
    حيث السفينة تلك إحدى عجائب الزمن , أليس كذلك؟ لكنني اعترف إليك أنني ربما كنت ترددت
    لو لم يكن الأجر كبيرا جدا , حيث أنني بدأت أخيرا في إنجاز تحقيقات غاية في الخطر و الإثارة ..
    قل لي : مالذي يقصد عادة بعبارة ((الأربعة الكبار))؟

    - أظن أن هذا المصطلح جاء أصلا في مؤتمر فرساي , ثم نعرف الأربعة الكبار المشهورين في عالم السينما , و هذا الاصطلاح يقال أيضا في بعض الحفلات و الأعياد

    - حسنا , لقد سمعت هذه العبارة يوما ما لكن تفسيرا مما ذكرت لا ينطبق عليها ,
    يبدو أنها تعني عصابة دولية من المجرمين أو شيئا يتعلق بهذا الصنف فقط ..

    سألته عندها دون تردد :
    - فقط ؟ ماذا ؟

    - أتخيل أن ذلك الشيء قوي و ضخم , تلك فكرة صغيرة لدي فحسب , هيا ..
    يجب أن أكمل حزم الأمتعة , فالوقت يقترب

    فقلت أرجوه:
    - لا تذهب ألغ التذكرة و تعال معي على متن سفينتي نفسها التي سأغادر عليها بعد شهرين .

    أشاح بوارو بوجهه عني بعد أن رمقني بنظرة قاسية فيها تأنيب و قال :
    - كأنك لم تفهمني تماما , لقد قلت كلمة . ألا تدرك هيركيول بوارو ؟ لا شيء ينبغي أن يعيقني الآن إلا الموت .

    همست حزينا :
    - و هذا ما لا أتوقعه , و أرجو ألا يختم الأمر بشيء طارئ في اللحظة الأخيرة

    و ما لبثنا كلانا بعد برهة صمت قصيرة أن سمعنا صوت حركة مريبة في الغرفة الأخرى , فصحت :
    - ما هذا الصوت؟

    رد بوارو سريعا :
    - يا إلهي كأنك قلت ما تعلم ((شيء طارئ في اللحظة الأخيرة )) : شخص غريب في غرفة نومي

    - كيف دخل إليها ؟ ليس لتلك الغرفة باب إلا الباب الذي يوصل إلى هنا !
    - ما أقوى ذاكرتك يا هيستنغز هيا إلى الاستنباط ..
    - إنه الشباك .. إذن هو لص ؟ لا بد أنه تسلق إليه بصعوبة بالغة , لكن هذا أشبه بالمستحيل

    و اتجهت صوب الباب حذرا أستطلع , غير أن حركة مقبض الباب من الداخل أوقفتني ذهلا ..
    فتح الباب قليلا قليلا و بان رجل يكاد يملأ المدخل و الوحل يغطي بدنه من رأسه حتى أخمص
    قدميه . وجهه كان شاحبا و عليه علامات الإرهاق و الإعياء .

    حدق إلينا ثم ترنح و سقط , فهتف بوارو :
    - الليمون بسرعة

    و جلبت كأس الليمون و اجتهد بوارو أن يسكب في فمه شيئا قليلا منه , ثم حملناه إلى الأريكة ,
    و ما لبث أن فتح عينيه بعد دقائق و نظر نظرة ذاهلة لا تبدي شيئا , سأله بوارو :
    - ماذا تريد يا سيد؟

    فتح الرجل فمه , ثم نطق بصوت غريب كلمات :
    - السيد هير .. كيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ؟ ..
    - نعم نعم , أنا هو ..

    يبدو أن الرجل لم يفهم شيئا , و أعاد عبارته الأولى باللهجة ذاتها :
    - السيد هيركيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ..

    حاول بوارو أن يختبره بأسئلة مختلفة لكن الرجل لم يكن يجيب عن الأسئلة , و حينا كان يردد
    كلمته السابقة , فأشار بوارو أن يتصل بالهاتف :
    - اطلب الدكتور ريدجوي كي يحضر فورا

    لم تمض بضع دقائق حتى كان الطبيب يدخل مسرعا , فبيته كان في زاوية الشارع:
    - ما هذا كله ؟

    سرد له بوارو موجزا و بدأ الطبيب يفحص زائرنا الغريب الذي كان في غيبوبة لا يدرك ما يجري حوله , قال د.ريدجوي حين انتهى:
    - آه حالة تثير التساؤل ..
    همست: حمى دماغية ؟

    صاح الطبيب منكرا :
    حمى دماغية ! لا شيء عندنا اسمه حمى دماغية , ذلك كلام الروائيين فقط لا ,
    إن الرجل أصابته صدمة ما , ثم جاء إلى هنا و قد سيطرت عليه فكرة ملحة ليجد السيد بوارو

    قلت بلهفة :
    - إذن فهو احتباس الصوت بسبب إصابة لحقت الدماغ ؟

    لم يثر هذا السؤال الطبيب كما فعل سؤالي الأول , لكنه لم يجب بل دفع للرجل قلما وورقة :




    - دعونا نرى ماذا سيفعل

    لم يفعل شيئا لبضع لحظات , ثم بدأ يكتب فجأة و بصورة محمومة , ثم كف و ترك الورقة و
    القلم يسقطان من يده فالتقطهما الطبيب و نظر فيها و هز رأسه :
    - لا شيء هنا , رقم ((4)) فقط بصورة غير واضحة , اثنتي عشر مرة , و في كل مرة يكون
    الرقم أكبر من الآخر , يريد _ على ما يبدو _ أن يكتب 14- شارع فاراوي .. إنها حالة مثيرة للاهتمام

    لكن هل – يا ترى – تسمحان أن يبقى هنا إلى ما بعد الظهر؟ أنا مضطر الآن أن أذهب إلى
    المستشفى , و سوف أعود بعد الظهر لأصنع ما ينبغي بشأنه , هذه قضية تستحق الاهتمام و أود كشف سرها

    و حدثته بأمر سفر بوارو و رغبتي مرافقته إلى ساوث هامبتون فقال :
    - حسنا دعا الرجل هنا , إنه لن يتسبب بأذى فهو يعاني من إعياء ثقيل , و ربما ينام ثماني
    ساعات متواصلة ,سأكلم جارتكم الطيبة السيدة فنفيس وأسألها أن تعتني به

    و خرج الدكتور ريدجوي مسرعا بخفته المعهودة و أتم بوارو حزم أمتعته و عينه تلحظ الساعة :
    - الوقت يمضي سريعا , تعال إلى هنا يا هيستنغز , لن أدعك تقول بأنني تركتك دون عمل
    ,إنها مشكلة غريبة حقا .. هذا الرجل الغريب من هو ؟ و من أين جاء ؟ آه ! وددت أن لو
    أضحى بسنتين من عمري من اجل أن تتأخر السفينة يوما واحدا , إلى الغد بدلا من اليوم
    , ثمة شيء يثير السؤال و يدعو إلى الاهتمام لكن الوقت ثمين .. الوقت .. ربما تقضي أيام بل اشهر قبل أن يصبح الرجل قادرا على تسمية حاجته
    - سأبذل جهدي يا بوارو سوف أكون بديلا كفئا عنك
    - نعـ .. نعم

    دهشت لرده الذي بعث في نفسي شكوكا , أخذت الورقة و قلت مرحا :
    - لو كنت كاتبا لحبكت قصة من هذه الورقة و كلمتك التي قلتها سابقا و أسميتها ((لغز الأربعة الكبار)) و كنت أضرب على الأرقام المكتوبة و أنا أتكلم ..

    أصابتني رعشة حين نهض مريضنا فجأة من غيبوبته و جلس و قال بصوت واضح :
    - لي شانغ ين

    في حين أوحى شكله أنه نائم و صحا من نومه فجأة
    نهاني بوارو أن أكلمه , استمر الرجل يتكلم بصوت واضح جمهوري و كأنه يلقي درسا أو يقرأ بيانا مكتوبا

    - لي شانغ ين زعيم العقول الأربعة الكبار , إنه القوة الضابطة و الآمرة , و لذلك فقد سميته رقم ((1))أما رقم ((2)) فذكره باسمه قليل , و لذلك رمزه (($))علامة الدولار , و رمزه أيضا شريطان و نجمه , فيحق لنا أن نحدس أنه أمريكي , و هذا يمثل قوة الثروة , ثم يبدو أن رقم ((3)) هو امرأة بلا شك , و هي فرنسية و ربما تكون واحدة من نصف العالم الجديد ,ربما لا أجزم بهذا و رقم ((4)) ...

    بح صوته و تلعثم لسانه و كف عن الحديث فاقترب منه بوارو يحثه على الكلام :
    - نعم ,رقم ((4)) ..

    كانت عيناه مثبتين على وجه الرجل الذي ساده الرعب و قال الرجل يلهث :
    - المدمر!

    تشنج فزعا و سقط مرة أخرى و غاب عن الوعي , همس بوارو :
    - يا إلهي لقد كنت أذن على صواب , كنت على صواب ...

    حاولت أن أتكلم :
    - تظن ...؟
    - هيا احمله معي إلى السرير , لا املك أن أضيع دقيقة واحدة و إلا فاتني القطار .. آه! ليتني لم اقل كلمتي لكان –حينئذ- نقض السفر بضمير مرتاح لكن الوعد حق , هيا يا هستنغز

    أودعنا هذا الزائر الغريب برعاية السيدة بيرسون و انطلقنا مسرعين في السيارة فأدركنا القطار

    و بينما كان القطار يشق طريقه إلى ساوث هامبتون اخذ بوارو ينظر عبر النافذة كأنه في حلم : يصمت حيناو ينطق حينا آخر إلا انه على كل حال لم يسمع كلمة واحدة من حديثي له

    و كان حينا يصحو فجأة فيلقي علي كومة نصائحه و إرشاداته و يرجوني أن أداوم مراسلته و إبراقه دوما

    و قطع القطار مسافة طويلة نحو ساوث هامبتون دون توقف على الطريق , وبعد أن اجتاز مقاطعة ووكنغ حل بيننا صمت طويل حتى توقف القطار فجأة عند إشارة ضوئية فاهتاج بوارو فجأة وصرخ :
    - يا إلهي !هذا رائع ! قد كنت أبله , الآن فهمت , العناية الإلهية أوقفت القطار بلا شك , اقفز يا هيستنغز قلت لك :اقفز!

    و بسرعة خاطفة فتح باب العربة و قفز من القطار على السكة الأخرى و صرخ بحزم :
    - هات الحقائب و اقفز , هيا بسرعة

    لم املك إلا طاعة بوارو دون تفكير , فقفزت ! و ما أن وطئت قدماي الرصيف حتى كان القطار ينطلق كالبرق , و قلت له بنبرة ساخرة :
    - و الآن يا بوارو هلا فهمتني كل هذه الحركات التي لم افهم منها أي شيء ؟
    - يا صديقي قد رأيت الضوء
    فقلت أنا لما يقول منكر :
    - هذا واضح جدا عندي
    - يجب أن يكون واضحا , لكني أخشى أن الأمر ليس تماما كما قلت , على كل حال فلو حملت حقيبتين من هذه أتدبر أنا البقية .

    شو عجبتكم البدآيه ؟؟؟ أكمّل أو...؟؟







    التعديل الأخير تم بواسطة الرمش الذبوحي ; 11-12-16 الساعة 03:48 PM

  2. #2
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    Farah :) ما شاء الله عليج مبدعه و نشيطة

    قانون المعهد يجبر على تكملة قصص الطويلة ,,, عشان الواحد ما يتعب نفسه و بالاخير يكتشف القصه ناقصه

    نتريا الاجزاء الكامله باسرع وقت







  3. #3
    :: عضوية VIP ::
    الصورة الرمزية ريــ الشمال ــح
    الحالة : ريــ الشمال ــح غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 80911
    تاريخ التسجيل : 14-06-11
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 4,964
    التقييم : 4082
    Array
    MY SMS:

    معـــــاً لمستقــــــبل أفضـــل

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    صح
    موفقه ان شاء الله






  4. #4
    مراقبة عامة
    الصورة الرمزية الرمش الذبوحي
    الحالة : الرمش الذبوحي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 20026
    تاريخ التسجيل : 15-09-08
    الدولة : ღ ع ــآبرة سبيل ღ
    الوظيفة : ღ تآمل آلمدى آلبعيد ღ
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 28,202
    التقييم : 3153
    Array
    MY SMS:

    لآ آله آلا آنت سبحآنك آني كنت من آلظآلمين..

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    بداية موفقة اختي..

    ننتظر التكملة..





    "
    "
    ..سآغيب عنكم مدة آذكروني بدعوة
    لعلهآ تصل آلى آلسمأء فيقول لهآ الله كن فتكون ..



  5. #5
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    الفصل الثاني

    مشينا على الأقدام قليلا , ثم ركبنا سيارة الى البيت , لأن المكان الذي توقف القطار عنده لم يكن بعيدا عن موقف السيارات
    و في غضون نصف ساعة كنا في طريق عودتنا السريعة المثيرة المدهشة الى لندن

    تلطف بوارو بي يجتهد أن يخفف من حيرتي , و قال :
    - ألا ترى يا صديقي ؟ لم اكن أري من قبل ما تبين لي , إنها مؤامرة ذكية قد أحكمت خيوطها من اجل دفعي لأخرج من طريقهم!
    - ماذا ؟
    - اجل بخطة ذكية متقنة اختاروا المكان المناسب و الأسلوب بعناية فائقة و فطنة لم تسبق , انهم يخافونني .
    - من هم ؟
    - عصابة الشياطين الأربعة الذين صنعوا اتحادا شريرا يعمل في غفلة من القانون: رجل من الصين و ثري أمريكي و امرأة فرنسية و رابع معهم .. ادع الله أن نصل الى البيت سريعا يا هيستنغز
    - هل تظن ان زائرنا في خطر ؟
    - اني جازم بذلك!

    حيتنا السيدة بيرسون حين وصلنا و هي تنظر إلينا بدهشة و استغراب سألناها عن الضيف دون اكتراث بدهشتها فأجابت بان حاله حسنة و صحته تدعو الى الطمأنينة

    صعدنا الى البيت و علينا بعض علائم الراحة , عبر بوارو الغرفة الأولى متجها الى الأخرى , ثم ناداني بصوت متهدج غريب ينطق بالفزع :
    - هيستنغز انه ميت!

    ركضت إليه و صدري يهتز من هول المفاجأة , الرجل ما زال مستلقيا كما تركناه و كان ميتا منذ بعض الوقت !
    خرجت مسرعا في طلب الطبيب , و كنت اعلم أن الدكتور ريدجوي ليس في عيادته , فدعوت طبيبا غيره قريبا حضر معي في الحال ..

    - انه ميت تماما , هل هو صديق لك ؟
    - .. اجل , لكن ما سبب وفاته؟
    - يصعب تحديده ربما يكون نوبة مرضية , وفيه بعض علائم الاختناق , هل عندكم خط غاز ممتد الى هنا ؟
    - كلا بل ضوء كهربائي ليس غير
    - و الشباكان مفتوحان تماما أيضا , كأنه مات منذ ساعتين , انتم ستخبرون الشرطة أليس كذلك ؟

    و خرج الطبيب و قام بوارو بالاتصال اللازم , ثم اتصل بصديقنا القديم المفتش جاب و سأله الحضور
    و لم يمض وقت طويل حتى حضرت السيدة بيرسون و عيناها جاحظتان من الدهشة و العجب , قالت :
    - بالباب رجل من المصحة العقلية , هل اجعله يدخل ؟

    أشار لها بالموافقة , و دخل رجل ضخم الجسم في زي خاص , قال بمرح :
    - صباح الخير يا سادة , لقد علمت أن عصفورا من عندي طار عندكم , لقد فر ليلة أمس..

    بوارو : قد كان هنا
    - و هرب مرة أخرى ؟

    كان سؤاله باهتمام ..
    - بل مات

    ظهرت علائم الطمأنينة على الرجل , و قال بتكلف :
    - هذا خير لنا جميعا ..
    - و هل كان خطيرا ؟
    - إن كنت تقصد انه نزاع للقتل فليس هو كذلك , بل مسالم و هو ذكي جدا لكنه مليء بالأسرار , و الظاهر أن الجمعية الصينية السرية هي التي أسكتته !

    شعرت بالرعدة تسري في جسدي ثم قلت :
    - كم مضى عليه و هو على هذه الحال؟
    - قرابة السنتين

    قال بوارو-بهدوء - : ألم يخطر ببال أحد انه ربما يكون عاقلا ؟

    سخر الرجل و قال :
    - لو اكن عاقلا ما كان في ضيافتنا , انهم جميعا يزعمون انهم عقلاء

    ثم دخل الرجل و عرف الجثة و قال :
    - الآن علي أن اذهب لأتخذ الخطوات اللازمة , لن ندع الجثة عندكم طويلا , أرجو أن تساعدوا الشرطة في التحقيق , شكرا لك يا سيدي

    و انسل الرجل من عندنا

    وصل جاب بعد بضع دقائق , كان واثقا من نفسه و أنيقا على عادته:
    - أنا مستعد للعمل يا سيد بوارو , كنت أظنك ذاهبا الى الشواطئ المرجانية ..
    - هل تعرف هذا الرجل من قبل ؟

    سادت الدهشة و الحيرة نظرات جاب الفاحصة الى الجثة , ثم قال بنبرة فيها خوف و ارتباك :
    - كأني اعرفه .. دعني أرى .. إن لي ذاكرة اعتز بها .. آه ! انه مايرلنغ! مايرلنغ رجل الاستخبارات السرية , ذهب الى روسيا قبل خمس سنوات و انقطعت أخباره , كنا نظن انه قتل !

    و هم جاب أن يخرج فقال له بوارو :
    - كل شيء يبدو معقولا , لكنه مات ميتة عجبا !

    اخذ الهواء و قد هب عبر النافذة المفتوحة يداعب الستائر في حين جعل بوارو ينظر الى الجثة بعبوس واضح :
    - هل فتحت النافذة ؟
    - لا لم افعل لقد كانت مغلقة
    - كانت مغلقة لكنها مفتوحة الآن , ما معنى ذلك ؟
    - شخص ما دخل من النافذة ..
    - هذا جائز لكنه ليس ما يشغل بالي , إنما راع انتباهي أن النافذتين مفتوحتان لا واحدة!

    اندفع نحو الغرفة الأخرى ثم صاح كمن وجد شيئا :
    - نافدة غرفة الجلوس مفتوحة أيضا , و قد كنا تركناها موصدة .. ها ..

    مال فوق الجثة و اخذ يتفحص فم القتيل بدقة ثم قرر واثقا :
    - شيء ما ألقم في فمه ليسكت ثم سم !

    شعرت بالصدمة و أوجست خوفا في جسدي , قلت :
    - بعد التشريح نعرف الحقيقة
    - لن نعرف شيئا , لأنه مات من استنشاق حمض البروسيك الحاد سريع التطاير بعد أن لصق بفمه تماما , ثم هرب القاتل بعد أن فتح الشبابيك كلها . الأطباء سيسجلونها ميتة طبيعية و لن يجدوا أثرا يعرفونه و سوف يسدل النسيان على رجل الاستخبارات السرية الذي مضت على اختفائه خمس سنين !

    ثم اهتز بوارو فجأة و هو ينظر الى ساعة الحائط :
    - توقفت عند الرابعة ! لقد عبث بها شخص عبثا مقصودا !
    - ترى لماذا فعلوا ذلك ؟ من اجل التضليل ؟
    - لا يا صديقي اعمل فكرك , شغل خلايا دماغك الرمادية مايرلنغ كان ينتظر الموت المحتوم , كان في صدره أشياء خطيرة , لقد استطاع أن يترك علامة واضحة قبل أن يلفظ أنفاسه ..رقم ((4)) ((المدمر)) ..آه لقد جاءتني فكرة ..

    اندفع سريعا نحو الغرفة الأخرى و امسك بالهاتف و طلب هانويل:
    - هنا مستشفى الأمراض العقلية ؟ لقد علمت بهروب مريض من المستشفى اليوم .. هل سمعت يا هيستنغز ؟ لم يطرأ أي هروب !
    - لكن القيم الذي التي .. هل تظن ؟..
    - المدمر , انه رقم ((4))

    فقدت قدرتي على التركيز , شعرت أنني لا أستطيع الكلام , حاولت لملمة نظراتي المشدوهة , حاولت النظر في بوارو, و حاولت خرق الصمت الذي سببته لي المفاجآت المذهلة و نطقت :
    - سوف نعرفه إذا رأيناه في أي مكان آخر , مازلت اذكر ملامحه جيدا , كان رجلا ذا شخصية حازمة

    سخر بوارو بي :
    - حقا يا عزيزي ؟ بل كان قوي الجسم ذا وجه احمر و شارب غليظ و صوت شخن , في المرة القادمة لن تجد فيه صفة من هذه الصفات , سيغير لون شعره , و يتخذ طقم أسنان صناعيا رائعا , و أذنين عجبا , و نظرات مختلفة .. كشف الهوية ليس سهلا يا صاحبي .. في المرة القادمة ..
    - هل تظن أن بعد هذه المرة مرة قادمة ؟

    كان وجه بوارو يفيض حزما و جدا و هدوءا ,و كانت ملامحه تنطق بالعزم و الإصرار , لكن فيه ذهولا و شرود ,ثم تحدث بنبرة قوية:
    - أنها مبارزة حتى الموت يا صاحبي, نحن في جانب و الأربعة الكبار قبالتنا , لقد ربحوا الجولة الأولى , ربما لكنهم ما استطاعوا أن يبعدوني من طريقهم , عليهم أن يحسبوا لهيركيول بوارو ألف حساب ..


    .................................................. .......



    الفصل الثالث

    عجزا حاولت إخراج بوارو عن صمته خلال الأيام القليلة التي أعقبت فعلة القتل القذرة و زيارة قيم المصحة العقلية المشؤومة تلك

    ظل بوارو على مقعده الكبير يفكر تفكيرا شاقا , احبط كل محاولاتي على حمله على الحديث

    كنت - طوال هذه المدة- انتظر رجعة المجرم الشقي , ورفضت أن أغادر البيت و لو للحظة واحدة ظنا مني انه ربما يعود ليأخذ الجثمان لا سيما انه لا يشك بتاتا أننا قد عرفناه , سخر مني بوارو ثانية و قال :
    - فلتنتظر يا صديقي ما شئت حتى تضع الملح على ذيل الطير الصغير , أما أنا فلا أضيع وقتي مثلك

    حاولت أن أجادله :
    - حسنا يا بوارو , لماذا غامر إذن فأتى في المرة الأولى دون سبب و لم يكسب منا شيئا ؟ أنا إذن أستطيع أن التمس سببا لزيارته الثانية ربما كي يمحو الدليل ضده

    و سخر مني مرة أخرى بطرقته التهكمية و قال :
    - أنت لا تنظر بعين رقم ((4)) يا هيستنغز , ليس ثمة دليل ضده , الجثة عندنا و لا دليل أنها قتلت قتلا لان حمض بروسيك حين يستنشق لا يبقى له اثر, ثم هل عندك شاهد على القاتل ؟ بل لن تجد من يشهد انه رأى رجلا دخل البيت في غيابنا

    إن المدمر يتقن حرفته جيدا و بمهارة تامة , نستطيع أن نقول بان زيارته كانت للاستطلاع , يريد أولا أن يتأكد من موت مايرلنغ ثم أن يرى هيركيول بوارو و يخاطب الخصم الذي يجب أن يحسب له – وحده – ألف حساب , أن يخاطبه عيانا , نعم

    قلت في نفسي : أي غرور قد أصاب بوارو ! و جادلته قائلا :
    - و ماذا عن التحقيق ؟ أظنك تستطيع أن توضح الصورة تماما و تخبر الشرطة عن أوصاف رقم ((4)) كاملة , اليس كذلك ؟
    - لن نحقق فائدة و لن نعرف شيئا و لا يهمني ذكر أوصاف رقم ((4)) , لن تستطيع أن نغير قرار هيئة المحلفين الحكماء الذين سيسجلون بان موته عارض و ربما نفسح لمجرمنا الذكي أن يقول بفخر انه استطاع غلبة بوارو في الجولة الأولى !

    و هكذا كانت تصدق نبوءات بوارو , انه بلا شك ذو بصيرة !
    نحن لم نر قيم الصحة العقلية مرة أخرى , ولم يحقق التحقيق شيئا و لا أثار اهتمام الناس و إن كنت قدمت إفادتي في القضية , و هكذا ذهبت طي النسيان !

    شعرت بعد نحو أسبوع بالسرور حين تفضل علي بوارو يسألني إن كنت ارغب في مرافقته في زيارة اعتزم القيام بها , وسألته عن مكانها لكنه لم يجبني , هكذا هو بوارو : غامض كتوم لا يبدي سرا حتى النهاية

    شعرت انه مخطئ إذا سعى إلى الحل وحده من غير معين , جادلته لكن بلا فائدة !

    كنا ننتقل من حافلة إلى أخرى تباعا , ثم اقلنا القطار إلى إحدى ضواحي لندن الكئيبة , و مازالت الهواجس تنتابني و ذهني يشرد من أمر إلى أمر و من فكرة إلى أختها ! ثم إذا ببوارو ينطق :
    - نحن ذاهبان يا هيستنغز لنرى الرجل الوحيد في إنكلترا الذي يعرف كثيرا من دقائق و أسرار الحياة في الصين..
    - عجبا! من هو ؟
    - رجل لم تسمع به من قبل , هو موظف مدني مسرح , ذو ذكاء حسن , له بيت مليء بالتحف الصينية التي يضجر منها أصدقاؤه و خلانه , لقد أكد لي العارفون أنني لا أجد سواه من اجل ما ابحث عنه, انه السيد جون انغليز ..

    و في بضع لحظات كنا على عتبة بيت ((الأكاليل)) بيت السيد انغليز , و سالت نفسي عن سر هذه التسمية المبهمة , لأنني لم أر شجرة إكليل قط !

    كان فتى صيني بوجه ذي ملامح جامدة يقف عند المدخل سمح لنا بالدخول ثم قادنا إلى غرفة المجلس حيث كان سيده ..
    رجل عريض المنكبين , قصير يبدو ماكرا , عيناه غائرتان تشيان بشخصيته


    نهض يرحب بنا و كان يمسك رسالة مفتوحة , قال :
    - هلا جلستما ؟ قد اخبرني هاسلي في رسالته انك تريد معلومات تنفعك في مسألتك
    - نعم يا سيدي , جئت التمس بعض المعلومات عن شخص يدعى لي شانغ ين ..
    - كيف سمعت بهذا الرجل؟
    - أنت إذن تعرفه ؟
    - قابلته مرة واحدة , و اعرف عنه القليل , ليس القدر المطلوب .. لكني اشعر بالمفاجأة لأن رجلا آخر في إنكلترا قد سمع بشانغ ين , ذلك رجل عظيم من طبقة الماندارين (كبار زعماء الإمبراطورية الصينية الأولى ) أنت تعلم لكن نقطة الحسم ليست هذه , عندي سبب مقنع انه الرجل الذي يقف وراء كل ذلك ..
    - وراء ماذا ؟
    - وراء كل شيء : القلاقل و المصاعب العمالية في أنحاء العالم كلها , و الثورات التي تتأجج هنا و هناك , الذين يعرفون الحقيقة و يستطيعون قولها قلة , يقولون : إن وراء الأحداث قوة خفية تسعى لتحطيم الإنسانية و الحضارة , صدقني إن لينين و ترتسكي في روسيا ما هما إلا دميتان تتحركان بفعل قوة خفية مسيطرة و دماغ مستتر , ليس عندي برهان لكنني مقتنع تماما أن هذا الدماغ هو لي شانغ ين !
    - آه ما هذا؟هذا خيال ! كيف يستطيع رجل صيني أن يدير الأحداث في روسيا؟

    قلت هذه الكلمة معارضا فنظر إلي بوارو شزر و عبس و زجرني قائلا :
    - هذا عندك يا هيستنغز , فذاك مبلغك من الفهم , دع عنك مالا يعنيك , أما أنا فإني على قناعة بما يقول الرجل , اكمل يا سيدي أرجوك
    - لا أستطيع أن اجزم بحقيقة ما يسعى إليه هذا الرجل بدقة , لعله مرض العقول العظيمة الذي يصيب العظماء منذ عصر الاسكندر الأكبر حتى عصر نابليون بونارت و العصر الحديث , التوق الشديد إلى السلطة و الرغبة في التفوق و العلو بقوة , أما في هذا القرن , قرن الثورات و القلقلة فان رجلا مثل لي شانغ ين يستطيع وسائل أخرى , عندي الدليل أن لديه أموالا طائلة يشتري بها الضمائر و يرشوها ,و دلائل أخرى تشير أن عنده قوة علمية مذهلة لا تتهيأ لبعض الدول في هذا العالم !

    سأل بوارو الذي كان يصغي بانتباه شديد و يقظة تامة :
    - و في الصين هل يملك الحركة و الأثر أيضا ؟

    هز انغليز رأسه :
    - اجل ربما لا أستطيع تقديم دليلا تعتد به المحكمة لكن لدي علما يقينا أن كل أولئك الرجال الكبار الذين يعظمهم الناس هم – في الحقيقة – دمى ترقص إذا سحبت خيوطها يد خفية تحركها إنها يد لي شانغ ين : الدماغ المهيمن على الشرق كله ! نحن لا نفهم الشرق و لن نفهمه , لكنني افهم لي شانغ ين و روحه المحركة , لا يظهر للناس و لا يستطيعون رؤيته , انه لا يخرج من قصره في بكين , و خيوطه ممتدة في كل مكان , هذا هو جوهر المسألة ثم تجري الأحداث بعيدا جدا !

    بوارو :أليس في هذا العالم من يعارضه ؟

    اعتدل انغليز في جلسته ثم مال إلى بوارو و دنا منه و تكلم بصوت خافت كأنه يفشي سرا :
    - أربعة رجال حاولوا معارضته في الأربع السنين الأخيرة , رجال أذكياء مفكرون و على خلق متين و أمانة و مسؤولية , لكنهم كلما عارضه واحد منهم سكت إلى الأبد !

    سألته : ثم ماذا يكون ؟
    - لا ترى منهم أحدا ! أنت لا تعي كتب أحدهم مقالا يذكر فيه اسم شانغ ين مقرونا بحوادث الشغب في بكين فوجد بعد يومين مطعونا في الشارع و لم يقبض على قاتله ! جريمة الثلاثة الآخرين كانت هي نفسها : مقالة أو خطبة أو حديث , و في غضون أسبوع ترى أحدهم فارق الحياة , أحدهم مات مسموما , و الثاني مات بوباء ما , و الثالث وجد مقتولا في سريره دون أي اثر لمقتله , لكن الطبيب الذي فحص الجثة حدثني انه رأى الجثة و قد احترقت بصورة عجيبة من الكهرباء سرت فيها !

    بوارو : ربما ترى علامة على العلاقة بين مصرعه و لي شانغ ين لكن لا بد من إشارات ...

    - ها , علامة! نعم , نعم بالتأكيد , لقد جاءني مرة شاب صيني مختص بالكيمياء متوقد الذكاء , كان يعمل لحساب شانغ ين , أراد أن يحدثني بالتلميح عن تجاربه التي كان يجربها في القصر على الحمالين , و قال و هو على حافة الانهيار العصبي بأنه عمل مقرف يزدري الحياة الإنسانية ! ثم أصابه رعب كاد يقتله , كانت حاله تثير الشفقة في الأكباد التي لا تعرف الرحمة .. حملته إلى السرير في الغرفة العلوية ليحدثني في الليلية التالية لكن فعلتي هذه كانت عملا أحمق غبيا !


    بوارو : كيف وصلوا إليه ؟

    - هذا ما لم اعرفه .. صحوت تلك الليلة و النار تأكل منزلي و كنت محظوظا بالفرار أنا و زوجتي , ثم تبين من التحقيق أن نارا عظيمة اندلعت في الطابق الأعلى جعلت عظام صديقي الشاب رمادا !

    تخيلت انغليز و هو يتكلم بجد و حماس كأنه حصان من حجر و بيده سيف من خشب و قد غرق في لجة العاطفة , لكنه حين نظر إلى أدرك انه مجروف بحماسته , ضحك يعتذر :
    - أجل ليس عندي دليل واحد , و احسب انك مثل غيرك تقول بان كلامي أوهام مجردة و أحلام
    - كلا , بل إني أصدقك يا سيدي ؛ لأن لي شانغ رجل في غاية الأهمية في نظري
    - ما كنت أتوقع أن أجد أحدا بين الأحياء في إنكلترا قد سمع به أبدا , واجد نفسي مدفوعا لأسألك:كيف عرفت عنه لو سمحت ؟
    - لقد لجأ إلى منزلي رجل مصاب بصدمة عصبية حادة , وكانت حاله النفسية و البدنية سيئة , لكنه استطاع أن يخبرنا شيئا مثيرا حول منظمة غريبة تدعى ((الأربعة الكبار))يرأسهم لي شانغ ين و هو عقلها المدبر و الثاني رجل أمريكي و الثالث امرأة فرنسية , و الرابع لقبه ((المدمر)) , لكن من أعلمنا بهم قد مات , فهلا أخبرتني يا سيدي عن منظمة الأربعة الكبار ؟ هل سمعت بهذا الاسم من قبل ؟
    - قد سمعت بها أخيرا , لكن ليس بصفة ارتباطها بلي شانغ ين , أكاد لا اعرفهم .. ها , تذكرت ...

    نهض قائما و اتجه سريعا إلى خزانة عتيقة في زاوية الغرفة , و رجع و هو يحمل رسالة مفتوحة ..

    - رسالة من ملاح عجوز قابلته مرة في شنغهاي , رجل قد اشتعل رأسه شيبا , يمضي معظم وقته ثملا , فحملت الرسالة على انه هذيان رجل سكران ليس غير !

    قرأها بصوت عالي ..
    (( سيدي ,

    ربما لا تذكرني لكنك أسديت لي في شنغجهاي معروفا آخر , إنني في أشد الحاجة إلى قدر من المال حتى أستطيع الخروج من هنا , أنا مختبئ تماما لكنهم قد يصلون إلي في أي يوم , أقصد الأربعة الكبار

    إنها مسألة هامة خطيرة , حياة أم ممات , عندي مال كثير لكن يصعب علي السعي إليه مخافة أن يعرفوا مخبئي !

    أرسل لي ورقتين من فئة المائة جنيه و سوف أردها لك , أقسم يا سيدي!

    جوناثان والي ))
    - صادرة عن :غرانيت بنغالو , هوباتون , دارتمور . لقد خشيت أنها حيلة سخيفة لسلب مائتي جنيه مني صعب علي جمعها , فإذا كانت هذه الرسالة تنفعك شيئا فلترسل له مائتي جنيه .
    - شكرا لك يا سيدي , سوف انطلق الآن إلى هوباتون !
    - و هل تمنعني أن أرافقك ؟
    - سأكون مسرورا بصحبتك , هيا , يجب أن نذهب من فورنا , لن نصل إلى دارتمور قبل ظلمة الليل

    و في غضون دقيقتين كان جون انغليز مستعدا , و في الحال كنا في القطار الذي ينطلق من حدود بادنغتون نحو الريف الغربي

    هوباتون قرية صغيرة تقع على ارض سبخة في غور منخفض, تبعد تسعة أميال عن موتورن هاستيد ركوبا في السيارة
    كانت الساعة حين وصلنا الثامنة , لكن ضوء النهار ما زال مشهودا فوق المكان

    اتجهت السيارة عبر الشارع الضيق في القرية , ثم توقفنا عند عجوز ينتظر في قارعة الطريق , سألناه عن القرية فقال الرجل العجوز متأملا :
    - غرانيت بنغالو .. هل تريدون غرانيت بنغالو ؟

    ثم هز رأسه كأنما ذكر شيئا , ثم أشار نحو كوخ رمادي ناء في آخر الطريق :
    - هناك البنغالو , هل تريدون رؤية المفتش ؟


    بوارو بدهشة : أي مفتش ؟ ماذا حدث؟
    - إذن فلم تسمعوا بالجريمة ؟ لقد كانت مروعة ! حماما من الدم كما يقولون !

    بوارو هامسا : يجب أن أقابل هذا المفتش

    مضت خمس دقائق قبل أن نجد المفتش الذي لم يكن يرغب الحديث معنا و بدا مترددا و كتوما , حتى ذكرنا له اسم ((جاب)) مفتش سكوتلانديارد المشهور تغير أسلوبه و صار حسنا :
    - نعم يا سيدي , لقد قتل الرجل صباح اليوم .. جريمة في منتهى البشاعة ,و الحادث غامض من أوله , فعندما قدمت إلى مكان الحادث اثر مكالمة تليفونية و أنا في موتورن إذا برجل عجوز في السبعين من عمره مولع بكأسه كما قالوا ممدودا على الأرض في غرفة المعيشة و في أعلى رأسه اثر كدمة عنيفة و قد ذبح من الأذن إلى الأذن , الدم ملأ المكان و تماثيل صينية اختفت من البيت , ربما في ذلك إشارة إلى سطو لكن يخرق هذا الظن الأمور , فالبيت فيه خادمان : بتسي آندروز , امرأة من هوباتون , و رجل فظ يدعى روبرت غرانت

    آندروز خرجت لتثرثر مع جارتها في حين ذهب غرانت كعادته في كل صباح إلى المزرعة كي يجلب الحليب , و عندما رجع دخل من باب البيت الخلفي فرأى الأبواب مفتوحة , ثم وضع الحليب و مضى يقرأ الصحيفة في غرفته و يدخن , ولم يكن يعلم شيئا يزعمه

    أما بتسي فدخلت غرفة المعيشة فصرخت صرخة مريعة توقظ الأموات , هكذا قال غرانت

    شخص ما دخل البيت و هما خارجه و قتل العجوز المسكين !

    لا بد أن يكون لصا وقحا قدم من القرية ثم زحف في إحدى الساحات , هذا ظني لكن البيوت – كما ترى – محيطة بكل أنحاء غرانيت بنغالو , و كل من عبرها يرى , و لاسيما الغريب

    ثم سكت المفتش بحركة درامية و قال بوارو :
    - ها لقد فهمت ,اكمل ..
    - حسنا يا سيدي , هذه مسألة تثير الشك , لقد شد انتباهي اختفاء التماثيل الثمينة , إذ لا يدرك قيمتها متسكع دوار , و في كل الأحوال فارتكاب الجريمة في وضح النهار مغامرة مجنونة , ألم يخش المجرم أن يستغيث العجوز بالصراخ ؟

    إنغليز : أظن آيها المفتش أن الكدمة التي ظهرت في رأسه كانت قبل الوفاة ؟

    - هذا صحيح تماما يا سيدي , ضربة شرسة على الرأس ثم أتى على حنجرته فقطعها من الوريد إلى الوريد , لكن عجبا كيف جاء ؟و كيف ذهب ؟ إني أظن أن أحدا لم يأت من الخارج , نظرت في المكان نظرة فاحص , كانت ليلة أمس ليلة ماطرة , رأيت أثر أقدام راحت و جاءت من المطبخ , نظرت في الأثر في غرفة المعيشة : اثر قدم بتسي و قدم والي في حذاء من القماش و قدم رجل آخر !

    لقد مشى ذاك الرجل فوق بقع الدم , فتعقبت هذه الآثار الدموية فرأيت واحدة على عتبة باب روبرت غرانت , و رأيت لطخة من الدم باهتة في الغرفة
    أما الشيء الآخر فإنني أمسكت حذاء غرانت و طابقته مع الأثر فرأيته منطبقا فعرفت أن القاتل كان فعلا من الداخل , لقد اعتقل غرانت من اجل التحقيق و كان يتجهز للسفر , هل تدري ماذا وجدت في حقيبته المخرومة ؟ لقد وجدت فيها التماثيل الثمينة و تذكرة , كان روبرت غرانت هر أبراهام بيغز الذي أدين بجريمة سابقة و اقتحام منزل قبل خمس سنين ..

    و نظر المفتش إلينا نظرة زهو و فخر و قال :
    - فماذا ترون آيها السادة ؟

    بوارو : جلاء القضية هكذا يثير الدهشة ! إن بيغز أو غرانت هذا أحمق , و يبدو انه غير متعلم , أليس كذلك ؟

    - ها , انه كذلك : فظ غليظ القلب , أمي لا يعرف ما معنى اثر القدم؟
    - من الواضح انه لا يدرك خيال رجل التحري ! حسنا , أهنئك أيها المفتش, لكننا نود لو نرى مسرح الجريمة
    - سوف نذهب معا و أريدكم أن تطلعوا على آثار الأقدام
    - هذا ما أريد أن أراه بعيني

    و انطلقنا خلف المفتش الذي كان يعدو أمامنا بخفة و نشاط , ثم جذبت بوارو إلي قليلا لأهمس في أذنه و لا يسمعني المفتش :
    - ماذا تتوقع يا بوارو ؟ هل في الأمر شيء آخر ؟
    - أجل يا صديقي , لقد اخبرنا السيد والي صراحة أن الأربعة الكبار يتعقبونه , إن كان غرانت قد فعلها فلماذا ؟ من اجل تمثال صغير ؟ أم هو جندي للأربعة الكبار ؟ و هذا ما أراه أنا ..

    هل كان غرانت يفهم قيمة هذه التماثيل ؟ ألم يكن يستطيع أن يسرقها و يهرب و لا يقدم على فعله المروع هذا ؟ إنني أخشى أن صاحبنا المفتش لم يشغل خلاياه الرمادية , بل قاس آثار الأقدام و غفل عن التفكير العميق و نسق أفكاره بأسلوب محكم رصين
    .................................................. .........








    إذا كان الأمس ضاع .. فبين يديك اليوم
    وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
    ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل
    واحلم بشمس مضيئه في غد جميل



  6. #6
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    الفصل الرابع

    أخرج المفتش مفتاحا من جيبه و فتح باب ((غرانيت بنغالو )) , و مسحنا أقدامنا تماما قبل الدخول

    أقبلت امرأة من بيت الجيران و كلمت المفتش , هز رأسه ثم قال لنا :
    - عاين المكان يا سيد بوارو و ابحث فيه كما تشاء , سأعود خلال عشر دقائق , هذا هو حذاء غرانت , لقد حملته حتى تقارنه بدمغة الأقدام

    و دخلنا غرفة المعيشة و كنت أسمع وقع أقدام المفتش وهو يبتعد خارجا , و اتجه إنغليز نحو بعض التحف الصينية يتفحصها , وقد أثارت اهتمامه , وبدا كأنه نسي بوارو

    و راقبت – بصمت – ما يفعله بوارو .. كانت الأرض مغطاة بمشمع أخضر قاتم تبين منه آثار الأقدام جليا , وفي البيت باب يؤدي إلى مطبخ صغير , و باب آخر إلى مغسلة الأطباق و باب أيضا إلى غرفة النوم التي تخص روبرت غرانت

    فحص بوارو البلاط ثم قال كأنما يخاطب نفسه :
    - هنا كانت الجثة ممدودة , بقع الدم تحدد المكان , آثار الحذاء القماشي و آثار أقدام أخرى .. هذا شيء عجيب ! آثار أقدام تجيء وتروح من المطبخ أيا كان القاتل فقد جاء حتما من هذه الطريق .. هيستنغز , أعطني الحذاء ..

    قارنه بعناية بآثار الأرض الواضحة :
    - نعم , هما طبق على بعضهما , روبرت غرانت دخل من هنا , قتل العجوز وعاد إلى المطبخ و مشى فوق الدم , هل ترى آثارا من المطبخ ؟ لا شيء في المطبخ هاما , هل ذهب إلى غرفته ؟ لا , عاد مرة أخرى إلى مسرح الجريمة , هل كان ذلك من أجل التماثيل أم أنه نسي شيئا قد يدينه ؟
    قلت : ربما قتل العجوز في المرة الثانية التي دخل فيها

    - كلا انك لم تلاحظ ذاك الأثر الملطخ بالدم و فوقه أثر آخر , إنني أعجب , لماذا عاد ؟هل من أجل التماثيل ؟كأن فكرة خطرت له من بعد ! كل شيء يبدو غريبا ..
    - حسنا انه يفضح نفسه بيأس كبير
    - ليس كذلك , بل هو يجعل خلاياي الرمادية في حيرة ..
    - ماذا عن المرأة العجوز ؟كانت في البيت وحدها بعد أن خرج غرانت للحليب , لعلها قتلته , ثم خرجت أو أن قدميها لم تتركا أثرا إذا لم تكن في الخارج
    - لقد بحثت هذه النظرية و رفضتها , بتسي آندروز امرأة محلية , إنها بنت القرية , لا يعقل أن تكون على صلة بالأربعة الكبار , ثم إن والي كان رجلا قويا , ناهيك أن هذا العمل من فعل رجل لا امرأة
    - أظن أن الأربعة الكبار لم يتبعوا حتى الآن وسيلة تختفي في السقف ثم تنزل بصورة آلية لتقطع حنجرة الرجل العجوز ثم تصعد إلى أعلى مرة أخرى و لا تترك أثرا !
    - مثل سلم جاكوب الحبلي ؟ أعلم يا هيستنغز أن لك خيالا واسعا , و لكنني أتوسل إليك كي تبقيه ضمن الحدود المعقولة

    أغلقت فمي خجلا و استمر بوارو في التجوال في المكان : يقتحم الغرف , يعبث بالخزائن , يقلب الأشياء و قسمات وجهه تنطق بالحيرة و عدم الرضى .. و فجأة أصدر صرخة مثيرة كصرخة كلب بولندي فانطلقت إليه مذهولا فألفيته في غرفة حفظ الأطعمة في مشهد درامي و يده تمسك فخذا من لحم الضأن و يلوح بها ! صرخت بعطف :
    - عزيزي بوارو ماذا دهاك ؟ مس أم جنون ؟
    - أرجوك انظر إلى قطعة الضأن هذه , انظر إليها عن قرب

    نظرت إليها بإمعان و جعلت أقترب منها لكني لم أر فيها شيئا ..
    - قطعة من اللحم كغيرها كل ما فيها مثل سواها ..

    قلت له ذلك و أنا تأكلني الشكوك و الحيرة من هذا الموقف

    - و لكن ألا ترى ؟..

    و كانت يده تعبث بالثلج المتراكم عليها , لقد اتهمني بوارو بسعة الخيال , لكن خيالي عاجز عن تفسير سبب اهتياجه , هل كان الثلج أطباقا بلورية من السم القاتل ؟ هل هذا هو الوجه الذي عرفته بعد جهد , لكني لم أجرؤ على البوح بما في صدري فقلت بلطف :

    - هذا لحم مجمد مستورد من نيوزلندا

    و انجر بوارو بضحكة غريبة تنز سخرية و تهكما :
    - كم هو رائع صديقي هيستنغز واسع الإطلاع يكاد يعرف كل شيء

    قالها ووضع لحم الضأن في طبقه مرة أخرى و خرج أطل من الشباك ثم قال :
    - ها هو المفتش , لقد رأيت كل ما أريده

    ضرب بقبضة يده على الطاولة وهو شارد الذهن ثم سألني :
    - ما اليوم يا صديقي؟
    - الإثنين
    - الإثنين , نعم , هذا اليوم ارتكبت جريمة مروعة ! – حدق إلى ميزان الحرارة - .. الجو معتدل , هذا يوم إنكليزي صيفي !

    مازال انغليز يتفحص قطع الفخار الصيني المختلفة كأن الأمر لا يعنيه , خاطبه بوارو :
    - كأنك غير مهتم بهذا التحقيق يا سيدي ..

    تبسم انغليز :
    - انه ليس من شأني , أنا خبير أمور أخرى , حسبي أن أقف بعيدا في الخلف , لقد تعلمت في الشرق أن أصبر

    دخل المفتش مسرعا وهو يعتذر و أقسم علينا أن نخرج إلى المناطق المجاورة , فنزلنا إلى شارع القرية معا , قال بوارو :
    - إنني أقدر فيك لطف المعاملة و دماثة الخلق و لكن لي مطلبا عندك !
    - ربما تريد رؤية الجثة يا سيدي ؟
    - كلا ليس هذا , بل أرغب في مقابلة روبرت غرانت !
    - إذن فلتعد معي إلى مورتون لتراه يا سيدي
    - أفعل , لكني أريد لقاءه وحده
    - لا أستطيع أن أعد بذلك يا سيدي
    - تأكد أنك إذا اتصلت بسكوتلانديارد فسوف تجد الجواب الحسن
    - قطعا , لقد عرفناك يا سيدي و عرفنا خدماتك الجليلة , لكن هذا مخالف للقانون
    - لكنه ضروري , ضروري جدا , أتدري لماذا ؟ لأن غرانت ليس هو القاتل

    تجهم المفتش و قد أذهله الحديث :
    - ماذا فمن إذن ؟
    - أظن القاتل رجلا شابا جاء إلى غرانيت بنغالو يجر عربته , ثم تركها في الساحة ودخل و فعل فعلته , ثم خرج إلى عربته و قفل عائدا , كان حاسرا الرأس و ثيابه ملطخة بالدماء قليلا ..
    - لكن كل القرية سوف تراه ؟
    - لن يحصل ذلك في ساعة ما
    - ربما في الظلام لكن الجريمة تمت في وضح النهار !

    اكتفى بوارو بابتسامة خفيفة ..
    - و الحصان و العربة يا سيدي , لا أدري ما هذا الذي تقول ؟ لم تمر على الطريق عربات ذات عجلات , ولا أثر لها رأيناه !
    - ربما لم تستطع عيون الناس رؤيتها لكن عين العقل تستطيع , نعم

    لم يبد المفتش قناعة بهذا القول و مسح جبهته بيده و نظر إلي وهو يبتسم ابتسامة عريضة , كنت محتارا مثله , و لكني كنت على ثقة تامة بقدرة بوارو فلم استطع الحديث , و ما زال النقاش في المسألة حتى وصلنا إلى مورتون

    و ذهبنا إلى غرانت , كان الأمر يلزمه شرطي معنا , و تكلم بوارو في الأمر صراحة :
    - غرانت , أعرف أنك بريء من هذه الجريمة فاسرد علي الحكاية كلها

    كان السجين رجلا متوسط الطول , ملامحه تدعو إلى النفور و لا تبعث الطمأنينة , بدا كأنه رجل يألف السجون , انتحب و قال :
    - أقسم برب الملائكة أني لم أفعل ذلك أبدا , شخص ما وضع هذه التماثيل في حقيبتي , لقد كانت مكيدة , و الذي حدث أنني ذهبت مباشرة إلى غرفتي عندما دخلت إلى البيت ما كنت أعلم شيئا حتى صرخت بيتسي .. ساعدني يا رب فإني لم أفعلها

    نهض بوارو كأنه يريد المغادرة , قال :
    - إن لم تستطع أن تقول الحقيقة كاملة فإن هذه هي النهاية
    - و لكن ..
    - لقد ذهبت إلى الغرفة حقا , لكنك كنت تعلم أن سيدك كان ميتا , و كنت تستعد للفرار حين عرفت بيتسي الطيبة هذه الفعلة المفزعة

    حدق الرجل إلى وجه بوارو بذهول تام , قال بوارو :
    - ماذا أصابك ؟ سأقول لك كلمة أخيرة : صدق أن هذه هي فرصتك الأخيرة إن كنت صريحا
    - سأعترف بالحقيقة , لقد كان الأمر كما قلت تماما : دخلت و ذهبت مباشرة إلى السيد فوجدته ميتا على الأرض و الدماء حوله , ثم خطر ببالي أنهم سيكشفون صحيفتي السابقة , و يقولون حتما بأنها من فعلتي قبل أن يعرفوا الجاني !
    - و ماذا عن التماثيل ؟

    تردد الرجل :
    - أنت ترى ..
    - لقد أخذتها بدافع الغريزة ,أليس كذلك ؟ سمعت سيدك يقول بأنها قيمة و أردت أن تأخذ أكثر من حقك , إني أفهم ذلك .. الآن أجبني عن هذا السؤال : هل سرقتها في المرة الثانية التي دخلت فيها الغرفة ؟
    - لم أذهب مرة ثانية , مرة واحدة فقط ..
    - هل أنت متأكد ؟
    - نعم .. متأكد بلا ريب يا سيدي !
    - حسنا متى خرجت من السجن ؟
    - قبل شهرين ..
    - كيف تدبرت هذا العمل ؟
    - من إحدى جمعيات مساعدة السجناء , قابلني أحد رجالها حين خرجت
    - ماذا كان شكله ؟
    - ليس قسيسا لكنه بدا كذلك : قلنسوة سوداء ناعمة , طريقته في المشي مبالغة , له سن مكسور , يلبس نظارة , كان يسمي نفسه سوندرز , قال لي : ((آمل أن تكون نادما وقد وجدت لك عملا مناسبا !)) و ذهبت إلى العجوز بتوصية منه
    - شكرا , الآن فهمت كل شيء , و عليك أن تصبر قليلا .. – و خطا خطوات ثم التفت – إن سوندرز أعطاك حذاء , أليس كذلك ؟

    ارتعد غرانت من المفاجأة :
    - يا إلهي ! هذا صدق ! لقد أعطاني حذاء و لكن كيف عرفت ؟
    - تلك هي مهنتي .. كشف الخفايا

    و بعد حديث قصير مع المفتش قمنا ثلاثتنا إلى مطعم ((وايت هارت )) و كانت جلسة عامرة بالنقاش حول البيض و اللحم و عصير تفاح ديفونشير , و سأل انغليز بوارو بلطف :
    - ألا من توضيح في النهاية ؟
    - بلى القضية واضحة تماما لكن يصعب إثباتها , قتل والي بأمر من الأربعة الكبار لا بيد غرانت , في القضية رجل ذكي استطاع أن يدبر عملا لغرانت لكي يجعله كبش فداء و يصبح الأمر سهلا بسبب سجل غرانت الإجرامي

    أعطاه زوجا من الأحذية و عنده حذاء مطابق تماما , و الذي حدث أن غرانت خرج من البيت كعادته , و خرجت بتسي تثرثر في الرقية , و ربما كانت تفعل ذلك دائما جاء صاحبنا و في رجله الحذاء المطابق و دخل المطبخ و عبره إلى غرفة المعيشة و أسقط الرجل العجوز بضربة قاسية ثم عمد إلى حنجرته فقطعها , ثم عاد إلى المطبخ و خلع الحذاء و لبس حذاء آخر و صعد إلى عربته آمنا و مضى ..

    نظر انغليز إلى بوارو نظرة تساؤل ..

    - لا يزال عندنا أسئلة تطالب بالأجوبة .. لماذا لم يره أحد ؟
    - نعم , هنا يكمن ذكاء رقم ((4)) , كل الناس قد رأوه , تأكد , لكنهم أقسموا أنهم لم يروا أحدا, و هنا يجب أن نكشف شيئا : أنه كان يقود عربة الجزار ..

    صاح انغليز و قد استحسن هذا الرأي :
    - هذا الشرير اللعين !
    - نعم , ذاك رقم ((4)) كم هو ذكي

    و همست :
    - ذكي مثل هيركيول بوارو ؟

    رمقني بنظرة قاسية :
    - تبدو منك كلمات ساخرة , ينبغي أن تنتهي يا هيستنغز , ألم أنقذ رجلا ؟ إن هذا يكفي ليوم واحد
    الفصل الخامس

    عندما برأ المحلفون روبرت غرانت صاحب السجل المنحول لبيغز من جريمة قتل جوناثان والي كان ذلك مخالفة لظنون المفتش ميدوز الذي لم يكن قانعا ببراءته , فهو صاحب سجل إجرامي , و التماثيل وجدت في حقيبته , و حذاءه جاء مطابقا للآثار التي خلفتها قدما الجاني , كل هذا في الحقيقة يدعو إلى قلق المفتش الكبير

    لكن بوارو استطاع إقناع هيئة المحلفين بعد أن فرض بقوة شهادته ضد رغبة المفتش , فقد قدم شاهدين رأيا عربة الجزار و هي تسير نحو بيت البنغالو صباح ذاك الاثنين الذي تمت فيه الجريمة , و عند استجواب الجزار اعترف أن عربته تذهب هناك يومي الأربعاء و الجمعة فقط

    و اعترفت إحدى نساء القرية أنها رأت الرجل الجزار و هو يغادر البنغالو , و هي لم تستطع أن تقدم وصفا مفيدا له, لكنها ما زالت تذكر شيئا قد علق في ذهنها :أنه رجل أوسط الطول حليق اللحية أشبه بالجزار تماما

    قال بوارو لي بعد المحكمة :
    - تماما كما أخبرتك يا هيستنغز , أن هذا الرجل فنان لا يخفي شخصيته بلحية مزيفة و نظارة سوداء فحسب , فهذا أقل دور يتبعه الرجل المحترف , بل يستطيع أن يعيش متقمصا دوره بإتقان و عناية

    أجد في نفسي رغبة أن أعترف أن الرجل الذي زارنا من هانويل استطاع خداعي , لقد بدا ظاهره يليق تماما بوظيفة قيم المصحة العقلية , لم يخطر ببالي ذرة من الشك في صدق شخصيته

    كان كل شيء يثير الشك , لكن خبرتنا الضئيلة في دارتمور لم تسعفنا بتاتا , حاولت أن أجادل بوارو و لكنه لم يكن يعترف أننا لم نكتسب شيئا البتة و قال :
    - نحن نتقدم يوما فيوم ,كلما تماسسنا مع هذا الرجل تعلمنا شيئا جديدا عن أسلوبه و تفكيره و هو لا يعرف عنا و لا عن خطتنا شيئا

    قلت أعارضه :
    - صراحة لا يبدو أن عندك خطة , كل ما في الأمر انك تجلس تنتظره أن يفعل هو شيئا ..

    تبسم بوارو ابتسامة فيها سخرية ثم قال :
    - يا صديقي , أنت كما أنت, لن تتغير يا هيستنغز .. - و سمع طرقا على الباب - .. ربما تكون هي فرصتك , لعله صاحبنا المنتظر !

    ضحك بوارو من خيبتي عندما دخل المفتش جاب و معه رجل , قال المفتش :
    - مساء الخير يا سيد بوارو , اسمح لي أن أعرفك الكابتن كنت رجل الاستخبارات السرية الأمريكية

    كان الكابتن كنت رجلا طويلا نحيفا , له وجه ذو ملامح جامدة كأنه نحت من الخشب , قال و هو يصافحنا بقوة :
    - تسرني رؤيتكما أيها السيدان

    أضاف بوارو قليلا من الحطب في الموقد المشتعل و جلب كراسي أخرى أكثر راحة و ذهبت أنا أحضر عصير البرتقال ..
    قال الكابتن بعد أن رشف رشفة عميقة من العصير البارد :
    - القانون عندكم ميزته الثبات , فهو لم يتغير منذ فترة طويلة

    قال جاب : و الآن إلى العمل أيها السادة , لقد طلب مني السيد بوارو أن أخبره – في أي وقت – إذا ذكر اسم الأربعة الكبار في عملي الرسمي , و لم أهتم كثيرا بهذا , لكنني ذكرت حين جاءني الكابتن كنت و قص علي قصة غامضة تثير التساؤل فقررت عندها أن نأتي سريعا إلى بيت بوارو

    نظر بوارو إلى الكابتن الأمريكي بإمعان عندما بدأ يسرد القصة :
    - لعلك تتذكر يا سيد بوارو أن عددا من المدمرات و قوارب الطوربيد غرقت في البحر اثر اندفاعها الغريب ناحية الساحل الصخري على شواطئ أمريكا , و كان ذلك عقب الزلزال الياباني تماما كان التأويل العام لتلك الحادثة يومئذ أنها كانت نتيجة لموجة بحرية شديدة أعقبت ذاك الزلزال الرهيب , و لكن قبل و قت قصير اعتقلت شرذمة من المحتالين و القراصنة , و ضبط في حوزتهم بعض الوثائق التي أدت إلى فتح ملف القضية مرة أخرى و أخذت المسألة بعدا أخر أظهر أن الوثائق تخص منظمة مخفية تدعى ((الأربعة الكبار ))

    لقد احتوت تلك الوثائق وصفا غير واف لبعض المنشآت اللاسلكية التي تعمل من أجل تركيز قوة مغناطيسية هائلة على بعد مسافة معينة أبعد من أي مسافة معينة أبعد من أي مسافة بلغتها , و هي قادرة على تركيز إشارة لاسلكية ذات تردد عال فوق منطقة ما , لقد بدت هذه المزاعم حول إنجاز كهذا أقرب إلى الخيال , لكنني حولتها إلى القيادة من أجل الاطلاع و الدراسة , ثم تولى الأمر عالم أمريكي كبير لدراسته و كشف حقيقته

    الجدير بالذكر أن أحد علمائكم الإنكليز أنجز بحثا في هذا الأمر أمام الجمعية البريطانية , و لم يقدر زملاؤه خطر هذا الأمر حق التقدير , و كانوا جميعا على رأي واحد : أن هذا خيال حتما

    لكن هذا العالم ظل عرضة للهجوم و الملاحقة لا سيما حين أعلن أنه يوشك أ ينجح

    بوارو – باهتمام بالغ - : حسنا , أكمل يا كابتن ..

    - أشير علي أن أزور إنكلترا من أجل مقابلة هذا الرجل العالم – و اسمه هاليدي – صاحب الخبرة الغزيرة في هذا الشأن من أجل أن أعلم كيف يمكنه أن ينفذ نظريته

    سألته بلهفة : و هل تم ذلك ؟
    - كلا لم أستطع رؤية الخبير هاليدي اختفى في ظرف غامض
    - متى ؟
    - قبل شهرين
    - هل أبلغتم الشرطة ؟
    - حتما لقد أقبلت زوجته علينا و هي في اضطراب و قلق شديد , و حاولنا أن نبذل كل ما في طاقتنا لكنني كنت أعلم أن ذلك عديم الجدوى
    - عديم الجدوى ؟ لماذا ؟

    طرقت عينا جاب قبل أن يتكلم :
    - عديم الجدوى إذا اختفى رجل هكذا بهذه الطريقة
    - أية طريقة ؟
    - إنها باريس !
    - هاليدي إذن اختفى في باريس ؟
    - أجل ذهب إليها في مهمة علمية , هكذا أخبر زوجته . لكننا نفهم معنى اختفاء رجل في باريس , فإما أن يكون اعترضه قاطع طريق فانتهى أمره , أو انه اختفى بإرادته هو , و هذا يبدو أرجح : رجل مولع بالملذات الباريسية , سئم الحياة في وطنه ؛ لأن هاليدي قد تنازع مع زوجته قبل سفره و هذا وضح الحكاية

    قال بوارو و على وجهه علامة الاستنكار :
    - هذا شيء عجيب !

    كان الرجل الأمريكي ينظر إلى بوارو بشيء من الفضل ثم تكلف في لهجته و هو يطرح سؤاله :
    - هل لك يا سيدي أن تخبرنا من هم الأربعة الكبار ؟
    - الأربعة الكبار منظمة دولية زعيمها صيني يدعى رقم ((1)) أما رقم ((2)) فهو رجل أمريكي ثري , رقم ((3)) امرأة فرنسية , رقم ((4))المدمر , رجل إنكليزي

    صفر كنت عجبا و قال :
    - امرأة فرنسية و هاليدي قد اختفى في فرنسا ! ربما كان بينهما علاقة , ما اسمها ؟
    - لا أدري , إني لا أعرف عنها شيئا
    - لكنها نظرة جديرة بالملاحظة , أليس كذلك ؟

    هز بوارو رأسه موافقا و يده تمتد إلى الطاولة الصغيرة تصف كؤوس العصير , تلك هي عادته : يحب النظام و التنسيق ! و قال كنت :
    - هل الأربعة الكبار من عمل الألمان ؟ وهل لهذه المنظمة علاقة بغرق الزوارق ؟
    - الأربعة الكبار يعملون من أنفسهم و من أجل مصالحهم فقط أيها الكابتن , هدفهم هو الهيمنة على العالم

    انفجر الأمريكي بضحكة صاخبة لكنه قطعها حين لمحت عيناه وجه بوارو صارما جادا , و قال بوارو بتهكم و سخرية :
    - أنت تضحك يا سيد , أنت لا تفكر , أنت لا تستعمل خلايا دماغك الرمادية

    قال جاب : و الآن بعدما سمعت قصة الكابتن هل أستطيع خدمتك بشيء ؟
    - نعم , أريد عنوان السيدة هاليدي و تعريفا موجزا لها إن سمحت

    في صباح اليوم التالي كنا نحث الخطى إلى شيت ويندلودج قرب قرية شوبهام , حيث كان في استقبالنا السيدة هاليدي فورا , كانت امرأة طويلة شقراء , حادة المزاج و الحركة , معها طفلتها الصغيرة الجميلة في الخامسة من عمرها . سمى بوارو نفسه و أوضح سبب الزيارة ..


    - ها ! سيد بوارو , كم يسعدني مقدمك! أشكرك أشكرك , لقد سمعت عنك كثيرا , فأنت تختلف كثيرا عن رجال سكوتلانديارد هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون الحقيقة , و الشرطةالفرنسية و هم أسوأ , كلهم مقتنعون أن زوجي قد هم زوجي هو عمله المخبري , نصف شجارنا كان من أجل ذلك , فهو يحفل بعمله و لا يحفل بي !

    بوارو – بهدوء - : هم كذلك الرجال الإنكليز : انشغال في العمل أو الرياضة , انهم يحملون الأمور بجد كبير ! و الآن يا مدام هلا سردت علي القصة بشيء من التفصيل و الدقة و بما رأيت و سمعت قدر استطاعتك و ظروف الاختفاء إذا أمكنك ذلك ؟

    - زوجي ذهب إلى باريس يوم الخميس 20/7 , كان يريد مقابلة رجال كثر لهم صلة بعمله و زيارتهم , و منهم مدام أوليفير ..

    هز بوارو رأسه لما سمع اسم الكيمياوية الفرنسية الشهيرة التي فاقت شهرتها العملية شهرة مدام كوري بما أنجزت بذكاء , لقد قلدتها الحكومة الفرنسية وساما رفيعا و أصبحت أبرز علماء فرنسا المعروفين .

    - وصل باريس في المساء و قصد من فوره فندق كاستيج ليون و في صبيحة اليوم التالي كان على موعد مع الخبير بورجونوا الذي وفى بوعده كان سلوكه عاديا و بهيجا , و كان بينهما حديث جاد هام , ثم كان ضروريا أن يذهب زوجي إلى مختبر الخبير في اليوم التالي كي يرى تجاربه

    أكل الغذاء في مقهى رويال وحده , ثم ذهب يتمشى في بوا , ثم زار مدام أوليفير في بيتها في باسي , و كان هناك طبيعيا تماما , ثم غادر منزلها في الساعة السادسة و لم يعرف أحد أين أكل عشاءه , ربما في أحد المطاعم وحده !

    وصل الفندق حوالي الساعة الحادية عشرة , و ذهب إلى غرفته بعد أن سأل إن كانت قد وصلته أي رسائل , ثم في صباح اليوم التالي خرج من الفندق ماشيا و لم يشاهد بعدها !

    - متى غادر الفندق ؟ في الساعة المعتادة لكي يلتزم بموعده في مختبر الخبير بورجونوا ؟
    - لا نعرف على وجه الدقة ,لم يره أحد و هو يغادر الفندق , لكن طعام الإفطار لم يقدم له إذن فقد خرج مبكرا ..
    - أليس يجوز أنه خرج مرة أخرى في الليلة التي عاد فيها ؟
    - لا أظن , لقد ظهر من سريره أنه نام عليه , ناهيك أن موظف الفندق لا بد أن يلمح أي زبون يخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل
    - تلك مجرد ملاحظة مجردة يا مدام ,لعلنا نعتمد الرأي القائل بأنه خرج مبكرا , و هذا فيه طمأنينة من جهة واحدة : أنه لم يقع ضحية قطاع الطرق في باريس , لكن هل ترك خلفه أمتعته كلها ؟

    بدت السيدة هاليدي كأنها كرهت الجواب لكنها قالت أخيرا :
    - لا بد أنه أخد معه حقيبة الأوراق الصغيرة

    قال بوارو و هو شارد في برهة تفكير عميق :
    - عجبا ! أين كان ذلك المساء ؟ لو أجيب هذا السؤال كشفنا أشياء كثيرة , من الذين قابلهم ذلك المساء ؟ هنا يكمن الغموض , ليس علي أن أقبل رأي الشرطة , فهم – غالبا – يبحثون عن المرأة , لكن شيئا قد وقع في تلك الليلة فغير زوجك برنامجه .. قولي لي : حين سأل عن الرسائل حين عودته إلى الفندق ألم يستلم رسالة ؟
    - واحدة فقط, الرسالة التي كتبتها له يوم سافر من إنكلترا

    ظل بوارو في تفكيره لحظات , ثم نهض فجأة و انتصب قائلا :
    - حسنا يا مدام , السر في باريس , و لكي نجد الحل لا بد من السفر إلى باريس , سوف أذهب أنا هناك
    - لقد انقضى زمن طويل منذ ذلك يا سيد بوارو !
    - نعم , لكن ينبغي أن نبحث هناك

    و قام إلى الباب مغادرا لكنه التفت بعدما أمسك مقبض الباب قائلا :
    - ألا تذكرين يا مدام أن زوجك ذكر كلمة ((الأربعة الكبار )) ؟

    - .. ((الأربعة الكبار )) .. ((الأربعة الكبار )) .. كلا لا أذكر



    الفصل السادس

    بدأنا صباح اليوم التالي رحلتنا باتجاه باريس , و قال لي بوارو بكآبة :
    - الأربعة الكبار يدفعونني إلى العمل دفعا , أصعد و أنزل في كل مكان مثل صديقنا القديم صائد الثعالب

    كان يقصد جيرود أكثر رجال الأمن شهرة في فرنسا و الذي قابله أكثر من مرة , فقلت :
    - ربما تقابله في باريس !

    تجهم وجه بوارو ثم قال :
    - أرجو الله خالصا ألا أنعم برؤيته , فأنا لم أكن على وفاق مع ذلك الرجل و هو لا يحبني !
    - و لكن مهمتك يا بوارو شاقة إذ تبحث عن رجل إنكليزي مجهول مضى على اختفائه نحو شهرين
    - بالتأكيد يا صديقي , إنها مهمة صعبة جدا ! لكنك لا تعرف جيدا أن بوارو رجل يعشق المغامرة و يهوى الصعاب و يستمتع بحلها !
    - هل تظن أن الأربعة الكبار هم الذين اختطفوه ؟
    - نعم

    كان ضروريا أن نزور الأماكن و نتأكد من المعلومات و التحقيقات القديمة , لكننا لم نستطع الزيادة على ما أخبرتنا به مدام هاليدي
    بوارو التقى الخبير بورجونوا مطولا من أجل معرفة أي شيء عن برنامج هاليدي لقضاء ذاك المساء المشؤوم لكن دون جدوى

    المحطة الثانية هي مدام أوليفير ..
    كان المكان مثيرا , شعرت بإحساس غريب يسيطر علي و نحن نصعد عتبات قصرها الجميل في باسي , و قد أصابني ذهول أن امرأة تصل إلى هذا الحد البعيد من العلوم البحتة , كنت أحسب أن هذا الميدان حكر على الرجال , و أن هذا الإنجاز العلمي لا يتقنه إلا عقول الرجال

    فتح الباب خادم فتى صغير لم يتجاوز السابعة عشر فذكرت صورة مساعد الكاهن من طريقته و حركاته التي تشبه الطقوس الدينية الكهنوتية

    هذه المقابلة تمت بعد جهد كبير لتثبيت موعد مع مدام أوليفير ؛التي لا تكاد تستقبل أحدا , فهي في شغل دائم بحثا و تجارب طوال اليوم

    دخلنا القصر و سرنا نحو صالة صغيرة , و في الحال جاءت سيدة القصر تستقبلنا .. طويلة , فارعة الطول , عليها رداء أبيض طويل أضفى عليها بهاء و مهابة , و كانت تعتمر بقلنسوة ممرضة

    كان وجهها يميل إلى الطول و فيه شحوب مميز , عيناها سوداوان بنظرات ثاقبة تشتعل نزقا و حدة

    بدت عندئذ كأنها قديسة أتت من التاريخ لا امرأة فرنسية عصرية , و كان أحد خديها ذا أثر من جرح أو حرق فذكرت ذاك الحادث الذي أدى إلى مقتل زوجها و اثنين من العاملين معه اثر انفجار في مختبره قبل ثلاثة أعوام و قد أصيبت هي بحروق بالغة , و منذ ذلك الحين اعتزلت الناس و انصرفت لأبحاثها العلمية بطاقة عجيبة و عزيمة ملتهبة

    كان استقبالها مؤدبا و فاترا بعض الفتور , ثم قالت بوقار :
    - قابلني رجال الشرطة عديدا أيها السيدان , و يبدو أنني لا أستطيع لكما عونا ؛لأن ليس عندي غير هذا
    - مدام أوليفير , ربما أسألك أسئلة مختلفة تماما , و لكي لا نضيع الوقت دعيني أسأل هذا السؤال : فيم كنت تتحدثين أنت و السيد هاليدي ؟

    تفاجأت من سؤاله :
    - في عملي قطعا و في عمله كذلك
    - هل خاض نظرياته التي كانت ضمن بحثه الذي قدمه أمام الجمعية البريطانية أخيرا ؟
    - قطعا , هذا كان أساس حديثنا
    - كانت أفكاره خيالا أليس كذلك ؟
    - كثير من الناس يظنون ذلك لكني لا أوافقهم
    - إذن أنت تعدينها قابلة للتطبيق ..
    - حتما , حتما , و بصورة نموذجية و هذا هو محور أبحاثي التي أعكف عليها لأنجزها مع اختلاف في الطريقة , ذات مرة كنت أعالج أشعة جاما بمادة تدعى (راديوم سي ) و هي عنصر غازي ناتج عن الراديوم فرأيت نتيجة عجبا أثارت اهتمامي , و هي في حقيقتها تتعلق بالطبيعة الفعلية للقوة التي نسميها القوة المغناطيسية , لكن الوقت لم يحن لإعلان أبحاثي هذه على الملأ . و لقد أفدت من السيد هاليدي ووجهات نظره التي أثارت اهتمامي كثيرا

    هز بوارو رأسه موافقا ثم سألها سؤالا أثار دهشتي :
    - مدام أوليفير أين تباحثتما ؟ هنا في هذا المكان ؟
    - كلا يا سيد بوارو بل في المختبر
    - هلا نظرت إلى المكان ؟
    - بالتأكيد , تفضل

    و سارت أمامنا إلى الباب الذي دخلت منه , حيث عبرنا ممرا قصيرا يؤدي إلى المختبر الكبير الذي كان يمتلئ بالأدوات المخبرية و الأكواب الزجاجية و الأجهزة التي لا أستطيع حفظ أسمائها , و كان فيه شخصان منشغلان سمتهما مدام أوليفير لنا :
    - الآنسة كلودي إحدى مساعداتي القديرات ..

    انحنت لنا , كانت فتاة طويلة شابة ذات وجه حاد ..
    - السيد هنري : صديق قديم ثقة

    كان شابا قصيرا أسمرا , انحنى لنا باحترام كان بوارو يستطلع المكان بعينيه فرأى بابين آخرين للمختبر يوصل أحدهما إلى حديقة القصر الخلفية , و الآخر إلى غرفة أبحاث أخرى صغيرة

    أعرب بوارو عن شكره لمدام أوليفير و تساءل و هو يعود إلى الصالون :
    - مدام , هل كنتما وحدكما أثناء اللقاء ؟
    - نعم , مساعداي كانا في غرفة الأبحاث الصغيرة
    - و هل أمكنهما الاستماع إلى حديثكما هما أو غيرهما ؟
    - لا أظن , ذلك حتما غير جائز , الأبواب كلها كانت مغلقة
    - ربما يختبئ شخص ما في هذا المكان
    - في الزاوية هناك خزانة كبيرة لكنها فكرة سخيفة
    - حسنا , بقي لدي سؤال: هل ذكر السيد هاليدي أي ملاحظة عن برنامجه ذاك المساء ؟
    - بتاتا , لم يذكر شيئا من هذا

    قام بوارو شاكرا يودعها بلطف و احترام , و اعتذر إن كان قد أحدث إزعاجا مفاجئا بما يلي عليه واجبه نحو عمله الشاق المضني

    كنا نهم بالخروج من الصالة عندما دخلت من باب القصر امرأة صعدت بسرعة نحو الدرج دون أن تبدي بنا اهتماما , و قد دل ثوبها الأسود على أنها أرملة فرنسية

    أثارت طريقة دخول هذه المرأة إلى المنزل اهتمام بوارو فأبدى استغرابا:
    - امرأة غير طبيعية , تثير التساؤل و العجب !
    - مدام أوليفير ؟ نعم إنها ..
    - كلا يا هيستنغز لا أعني مدام أوليفير , تلك المرأة نادرة ذات شخصية فذة ربما يفتقد العالم أمثالها , لكني أعني هذه المرأة التي رأيناها على الدرج

    قلت بدهشة :
    - لكنني لم أستطع رؤية وجهها و لا أظنك كنت قادرا أن تستبين ملامحها , إنها لم تلتفت إلينا ...

    بوارو –بهدوء- : هذا هو السبب الذي جعلني أقول ذلك .. امرأة تدخل البيت كأنه بيتها , معها مفتاح الباب , و تركض بسرعة نحو أعلى الدرج دون أن تنتبه لزائرين غريبين في البيت . هذا أمر غير طبيعي يدعو إلى الإثارة و الدهشة ,أمر غريب حقا !

    امتدت يد بوارو نحوي بقوة و جذبني بسرعة إلى الخلف في وقت مناسب تماما فقد انهالت شجرة سرو ضخمة كانت تنتصب في صف الأشجار الذي يحادي الممر الذي كنا نسير فيه و كادت تهوي على رأسينا , جمدنا في المكان و كلنا رعب و دهشة , كان وجه بوارو شاحبا ثم قال بانزعاج :
    - كانت قريبة منا جدا ذلك عمل أحمق طائش , لم أكن أتوقعه يوما لكن عيني كانت بالمرصاد , كاد بوارو أن يختفي من الوجود فتحل عندئذ في العالم كارثة مفجعه ! و أنت أيضا يا صديقي , لكن موتك لن يكون مصابا وطنيا على كل حال

    فقلت ببرود :
    - شكرا على هذا التقدير , دعنا من هذه الثرثة الجوفاء , ماذا تريد أن تفعل الآن ؟
    - الآن , نعم نعم , يجب أن نفكر لندرب خلايانا الرمادية , هل كان السيد هاليدي في باريس حقا ؟ نعم ؛ لأن الخبير بورجونوا الذي يعرفه رآه و كلمه صباح الجمعة , و كانت آخر مرة شوهد فيها الساعة الحادية عشر من مساء الجمعة , لكن هل شوهد وقتئذ حقا ؟ و من ذا رآه ؟
    - حمال الفندق ..
    - حمال المناوبة الليلية الذي لم ير هاليدي من قبل ؟ انه رأى رجلا يشبه هاليدي تماما , إنني أثق بقدرة رقم ((4)) على تقمص هذا الدور .. يسأل عن الرسائل , يصعد إلى أعلى يحمل حقيبة أوراق صغيرة , ثم ينسل في صباح اليوم التالي باكرا , لم يشاهد أحد السيد هاليدي مساء يوم الجمعة ؛ لأنه كان قد وقع في أيدي أعدائه !

    هل كان الرجل الذي التقته مدام أوليفير هو هاليدي ؟ نعم رغم أنها لم تكن تعرفه من قبل , لأنه من الصعب على الذي ينتحل شخصيته أن يخدعها في شأنها العلمي المتخصص , جاء هنا و قابلها ثم غادر , فماذا بعد ذلك ؟

    أمسك بوارو بذراعي و عاد أدراجه إلى الخلف ..
    - الآن تخيل أن هذا اليوم هو الذي أعقب يوم اختفائه , دعنا نتتبع أثر الأقدام , أنت تحب آثار الأقدام , أليس كذلك ؟ انظر هنا , هذه قدم رجل تتجه نحو اليمين تتبعه قدم صغيرة مسرعة , قدم امرأة شابة تلبس حجاب الأرملة تلحقه و تناديه : (( سيدي , مدام أوليفير تريد أن تتحدث معك )) , يتوقف فيدور , تقوده المرأة الشابة , لكن , إلى أين ؟

    لم يكن مصادفة أن المكان الذي لحقت به فيه هو الذي يتفرع منه ممر آخر , قالت له : (( هذه الطريق أقصر يا سيدي ))

    عن اليمين حديقة بيت مدام أوليفير , و عن اليسار حديقة منزل الجيران , و من تلك الحديقة سقطت شجرة .. بابا الحديقتين يفتحان على الممر .. الكمين هناك : رجال يخرجون و يغلبونه و يحملونه إلى الفيلا الغريبة !

    صرخت مذهولا :
    - تريد مقابلة مدام أوليفير مرة أخرى ؟

    تبسم بوارو باستخفاف :
    - كلا يا هيستنغز , بل مقابلة المرأة التي رأيناها على الدرج
    - من تراها تكون قريبة مدام أوليفير ؟
    - الغالب أنها سكرتيرتها , وربما وظفت من زمن قريب
    - هلا أخبرتني باسم الأرملة التي دخلت قبل قليل ؟
    - مدام فيرونوا سكرتيرة المدام ؟
    - نعم هي , هلا طلبت منها أن تظهر قليلا لنحدثها ؟

    توارى الفتى قليلا ثم أتى مرة أخرى

    - عذرا , مدام فيرونوا ليست هنا !
    - بل هنا , لكن أخبرها اسمي هيركيول بوارو و قل لها : من الضروري أن أراها الآن ؛ إني ذاهب إلى مدير الشرطة حالا ..

    دخل الرسول مرة أخرى , و بعد برهة جاءت المرأة و دخلت المجلس فتبعناها , أماطت حجابها فكشف وجها نعرفه : إنها الخصم القديم – الكونتيسة الروسية – العقل المدبر لعملية سرقة المجوهرات الكبيرة في لندن , قالت :
    - أصارحكما , عندما نظرت إليكما في الصالة توقعت العاقبة الأسوأ !
    - عزيزتي الكونتيسة روساكوف ...

    هزت رأسها معترضة :
    - الآن أنا إنز فيرونوا , إسبانية متزوجة من فرنسي .. ماذا تريد مني يا سيد بوارو؟ قد سبق أن اصطدتني في لندن و الآن تلاحقني في باريس ؟ هل ستخبر مدام أوليفير ؟ نحن الروس مساكين لنا حق العيش أيضا !
    - الأمر شديد الخطورة , أعتزم أن أدخل بيت الجيران و أحرر السيد هاليدي إن كان حيا , أنا عرفت كل شيء ..

    لاحظت شحوبا قاتلا على وجهها , عصف بها ذهول قوي لكنها ملكت نفسها بعزم :
    - انه ما زال حيا لكنه ليس هنا , ما قولك أن نبرم بيننا عهدا : لي الحرية و لك السيد هاليدي حيا في صحة جيدة ؟
    - موافق , كنت أوشك أن أقول هذا لكن لدي سؤالا : هل تشتغلين للأربعة الكبار يا مدام ؟

    رأيت الشحوب على وجهها مرة أخرى , لكنها تجاهلت سؤاله و قالت :
    - هل تأذن لي بالاتصال بالهاتف ؟

    أجرت مكالمة هاتفية حيث السيد هاليدي محبوس , قالت :
    - هل أنت أندريه ؟ أنا إنز .. إن البلجيكي ذا القامة القصيرة قد عرف كل شيء , أرسل هاليدي إلى الفندق ثم غادر المكان

    ردت السماعة و جاءت إلينا تبتسم فقال لها بوارو :
    - سترافقيننا إلى الفندق يا مدام
    - توقعت طلبك , أنا جاهزة

    أحضرت سيارة أجرة و انطلقنا معا إلى الفندق , كنت أرى القلق على وجه بوارو , و كان الاضطراب و التوتر يسيطران على الجو و الحذر يشمل الجميع , لكن الأمر تم سهلا , فحين وصلنا إلى ساحة الفندق جاء حمال – و قد عرف بوارو – فقال مستعجلا :
    - الآن وصل رجل مريض و سأل عنك , انه في غرفتك , أما ممرضته فقد خرجت سريعا من دون انتظار ..
    - لا عليك , انه صديقي

    و صعدنا مسرعين إلى الغرفة فوجدنا شابا هزيلا منهكا تظهر عليه علامات الإعياء و الإرهاق يجلس عند الشباك خائر القوى مبدد الحول لا يستطيع كلاما و لا حركة !

    سأله بوارو :
    - أنت السيد جن هاليدي ؟

    هز رأسه ..
    - أرني ذراعك اليسرى ..

    كان تحت كوعه الأيسر شامة ..
    كأس من الليمون المثلج أنعش هاليدي قليلا .. همس :
    - يا إلهي .. كنت في جحيم ! .. هؤلاء زمرة من الشياطين ! .. أين زوجتي ؟ لقد أخبروني أنها تظن .. ؟
    - كلا , هي لا تظن ذلك البتة , إنها تثق بك كثيرا , ما زالت تنتظرك
    - أشكر الله , لا أصدق أني حر طليق !
    - الآن أنت معافى يا سيدي , هلا قصصت القصة من أولها ؟

    أصابت الرجل حالة ذعر و ارتباك و تغير وجهه ثم قال :
    - إنني لا أذكر شيئا
    - ماذا ؟
    - هل سمعت بالأربعة الكبار ؟
    - قليلا عنهم ..
    - أنت لا تعرف ما أعرفه , إن لديهم قوة غير محدودة , و إذا بقيت صامتا فسوف أظل في أمان و إذا ما نطقت بكلمة فلن أشعر بالأمان لحظة واحدة , و لن يشعر بالأمن أقربائي و كل أعزائي , فلا تحاول الجدال معي ؛ أنا على يقين من أمر واحد : إنني لا أذكر شيئا !

    ثم نهض و خرج من الغرفة في حين جعل بوارو ينظر إليه مذهولا مدهشا كأنه ذاق مرارة الهزيمة

    مرة أخرى حاول أن ينطق بعض الكلام بغيظ واضح لكنها كانت مكتومة لا تكاد تسمع :
    - إذن فالمسألة هكذا ؟ لقد ربح الأربعة الكبار مرة أخرى .. ما هذه الورقة بيدك يا هيستنغز ؟
    - هذه ورقة كتبت عليها روساكوف قبل أن تغادر

    أخذها و قرأها :
    (( وداعا . ((IV انه رقم يرمز إلى رقم ((4)) باللاتينية , إنني أعجب يا هيستنغز , إنني أعجب !

    الفصل السابع

    كان الأنين المبعوث في أذني من غرفة جاري في الفندق قد أرق جفني فلم أنم , و كانت الشكوى المتقطعة التي أسمعها طوال الليل تحدث في نفسي أثرا عميقا يطرد عني النعاس و يملأ ليلتي أسفا و حزنا , إنها غرفة هاليدي التي نام فيها ليلة إطلاقه , بدا واضحا أن تجربته القاسية قد حطمت أعصابه و أخذت منه مأخذا عظيما !

    و عجزنا في الصباح أ ننتزع من هاليدي شيئا , كان خائفا من انتقام هؤلاء الأشرار إذا تكلم , و كان متأكدا من القوة الهائلة التي يملكها الأربعة الكبار حتى بات يرفض النقاش في أمرهم

    أكل غذاءه ثم سافر إلى إنكلترا حيث زوجته و طفلته الصغيرة

    وجدت نفسي متحمسا للأحداث , و رأيت أن علي أن أواجه بوارو من قريب أو بعيد , لكن هدوءه الذي أزعجني جعلني أقول :
    - أرجوك يا بوارو دعنا نفعل شيئا !
    - حسنا يا صديقي فماذا نفعل ؟
    - نخبرهم عن الأربعة الكبار
    - نخبر من ؟
    - الشرطة

    تبسم بوارو ببرود ثم قال :
    - انهم لن يصدقونا , سيتهموننا بالجنون ؛لأننا لا نملك دليلا نستدل به , دعنا ننتظر ..
    - ماذا ننتظر ؟
    - ننتظرهم حتى يقوموا بتجربة , انظر إلى لعبة الملاكمة , اللعبة المفضلة لديكم في إنكلترا : إذا لم يتحرك أحدهما فلا بد أن يتحرك الآخر و يسمح أحدهم لخصمه بالهجوم ليعرف طريقته و أسلوبه , و نحن الآن ندع الخصم يهجم ..

    أوجست خوفا و ريبة من كلامه :
    - هل تظن أنهم سيفعلون ؟
    - بلا شك , لقد حاولوا إخراجي من إنكلترا . ثم جريمة دارتمور التي ترمز لها معان مقصودة , ثم دخلنا و أنقدنا ضحيتهم من المقصلة , و أمس تدخلنا مرة أخرى في خططهم , انهم لن يقفوا حتما ساكتين إزاء ما كل ما جرى

    كنت في تفكيري أتأول كلمته حين طرق الباب , و من غير استئذان دخل رجل إلى الغرفة و أغلق الباب خلفه و جلس

    كان رجلا طويلا نحيفا بشرته شاحبة أنفه معوج قليلا , كان يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه و قبعة ناعمة تغطي عينيه . قال بصوت نام :
    - عذرا أيها السيدان , قد دخلت دخولا غير لائق , لكن مهمتي خطيرة !

    و جلس و هو يبتسم بخبث , فأثارني هذا الموقف و كدت أثب من مكاني لو لا أن بوارو منعني بإشارة من يده , ثم سأل هذا الزائر الثقيل :
    - كان دخولك فظا كما قلت , فما هي مهمتك ؟
    - عزيزي السيد بوارو , أريد أن أخبرك بصراحة , أنت تزعج أصحابي
    - كيف ؟
    - أنت تعرف كما أعرف يا سيد بوارو
    - و من هم أصدقاؤك هؤلاء ؟

    لم يجبه بل أدخل يده في جيبه فأخرج علبة لفائف سحب منها أربعا و نقرها على الطاولة ثم أعادها ..
    - ها ها .. نعم , فالمسألة هكذا إذن ؟ و ماذا يقول أصدقاؤك ؟
    - يقولون : (( عليك أن تعمل قدراتك الخارقة في غير هذا الشأن و أن تعود إلى حل مشاكل نساء المجتمع اللندني ))
    - يبدو أنه برنامج سلمي ! و إذا لم أوافق ؟

    حرك يده حركة فيها معنى مقصود واضح:
    - طبعا ستأسف و تندم كثيرا , وسوف يحزن كل أصحاب السيد هيركيول بوارو العظيم حزنا لا ينفعهم لأن الحزن – مهما اشتد – لا يمكن أن يعيد للأموات الحياة !
    - حسنا , هب أني موافق
    - إذن أدفع لك تعويضا ..

    و أخرج من جيبه المحفظة و أخرج منها عشرة أوراق كل واحدة من فئة العشرة آلاف فرنك ألقى بها إلى الطاولة ثم قال :
    - هذا ضمان حسن النية فحسب , سوف تعطى عشرة أضعاف هذا !

    أدركت أن الخصم بين أيدينا و أن الفرصة مناسبة لإخبار الشرطة من أجل أكبر انتصار في هذا الزمان , كان قلبي ينبض بقوة , شعرت بالهيجان و لم أعد أطيق انتظارا , و صرخت بعنف و أنا أقفز من مكاني :
    - يا إلهي ! هل تظن ..؟

    لكن بوارو أقعدني بقوة و قال بحزم :
    - اجلس يا هيستنغز , اجلس مكانك .. ما رأيك يا سيد لو اتصلت الآن بالشرطة و صديقي يمنعك من الهروب ؟
    - على كل حال افعل إن كنت تظنه من الحكمة ..
    - صرخت : لا أستطيع أن أحتمل أكثر .. انظر ..

    نهضت بسرعة و خطوت خطوات كبيرة إلى الباب و ألصقت ظهري به , همس بوارو :
    يبدو أن هذه هي الطريقة المثلى

    فقال زائرنا و هو يبتسم :
    - لكنك لا تثق بها , أليس كذلك ؟

    و قلت بإصرار و عزم :
    - هيا يا بوارو لا تتأخر !

    رفع بوارو السماعة فقفز الرجل قفزة مفزعة تشبه قفزة القط لكنها إلي , كنت على أهبة له فالتحمنا بعراك شديد أشبه بالمصارعة , و شعرت فجأة أنه ضعيف جعل يهوي بين يدي فزادني همة حتى طرحته أرضا و شعرت بنشوة النصر , و أخذ خيالي يطوف في نهاية مسرحية ..

    ثم كان شيء غير عادي : وجدتني مقذوفا و رأسي يضرب بالحائط , نهضت مدهوشا أبحث عن خصمي الذي اختفى , ركضت نحو الباب فوجدته مقفلا علي , أسرعت إلى الهاتف :
    - مكتب الاستقبال ؟ أمسكوا الرجل قبل أن يخرج , رجل طويل يلبس معطفا طويلا مزررا و قبعة ناعمة , انه مطلوب للشرطة

    مضت بضع دقائق قبل أن أسمع صوت المفتاح في الباب , كان مدير الفندق , و صرخت صرخة مجنون :
    - الرجل هل أمسكتموه ؟
    - لا يا سيدي لم نر أحدا ..
    - كيف وقد مر بك الآن ؟
    - لا يمر بي أحد بتاتا ..
    - بوارو : أظن أنكم مررتم بشخص ما ربما يكون موظفا هنا ؟
    - نادل يحمل طبقا لا غير يا سيد
    - نعم , هكذا إذن ..

    كانت الدهشة تملأ جو الفندق و الحيرة تراها في وجوه المسؤولين و خاض الناس في شك وتكذيب , لكن المسألة قد فهمها بوارو فقال بثقة :
    - من أجل هذا يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه

    همست بخجل و أنا أحس بالهزيمة :
    - كنت أظن أني أسقطته أرضا !
    - نعم كانت خدعة يابانية , لا تثريب عليك يا صديقي , كل شيء سار حسب الخطة , خطتهم قطعا , و هذا ما كنت أريده

    صرخت حين رأيت محفظة على الأرض , التقطتها بلهفة , إنها من أثر المعركة , لا بد أنها سقطت من جيب زائرنا العزيز !

    كان فيها فاتورة باسم السيد فليكس لون , وورقة أخرى صغيرة من دفتر الملاحظات كتب عليها بخط غير واضح بالرصاص , كانت هذه الكلمات مثيرة لنا :
    (( اجتماع المجلس القادم يوم الجمعة , الساعة 11 صباحا : 34 – شارع إيشيلير))
    و إمضاء رقم ((4)) بخط كبير

    و كنا في يوم الجمعة , و الساعة 10.30 , صرخت بذهول :
    - يا إلهي إنها فرصة ثمينة , الأمور الآن بأيدينا , يجب أن نبدأ من هذه اللحظة .. لعل الحظ في هذه المرة كان لنا

    همس بوارو كأنما يحدث نفسه :
    - انه جاء من أجل ذلك , أكاد أفهم كل شيء ..
    - ماذا فهمت ؟ يا بوارو متى ستكف عن محادثة نفسك ؟

    نظر بوارو إلي نظرة إشفاق ثم ابتسم :
    - ((قالت العنكبوت للذبابة :هلا دخلت بيتي يا عزيزتي ؟ )) هذا نشيد الأطفال عندكم يا معشر الإنكليز , أليس كذلك ؟ الحذر الحذر يا صديقي , انهم ماكرون دهاة و لكن ليس بدهاء هيركيول بوارو
    - لا أفهم شيئا مما تقوله يا بوارو !
    - ما زلت أسائل نفسي عن زيارة الصباح هذه , هل كانوا يأملون بالنجاح في رشوتي أم هي زيارة ترهيب لأخافهم و أترك مهمتي ؟ لكني الآن فهمت الحقيقة , إنها خطة ماكرة بلا شك و محكمة في الوقت نفسه , الظاهر هو الرشوة أو الترهيب , و المعركة كانت من أجل أن يكون سقوط المحفظة أمرا محتوما و أخيرا المصيدة : شارع إيشيلير , الساعة 11 صباحا , لكن القبض على هيركيول بوارو ليس سهلا , فليعلموا !

    عرفت أني ساذج و بليد فقلت :
    - يا إلهي! انهم يعلمون الشياطين المكر و الدهاء
    - لكن فيها لغزا آخر : الوقت : لماذا لم يختاروا الليل ؟ أليس الليل أحسن لهم ؟ لماذا السعاة الحادية عشر صباحا ؟ هل في هذا الصباح كيد يدبرونه لا يريدون أن يعرفه بوارو ؟

    كان بوارو في نوبة من الحيرة و القلق , ثم هز رأسه و قال :
    - إنني ماكث هنا و لن أغادر هذا الصباح , دعنا ننتظر , سوف نرى

    كان الزمن يمر بطيئا ثقيلا كأن الساعة لا تتحرك , كان في رأسي خيال كثير و حوادث , كنت أشعر أحيانا بالعجز و الضعف عن المواجهة , و أحيانا أخرى بالإخفاق في أن أفهم ما يجري

    الساعة الآن الحادية عشر و النصف و لم يحدث أي جديد ..

    طرق الخادم الباب و سلم ورقة صغيرة زرقاء اللون لبوارو .. إنها من مدام أوليفير تطلب منه الحضور فورا ..

    و نهضنا مسرعين إلى مدام أوليفير دون تأخير , و استقبلتنا في المجلس الذي قعدنا فيه أمس , ووجدتني في دهشة مرة أخرى من شخصية هذه المرأة القوية صاحبة الوجه الذي يشبه وجه الراهبة , إنها سدت الخلل الذي كان وراء مدام كوري و بيكريل , ذات هالة علمية مذهلة و عين متوقدة تكاد تسيطر على محدثها بنظرة ثابتة من طرفها , بادرت بالقول :
    - أمس قابلتماني من أجل هاليدي و بعد انتهاء المقابلة علمت أنكما دعوتما إينز سكرتيرتي , لكن دهشتي أنها غادرت القصر معكما و لم ترجع حتى الآن !
    - هذه هي القضية أم عندك أمر آخر ؟
    - كلا , بل الخطير أن اقتحاما تم الليلة الماضية للمختبر و اختفت أوراق و مذكرات قيمة , و لقد حاول اللصوص سرقة أي شيء آخر أشد خطرا , لكن الخزانة – من حسن الحظ – كانت مقفلة بإحكام ففشلوا أن يفتحوها !
    - يجب أن علمي الحقيقة يا مدام : إن سكرتيرتك مدام فيرونوا هي الكونتيسة روساكوف اللصة المحتالة المشهورة , و هي المسؤولة عن اختفاء هاليدي , لكن كم مضى عليها و هي تعمل عندكم ؟
    - منذ خمسة شهور تقريبا , ولكن هذا يدعو إلى الذهول !
    - إنما هي الحقيقة , هل كان العثور على الأوراق سهلا أم أنه عمل يدل على معرفة سابقة ؟
    - الأمر العجيب أن اللصوص كانوا يعرفون بغيتهم تماما , هل تظن أن مدام إينز .. ؟
    - نعم لا شك أنها كانت الدليل , لكن ما هو الشيء الثمين الذي فشل اللصوص في سرقته ؟ جواهر ؟

    هزت رأسها و هي تبتسم و قالت بصوت خافت :
    - بل أثمن من الجواهر كثيرا يا سيد بوارو .. راديوم !
    - راديوم ؟
    - نعم , إنني الآن اقترب من النهاية القصوى في تجاربي , و عندي قدر قليل من الراديوم , و قد قدم لي قدر أكبر من أجل تمام أبحاثي , و هذا القدر لو كان ضئيلا فإنه بالنسبة إلى المخزون العالمي قدر عظيم تساوي قيمته ملايين الدولارات !
    - و أين هو الآن ؟
    - في الحقيبة الرصاصية من الخزانة المحكمة التي تبدو عتيقة لكنها – بصراحة – انتصار فني في حقل الصناعة , و هي جعلت اللصوص يفشلون !
    - كم يصح أن تحفظي هذا القدر من الراديوم .
    - لمدة يومين آخرين غير هذا اليوم ثم تنتهي تجاربي
    - هل تفهم مدام فيرونوا هذا ؟
    - نعم
    - آها , إذن سيعود أصحابنا مرة أخرى , سوف أحمي ثروتك من الراديوم لكن لا تخبري أحدا .. هل عندك مفتاح للباب الذي يؤدي إلى المختبر من الحديقة ؟
    - نعم , ها هو , عندي نسخة أخرى , و هذا مفتاح الباب الذي يؤدي إلى الممر الذي يطل على فيلا الجيران
    - شكرا لك يا مدام , اذهبي إلى النوم و أنت مطمئنة كالعادة , لا تقولي شيئا لمساعديك لا سيما السكرتيرة , دعي الأمر لي

    كان بوارو متهلل الوجه و هو يغادر بيت مدام أوليفير , و كان يفرك يديه فرحة بنصر مرتقب , كانت الأمور كأنما تشير إلى الأحسن , سألته :
    - ماذا ستفعل الآن يا بوارو ؟
    - الآن يا هيستنغز سوف نغادر باريس إلى إنكلترا
    - ماذا ؟
    - كما أقول لك , سوف نحزم أمتعتنا و نأكل غذاءنا و نذهب بالسيارة إلى جيردونورد ..
    - و الراديوم ؟
    - أقول : إننا سوف نسافر إلى إنكلترا , ولم أقل : إننا سنصل هناك ..

    أعمل دماغك مرة يا هيستنغز , ألا تدري أنك مراقب ؟ يجب أن يطمئنوا أننا ذاهبون إلى إنكلترا , و لن يطمئنوا حتى يرونا نركب القطار و ننطلق ..

    - و ننسل من القطار في آخر لحظة ؟
    - كلا يا هيستنغز , بل لا يرضيهم أقل من المغادرة التي لا خداع فيها
    - لكن القطار لا يتوقف إلا عند كاليه
    - يقف في حالة واحد : إذا دفعنا له
    - سوف يرفضون و لا يقبلون , كيف يقف قطار سريع ؟
    - هناك حيلة , ما هي غرامة إساءة استعمال المقبض الصغير في القطار ؟ مائة فرنك ؟
    - هل ستمسك مقبض الباب و تسحبه أنت يا بوارو ؟
    - بل صديقي بيير كومبوا سيفعله , و سوف يثير ضجة كبيرة مع الحارس فيكون مشهدا يستحوذ على انتباه المسافرين فننسل في أثناء ذلك خارجين !

    خطة بوارو سارت كما رسم لها بعد أن قبل صديق بوارو القديم – الذي كان على صلة ببوارو و معرفة بأسلوبه و منهاجه في العمل – و استطاع أن يصطنع ضجة كبيرة كأنها قنبلة دخانية سترت فرارنا من القطار دون أن يحس بنا أحد

    و تنكرنا تماما بعدما اشترى بوارو ما يلزم ذلك ووضعه في حقيبة صغيرة , و أصبح من غير السهل أن يعرفنا أحد بعد أن رأيت مشهدنا يدل على اثنين متسكعين يلبس كلاهما قميصا ضيقا قذرا ذا ألون فاقعة تدعو إلى السخرية !

    أكلنا غذاءنا في أحد مطاعم باريس المغمورة و انتظرنا مغيب الشمس و الليل يحل على شوارع باريس و أزقتها , و سيطر الظلام و أخذت مصابيح البيوت و الحوانيت تقطع الظلام الدامس على جوانب المكان

    ووجدنا أنفسنا قريبين من منزل مدام أوليفير , نظرنا إلى أعلى المكان و أسفله , لم نر أحدا , تسللنا إلى الممر المغطى بالشجر الموحش المهجور , كنا متأكدين أن لا أحد يتعقبنا لكن همسات الريح البارد الذي كان يلامس أوراق الشجر فيها نسمات الذعر !

    ربما نكون مقدمين على مواجهة مع هؤلاء اللصوص الخطرين الذين ألفوا الموت فضلا عن القسوة و القتل لأتفه الأسباب , همس بوارو :

    - لا أظن أنهم قدموا إلى المكان حتى هذه اللحظة , و ربما لا يأتون اليوم , انهم يعلمون أن لديهم ليلتين حتى يسرقوا الراديوم ليس أبعد

    أدار بوارو المفتاح في القفل بحذر شديد و دخلنا حديقة البين بخفة , لكن وجدنا أنفسنا في فك الذئب المرعب فوقعنا في الفخ ..

    عشرة رجال كانوا يحيطون في الخفاء كالسوار , كانت المقاومة لا تنقع , أوثقونا ثم حمل أحدنا كما تحمل حزمة القش , فتح باب المختبر و زجونا فيه , و انحنى أحدهم أمام الخزانة الكبيرة و فتح بابها

    شعرت برعدة خوف قاتلة تسري في عروقي و أيقنت أننا سنوضع في هذه الخزانة و لكن باب الخزانة و لدهشتي الشديدة انفتح عن درجات تنزل في ممر سري إلى الأسفل !

    دفعنا على درجات بقوة إلى الأسفل , ثم غرفة سرية مرعبة و هناك رأينا قامة سوداء مهيبة : امرأة طويلة تلبس الثوب الأسود الطويل و تغطي وجهها بقناع من المخمل الأسود كذلك , كان واضحا أنها صاحبة السلطة و سيدة الموقف , و يدل على ذلك إشارتها الصامتة التي يمتثل لها الرجال الأشداء !

    قذفنا الرجال على الأرض و تركونا وحدنا مع هذه المخلوقة الخفية خلف القناع الأسود , و لم يخامرني أدنى شك أن هذه المرأة هي رقم ((3)) الكبار الأربعة , المرأة الفرنسية المجهولة

    جثت على ركبتيها و نزعت الكمامتين عن وجهينا ثم نهضت و انتصبت أمامنا , و بحركة مفاجأة و سريعة نزعت قناعها و كشفت الغموض ..

    إنها مدام أوليفير !

    قالت بتهكم و سخرية :
    - سيد بوارو العظيم صاحب الذكاء الخرق , لقد أرسلت إليك تحذيرا صباح أمس لكنك لم تأبه له , و ظننت أنك تستطيع مواجهتنا بذكائك الخارق , أليس كذلك ؟ لكنك أتيت بقدميك إلى هذا الموضع الذي لا تحسد عليه !

    لم يجب بوارو لكني رأيت فكه الأسفل يرتخي و هو يحدق إليها .. لا شك أن المفاجأة أذهلته, و قالت هي بلطف :
    - حسنا هذه هي النهاية , لن نسمح لأحد أن يعترض خططنا , فاطلب طلبك الأخير ..

    كنت أراقب الموقف و رأيت الموت أمامي , الموت له رائحة تعرفها تملأ المكان , لكن القتيل وحده هو الذي يشتم رائحته , و ذكرت زوجتي و أطفالي .. صور و خيال و شريط من الأحداث يمر سريعا في ذهني المكدود قبل أن أنظر إلى وجه بوارو , فوجئت بهيئة بوارو الهادئة , لا تبدو عليه آثار الخوف و الفزع و لم يغز الشحوب وجهه , كان رائعا حقا , عيناه على مدام أوليفير , قال بثبات :

    - حسنا أيتها المرأة الفاضلة , إن فيك طبيعة مثيرة للاهتمام , لكن الوقت لا يسع لدراستها , لدي طلب بسيط , الرجل المدان يسمح له بالتدخين للمرة الأخيرة , في جيبي علبة لفائف لو تكرمت بالإذن ..

    ثم نظر إلى القيد في يديه , فضحكت و هي تقول :
    - تريدني أن أفك قيدك ؟ انك امرؤ ذكي بلا شك , لكني لن أفك قيدك و سأجد لك لفافة تبغ

    مدت يدها إلى جيبه و أخرجت علبة اللفائف ثم أمسكت منها واحدة ووضعتها بين شفتيه و نهضت و قالت :
    - والآن عود الثقاب , أليس كذلك ؟
    - لا , ليس لازما , لا أحتاج إليه ..

    كان في صوته جرس غريب أجفلني و أثار الريبة في نفس مدام أوليفير فارتعدت , فيما نطق هو بهدوء :
    - لا تتحركي سوف تندمين إذا فعلت , انتبهي إلي جيدا ! أرجوك أظن أنك تعرفين مادة الكورار (مادة تستخرج من بعض النباتات لتسميم السهام ) , هنود أمريكا الجنوبية يدهنون بها سهامهم , ان خدشا بسيطا بها يعني الموت , بعض القبائل يستعملون أنبوب النفخ و هذا ما أملكه لكن على شكل لفافة تبغ , ما علي سوى أن أنفخ فيها .. إن هذه اللفافة مدهشة ؛ أنفخ فيها فيخرج سهم دقيق كعظمة السمكة نحو هدفه يطير سريعا كالبرق .. انك حتما لا تريدين الموت يا مدام , إذن عليك أن تحرري صديقي هيستنغز من قيوده .. تعلمين أنني أستطيع أن أدير رأسي في كل الاتجاهات و يداي مقيدتان , إياك أن تفكري في الطريق الخطأ , حذار حذار من الخطأ و إن يكن صغيرا !

    رعشة رعب سيطرت عليها , يداها ترتعدان , وجهها مصفر كثيب , شفتاها تميلان نحو الزرقة , حركاتها تنطق بالحسد الأسود , و لكنها نفذت أمر بوارو بدقة !

    ثم جاء صوت بوارو يستمر في الأوامر بعد أن أصبحت حرا من قيودي :
    - سيد هيستنغز , قيد السيدة بسرعة , أحكم قيدها , تأكد من ذلك

    ثم حررت بوارو من قيوده فورا و تلمسنا طريق الخروج فوجدناه مفتوحا , و كان جنودها خارج المكان , و قبل أن نفر من المكان اتجه بوارو نحو السيدة و أحنى ظهره و قال :
    - هيركيول بوارو لا يقتل بسهولة يا مدام , ليلة طيبة !

    و بعد ثلاث دقائق كنا نجتاز المكان مسرعين و مازلت أكذب نفسي أننا عدنا إلى الحياة مرة أخرى و ما زلت في ذهول تام و لساني معقود من الانطلاق .. هل كان حلما مزعجا ؟

    اندفع بوارو يثرثر و قد انتابه هيجان مثير , يتكلم بمزاج حاد لا يكاد يضبط كلامه :
    - أستحق كل الذي قالته لي المرأة , افني أحمق ثلاث مرات و أبله , و حيوان تعس غبي ستا و ثلاثين مرة ! ربما أستطيع أن أفخر بنفسي أنني نجوت منهم لكن تقديري كله كان خطأ , لقد نجحوا في خداعي ووقعت في الشرك كما أرادوا !

    عرفوا أنني سأواصل حتى النهاية فصنعوا لذلك ما صنعوا , الآن أصبح كل شيء واضحا : السهولة التي استسلموا بها , و تسليم هاليدي , مدام أوليفير كانت هي الروح الحاكمة , فيرا روساكوف نائبتها , و قد استطاعت أن تتم أبحاثها بواسطة المعلومات التي أخذتها من هاليدي !

    لقد عرفنا إذن من هو رقم ((3)) .. إنها أعظم امرأة في العالم !

    الأربعة الكبار جماعة تضم عقل الشرق و عقل الغرب و قوتين أخريين مجهولتين .. يجب أن نعرفهما .. يجب ذلك يا هيستنغز !

    سنعود إلى لندن لنبدأ البحث مرة أخرى !
    - ألا تريد أن تخبر الشرطة عن مدام أوليفير ؟
    - لن يصدقونني يا عزيزي , هذه المرأة هي رمز فرنسي , كما أننا لا نملك دليلا , سنكون محظوظين إن لم تبلغ هي الشرطة عنا
    - ماذا ؟
    - نعم لقد وجدونا في قصرها ليلا , و معنا مفتاحه , و لن يكفي أننا قيدناها و كممناها بشكل مدهش و استنقذنا أرواحنا من مخالب الموت ..





    إذا كان الأمس ضاع .. فبين يديك اليوم
    وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
    ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل
    واحلم بشمس مضيئه في غد جميل



  7. #7
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    الفصل الثامن

    بعد تلك المغامرة الرهيبة في فيلا باسي لم نعد نطيق المقام في باريس فانطلقنا مرتحلين إلى إنكلترا على عجل , و هناك وجد بوارو كومة من الرسائل بانتظاره , قرأ إحداها و البسمة على وجهه , ثم دفعها إلي و قال :
    - اقرأ هذه الرسالة

    كانت الرسالة مذيلة بإمضاء آبي ريلاند , فذكرت أنه ذاك الرجل الذي وصفه بوارو بأنه أغنى رجل في العالم , و كانت تعرب عن قلق ريلاند لأن بوارو تخلى عن قضية أمريكا الجنوبية في آخر لحظة , قال بوارو :
    - هذه الرسالة تجعلني أبذل مزيدا من التفكير المتواصل العميق , أليس كذلك ؟
    - لكن من الطبيعي أن يبدي الرجل أسفه , و له الحق أن يغضب
    - لا يا هيستنغز , أنت ثقيل الفهم , ألا تذكر كلمات مايرلنغ , ذلك الرجل الذي فر إلينا من الموت ووجد الموت في انتظاره عندما قال : رقم ((2)) رمزه حرف (($)) و عليها خطان علامة الدولار الأمريكي أو شريطان و نجمة , و هكذا نحدس أن يكون أمريكيا و أنه يمثل قوة الثروة , زد عليه أنه عرض علي قدرا سخيا من المال من أجل إغرائي بالخروج من إنكلترا , ماذا تفهم من ذلك يا هيستنغز ؟

    قلت و أنا أنظر إليه نظرة أبله :
    - هل تقصد أنك تشك في آبي ريلاند صاحب الملايين أنه رقم ((2)) من الأربعة ؟
    - قد بدأت تفهمني قليلا يا هيستنغز . نعم , إني أشك فيه , المشهور عن ريلاند أنه رجل ثري و قوي لكنه عديم الضمير , رجل يملك كل الثروة و سلطته لا حدود لها لكنه لئيم و غليظ في المعاملة , لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه لأن عنده قوة خارقة !
    - متى كنت تجزم بهذا الاعتقاد ؟
    - إنها فكرة مجردة تجول في خاطري , ليس لدي دليل يثبت هذه الفكرة , لكنني مستعد لأقدم كثيرا كثيرا من أجل معرفة ذلك , و أنا أظن أن النظرية التي تقول أن رقم ((2)) هو ريلاند سوف تساعدنا على الاقتراب من الهدف
    - تستطيع أن تزوره و تعتذر منه
    - ربما كان سهلا أن أفعل ذلك

    بعد يومين عاد بوارو إلى المنزل و هو مصاب بالدهشة و الانفعال , ثم أمسك بي بكلتا يديه كما يفعل عادة عند تحمسه و قال :
    - يا صديقي , إنها مناسبة مذهلة حقا ربما لا تتكرر أتت من غير تدبير , لكن فيها خطورة و مغامرة حتى إني أكاد لا أطلب منك المحاولة
    - إذا كنت تحاول أن تلقي الروع في صدري فإني أظنك تسير في الاتجاه الخطأ يا بوارو

    و بعد أن هدأ قليلا و خف تحمسه كشف خطته التي تقتضي أن أتقدم بطلب عمل لدى آبي ريلاند بعد أن أعلن أنه يحتاج سكرتيرا إنكليزيا من ذوي النمط الاجتماعي الراقي و ذوي الكفاءة العالية و الحضور المتميز . قال بوارو يعتذر :
    - ربما أستطيع أنا أن أدبر نفسي , لكن الأمر يبدو صعبا : أن أتكلف دور المحتاج و أنكر شخصيتي المشهورة , ربما كنت أتكلم الإنكليزية بطلاقة و لكن سيكون علي أن أضحي بشاربي .. و حتى لو تخليت عن شاربي أيضا سأظل معروفا أنني هيركيول بوارو

    وافقته أن الأمر عسير عليه و أعلنت استعدادي و رغبتي في اختراق بيت ريلاند و أنني أطمح للنجاح

    - سوف أهيئ لك الشهادات التي تجعل ريلاند يلعق شفتيه , سآتيك بورقة من وزير الداخلية نفسه , سأجعله يحط على يدي كعصفور أتى لينقر كسرة الخبز

    كانت الخطوة الأولى أن نذهب إلى فنان في المكياج . حدق المزين بي مليا و هو صامت , و كنت أنظر ألي رأسه الصغير و حجمه الضئيل مثل هيركيول بوارو , ثم بدأ صنعته بجد و همة

    بعد ساعتين تقريبا قمت إلى المرآة فنظرت فأذهلني مشهد نفسي , حذاء خاص جعلني أطول بإنشين , و معطف طويل أبدو فيه نحيفا طويلا , لقد تغير شكل حاجبي و ملامح وجهي مختلفة تماما , اختفى شاربي و ظهر من جانب فكي الأيمن سن ذهبية , تحول لوني من السمرة إلى البياض , إن المظهر بلا شك ذو قدرة على الخداع , نظر بوارو و قال :

    - اسمك هو آرثر نيفلي , يحفظك الله يا عزيزي , أرجو الله أن ينجيك من الخطر

    في فندق سافوي , في الموعد الذي حدده آبي ريلاند قدمت نفسي ..

    قادوني إلى غرفة علوية حيث كان يجلس رجل طويل خلف طاولة ضخمة , لقد بدا نحيفا طويلا و له ذقن بارزة و أنف معقوف قليلا , عيناه اللامعتان تكادان تختفيان تحت حاجبين غليظين . أما شعره فقد كان رماديا غزيرا , و كان في فمه سيغار طويل لا يكاد يتركه

    كان يتكلم بطريقة فظة من طرف من فمه , و كان يمن على محدثه بعدد الكلمات , بل يشعره أنه يتفضل عليه بالحديث :
    - اجلس

    جلست و كان قلبي يدق عنيفا حتى خشيت أن يسمع دقه , كان أمامه رسالة يبدو أنها بخط وزير الداخلية :
    - في هذه الرسالة أنك ثقة , فهل تجيد المجاملة الاجتماعية ؟
    - أظن أنني أستطيع إرضاءك في هذا
    - لو كان عندي جماعة فيهم الدوق و الأيرل و الفيكونت يجتمعون في بيتي الريفي , هل تستطيع أن تجلسهم كلا في مقعده المناسب ؟
    - بكل سهولة يا سيدي

    تبادل معي حديثا قصيرا ثم أشعرني بالموافقة , ووجدت نفسي مستخدما عنده , فقد كان ريلاند يريد سكرتيرا مطلعا على خفايا المجتمع الإنكليزي حيث كان عنده سكرتير آخر أمريكي و كاتبة اختزال

    ثم بعد يومين توجهت إلى هاتون شيز مركز دوق مقاطعة لوشير الذي استأجره ريلاند ستة أشهر , و هناك لم أجد صعوبة في تأدية واجبي ؛ فقد عملت – ذا ت يوم – سكرتيرا لأحد أعضاء البرلمان

    كان ريلاند يستضيف نخبة من كبار الناس في نهاية كل أسبوع , أما سائر أيام الأسبوع فكانت هادئة نسبيا , و كان في البيت ثلة من الموظفين : كبير الخدم و مدبرة المنزل و الطاهي و خدم و خادمات , و حاولت إمعان النظر فيهم جميعا و معرفتهم عن قرب , فكنت أشعر بالريبة بكبير الخدم , أما الشاب الأمريكي السيد أبلباي فقد بدا مرحا يثق بنفسه و يتقن عمله باقتدار

    ديفز الخادم الخاص للسيد ريلاند الذي أحضره من نيويورك شخص غامض و نفسي تمتلئ شكوكا فيه , و كان عنده سيدة ثقة

    و اجتهدت أن أتقرب من الآنسة مارتن كاتبة الاختزال , تلك الفتاة التي تسحرك . كانت في الثالثة و العشرين تقريبا , لها عينان عسليتان و شعر خروبي مسترسل , كانت فتاة لعوبا رغم محاولاتها أن تحتشم . حاولت كسب ثقتها لا سيما بعد أن تبين لي أنها تكره سيدها و لا تثق فيه

    مكثت في هاتون شيز ثلاثة أسابيع , و كانت حياة هادئة لا حوادث فيها , حيث لم أستطع أن أعرف شيئا يستحق الذكر , و بدا ريلاند في نظري شخصية ذات مكانة اجتماعية متميزة لها القدرة على التأثير , و لا يبدو أنه على صلة بمنظمة الأربعة الكبار , و كانت تترسخ في نفسي قناعة أن بوارو قد أخطأ في ظنه الجائر الذي يربطه بهذه المنظمة المشبوهة الى أن سمعته مرة يذكر بوارو حين يأكل عشاءه في إحدى الأمسيات :

    - يقولون انه رائع ذاك الرجل الصغير , لكني وجدته انهزاميا ! اتفقت معه على صفقة و لكنه رفضها في الدقيقة الأخيرة , إني لا أود معاملة صاحبك هيركيول بوارو مرة أخرى !

    في تلك اللحظة شعرت بزيف ( المكياج ) الذي يكسو وجنتي ...

    ثم حصلت على قصة مثيرة عندما سافر ريلاند و معه أبلباي , فقد كنت أسير في الحديقة مع الآنسة مارتن بعد شرب الشاي , كانت الفتاة تبدو طبيعية جدا و غير منفعلة , لكني كنت ألمح أسرارا و أحاديث تجول في رأسها , و أخيرا قالت :
    - هل تعلم يا ميجر نيفلي أنني أفكر في الاستقالة من عملي في هذا المكان ؟

    ظهرت علي علائم الدهشة فيما تابعت هي قائلة :
    - آه ! أدرك أن كثيرا من الناس سينعتونني بالحماقة ؛ انهم يحسدونني على هذه الوظيفة , لكني ما عدت قادرة على التحمل المزيد من الشتائم , لا أحد يصدق أن مثل هذه الأفعال تصدر عن مثل هذا الشخص العظيم !
    - و هل يسيء لك ريلاند ؟

    هزت رأسها ثم قالت :
    - انه سريع الغضب و ذو مزاج متقلب , و هذا شيء لا يحتمل , وهو إذا صار ثورا هائجا كاد يبطش بمن يلقاه لأتفه الأسباب , لا أحد يستطيع احتماله , إنها مشكلة تستعصي على الحل

    قلت و أنا أرجو سماع المزيد :
    - هل لك أن توضحي الأمور ؟
    - كما تعلم فإنني أفتح رسائل السيد ريلاند فأسلم بعضها إلى أبلباي و الأخرى أقوم بالإجراءات التي تخصها بنفسي . و إذا فرزت الرسائل الأولى علي أن أتعامل بحذر مع نوع من هذه الرسائل , و هي التي تجيء مكتوبة على ورق أزرق و قد ظهر على أحد أطرافها الرمز – رقم ((4)) – بخط صغير

    و عندها لم أستطع كبح صرخة ذهول انطلقت من أعماقي , لكني حاولت خنقها في مهدها مما جعلها تنظر إلي قائلة :
    - عذرا , هل تريد أن تقول شيئا ؟
    - لا , لا شيء بتاتا , أكملي ..
    - حسنا , الرسائل التي تحمل هذا الرمز هناك أمر صارم بعدم فتحها , و يجب تسليمها إلى السيد ريلاند نفسه ..

    و لقد حدث في صباح أمس أن فتحت إحدى هذه الرسائل خطأ فذهبت من فوري إلى السيد ريلاند و شرحت له الموقف و اعتذرت له كثيرا لكنه انقلب فجأة إلى صورة شيطانية مرعبة و كاد يفتك بي , كنت خائفة منه جدا !

    - و هل كان الأمر يستحق هذه الثورة ؟ ماذا كان في الرسالة ؟
    - لا شيء , و هذا مما يدعو إلى التساؤل و يثير الدهشة , لقد قرأتها قبل أن أكتشف خطئي و أذكرها كلمة كلمة , لم يكن فيها ما يدعو إلى القلق ..

    شجعتها قائلا :
    - هل تستطيعين تكرارها ؟
    - نعم : (( سيدي العزيز , إن الأمر الضروري الآن هو رؤية الأملاك . إذا كنت تصر على تضمين المحجر فان سبعة عشر ألفا تبدو معقولة , إن 11% عمولة تبدو كثيرة , 4% قدر وافر ..
    المخلص آرثر لافير شام ))

    أصغيت إلى حديثها بكل عناية مع تظاهري بعدم الاهتمام , فيما تابعت قائلة :
    - من الواضح أن السيد ريلاند كان يفكر في شراء بعض الأملاك , لكني في الحقيقة أشعر أن في الأمر ما يدعو لإثارة الفضول , انه يبدو رجلا خطيرا , فماذا تنصحني يا سيد نيفلي ؟ إن خبرتك في الحياة أكبر

    حاولت تهدئة الفتاة قليلا مشيرا إلى أنه ربما كان يعاني من حالة صحية مؤثرة , و لقد بدا عليها الارتياح , لكني لم أشعر بالاطمئنان إلي السهولة التي تم بها الأمر

    غادرت الفتاة المكان و جلست وحدي أفكر بهذه الرسالة الهامة التي دونت كلماتها على عجل . بدت الرسالة صادقة و ليس فيها ما يدعو للإثارة , فهل كانت تخفي صفقة تجارية ينوي ريلاند إنجازها . و هل هو حريص ألا تكشف أي أسرار منها قبل إنجازها ؟ ربما , فهذا جائز , لكن العلامة التي كانت تظهر على المغلفات هي موطن الإثارة .. رقم ((4)) بخط صغير !

    مكثت طيلة اليوم و معظم نهار اليوم التالي و أنا أفكر في هذه الرسالة , و فجأة شعرت أني اهتديت إلى الحل , رقم ((4)) كان هو الدليل , فحين نقرأ كل رابع كلمة في الرسالة تظهر رسالة أخرى مختلفة :
    ((ضروري رؤيتك , المحجر , 17 , 11 , 4 ))

    الأرقام كانت تعني بسهولة : 17 – أكتوبر و الذي يصادف غدا , 11 : الساعة , 4 : هو الإمضاء المعروف أما المحجر فهو إشارة إلى المحجر المهجور الذي يبعد نصف ميل عن بيت ريلاند و هو منطقة معزولة تصلح للقاءات السرية

    شعرت بالانتصار عندما تمكنت من فهم اللغز , و شعرت بفرحة غامرة و سعادة في داخلي لأني ربما تفوقت في هذه المرة على بوارو , مما جعلني أفكر في مغامرة كشف هذا اللقاء وحدي , لكني في النهاية بعد تفكير و تردد قهرت هذا الإغراء و علمت أن هذا عمل كبير خطير ربما يعرض فرصة نجاحنا إلى الخطر , و لا بد من إعلام بوارو فهو يملك عقلا أفضل مني بالتأكيد

    كتبت له رسالة تبين الحقائق , و أوضحت له ضرورة رصد ذلك اللقاء , و كشفت له رغبتي في إدارة اللعبة وحدي إذا رأى ذلك من الحكمة , ثم أخذت الرسالة بنفسي إلى محطة البريد و قد فصلت له كيفية القدوم إلى المكان إذا لم أستطع مقابلته في المحطة

    كنت شديد الانفعال في مساء اليوم التالي و كان المنزل خاليا من الضيوف و لكني كنت مشغولا طيلة المساء مع السيد ريلاند , و قد فقدت الأمل أن أستطيع لقاء بوارو في المحطة , لكني كنت واثقا أنني سوف أغادر قبل الحادية عشر

    كان عقرب الساعة يقترب من العاشرة و النصف عندما نظر ريلاند إلى ساعته , و أشار بأن العمل قد انتهى ذاك اليوم , ففهمت الإشارة و انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي كأنني أريد الاستعداد للنوم لكنني تسللت من الأسفل بهدوء عبر درج جانبي , ثم تسللت إلى الحديقة و قد أخذت حذري و لبست معطفا أسود طويلا

    نظرت خلفي فجأة فوقعت عيناي على السيد ريلاند يخرج من نافذة مكتبه إلى الحديقة مسرعا لكي يفي بوعده , انطلقت مسرعا أكثر لكي أسبقه إلى المحجر , و هناك كان المكان خاليا , فتوجهت نحو شجيرات منعزلات في إحدى زوايا المحجر و قد تشابكت مع بعضها لأرقب الأحداث

    و بعد عشر دقائق ظهر ريلاند يمشي بتشامخ , يلبس قبعته التي تدلت على عينيه و قد تدلى من فمه سيجاره الذي لا يفارقه , نظر حول المكان ثم نزل في حفر المحجر . سمعت همس رجال كان يصل إلى أذني مما يشير إلى أن الرجال الآخرين كانوا قد وصلوا إلى المكان أولا

    خرجت من بين الشجيرات بهدوء شديد دون أي ضجيج , و تسللت منحدرا نحوهم ببطء و حذر شديدين , و اختفيت خلف صخرة كبيرة كانت تفصلني عنهم

    كان الظلام يلف المكان , و كنت أسمع حديثهم بوضوح , و شعرت أني آمن في موقع استراتيجي غير مرصود , لكن المفاجأة المحتومة وقعت عندما نظرت إلى حافة الصخرة فوجدت نفسي فجأة أمام فوهة بندقية مصوبة نحوي , و إذا الرجل يكمن قرب الصخرة و قد وقعت في الشرك تماما .. ياللفزع !

    صرخ في بلهجة مرعبة , و شعرت بفوهة البندقية الباردة على قفا عنقي !

    قال ريلاند متشدقا : مرحبا , لقد كنت أنتظرك . ثم صاح بالرجل :
    حسنا يا جورج , أحضره هنا

    قادني الرجل و أنا أمتلئ غيظا و حنقا من هذا الفشل الكبير بعد أن تم تكميدي و تكبيلي بإحكام . و خاطبني ريلاند بلهجة حازمة كلها تهديد ووعيد :
    - هذه هي نهايتكما , لقد حاولتما التدخل في شأن الأربعة الكبار أكثر من مرة , ولن يكون الأمر سهلا , هل سمعت بالانهيار الصخري ؟

    لقد حدث مثل هذا الانهيار في هذا المكان قبل سنتين , و سيحدث آخر بعد قليل هنا أيضا , وسوف يتم ذلك بكل دقة و إحكام , لكن صديقك لا يحترم مواعيده بدقة كما يبدو , أليس كذلك ؟

    اجتاحتني موجة رعب و شعرت بالرعدة تسري في جسدي حين ذكرت بوارو و أنه بعد لحظات سوف تقوده قدماه إلى الفخ و لا أملك أية وسيلة لتحذيره من هذا المصير المشؤوم , أستطيع فقط أن أدعو الله راجيا ألا يأتي هنا , و مع مرور الوقت كنت أشعر بالاطمئنان ..

    فجأة اندفعا بسرعة بعد سماع وقع أقدام تقترب .. كان القادم هو بوارو , و صرخ ريلاند :
    - ارفع يديك !

    قفز ديفز مرافق ريلاند ف فاجأ بوارو من الخلف , لقد اكتمل الكمين . قال ريلاند :
    - أنا مسرور بلقائك يا سيد بوارو

    بدا بوارو ضابطا أعصابه بصورة عجيبة , لم يضعف و لم يهتز , لكني رأيت عيناه تبحثان يمنة و يسرة في الظلمة , سأل :
    - صديقي هل هو لديكم ؟
    - نعم , كلاكما في الفخ , فخ الأربعة الكبار !

    ابتسم بوارو بسخرية ثم سأله :
    - فخ ؟ أي فخ هذا ؟
    - ألم تدرك ذلك حتى هذه اللحظة ؟
    - أدرك أن هناك فخا لكنك مخطئ في ظنك يا سيد , أنت الذي وقع في الفخ لا أنا و صديقي !
    - ماذا تقول ؟

    رأيت الاضطراب على وجه ريلاند فيما راحت عيناه تبحثان في المكان و التطير بدأ يظهر في حركته و نبرة صوته ..

    - إذا أطلقت النار فانك ترتكب جريمة قتل أما عشر عيون ترقب الحدث , سوف تشنق بسببها , المكان محاصر تماما , رجال سكوتلانديارد يحيطون بالمكان منذ ساعة سقط الملك في هذه الجولة يا سيد آبي ريلاند


    ثم أصدر صفيرا مثيرا , و في برهة أصبح المكان يضج بحركة الرجال المسلحين حقا , كأن ذلك تم بطريقة سحرية , أمسكوا بريلاند و خادمه الخاص و جردوهما من السلاح , ثم تحدث بوارو بضع كلمات مع الضابط المسؤول , و بعد لحظات أصبح المكان خاليا من الرجال و الحركة , أقبل بوارو يعانقني كأني في حلم ليلي مرعب !
    - انك لم تصب بأذى , هذا رائع , لقد لمت نفسي كثيرا لأني تركتك تذهب وحدك !
    - إني في صحة تامة , لكنني مضطرب قليلا , لقد سقطت في شركهم الصغير , أليس كذلك ؟
    - لكنني كنت أنتظره , و من أجل هذا كان عملك مع هذا الشخص . اسمك مزيف , و شخصيتك التضليلية لم يقصد منها الخداع أبدا يا عزيزي
    - ماذا تقول ؟ هل أنت جاد في حديثك ؟ لماذا لم تخبرني بشيء عن هذا كله ؟

    كانت الأسئلة تتبعثر من بين شفتي من الدهشة دون ضبط , و شعرت بعجزي عن فهم هذه اللعبة ..

    - كما قلت لك يا هيستنغز , انك تتمتع ببراءة الأطفال يا صديقي , و إن لم تكن مخدوعا فيصعب عليك أن تخدع هؤلاء , لقد اكتشفت من أول لحظة و لقد توقعت كل ما حدث , إنها مسألة رياضية واضحة النتيجة لكل من يعمل خلاياه الرمادية بشكل صحيح , حاولوا أن يجعلوك طعما , وكانت الفتاة هي الوسيلة , فهل كان شعرها أحمر ؟
    - إن كنت تقصد الآنسة مارتن , فان شعرها يحوي ظلا ناعما من اللون الخروبي , ولكن ..
    - لقد درسوا شخصيتك بإمعان , انهم جماعة مدهشون !

    نعم يا صديقي , كانت الفتاة متورطة تماما في المؤامرة , لقد كررت عليك الرسالة و هي تروي قصتها مع ريلاند , إنها طريقة ذكية بلا شك , و أنت استطعت تحليل الشفرة التي لم تكن صعبة على كل حال , لكن الشيء الذي لم يحسبوا حسابه أني كنت أنتظر هذا الفعل الذي سيقدمون عليه ثم تدبرت الأمور مع جاب و هكذا انتصرنا كما ترى

    لم أشعر بالسرور تجاه ما حدث و لم أكن راضيا عن أسلوب بوارو هذا , و لقد علم شعوري

    و في صباح اليوم التالي توجهنا إلى لندن في قطار الحليب الذي ينطلق مبكرا في رحلة غير مريحة على الإطلاق

    خرجت من الحمام للتو غارقا في أحلامي بفطور لذيذ و إذا بصوت جاب ينبعث من غرفة الجلوس :
    - لأول مرة أشعر أنك تندفع سريعا يا بوارو , ما هذا السراب الجميل الذي أوقعتنا فيه , حادثة سيئة بلا شك

    كان بوارو في قمة دهشته ينظر إلى جاب بوجوم ثقيل و هو يتابع حديثه :
    - لقد أخذنا اليد السوداء على محمل الجد , و إذا بذلك الشخص هو الخادم

    صرخت فزعا :
    - الخادم ؟
    - نعم , انه جيمس أو أيا كان اسمه , انه يستطيع أن يمسك الرجل العجوز بأسنانه , وهو يستطيع أن يزوده بأشياء كثيرة عن الأربعة الكبار ..

    صرخت بتشنج :
    - مستحيل !
    - لماذا لا تصدق ؟ لقد اقتدنا الرجل المحترم إلى هاتون شيز , و هناك وجدنا ريلاند الحقيقي نائما على سريره و معه كبير الخدم و الطاهي و الخادم الخاص , و الله يعلم كم ربح كل واحد منهم من هذا الرهان

    بوارو – همسا - : ربما يكون إذن هو السبب في بقائه في الظل

    نهض جاب و انصرف , كان الجو مليئا بالغموض و الذهول , نظر كل منا إلى الآخر بصمت و قال بوارو :
    - إننا نعرف يا هيستنغز أن آبي ريلاند هو رقم ((2)) , و التنكر في دور الخادم كان هو الضمان الوحيد لخط الرجعة في حالة الطوارئ , أما الخادم ..

    قلت و أنا ألتقط أنفاسي :
    - نعم ؟

    رد بوارو بهدوء :
    - انه رقم ((4))

    الفصل التاسع

    أعقبت حادثة المحجر تلك فترة هادئة، لكني كنت أشعر أننا لم نحقق القدر الواجب من النجاح والتقدم في ملاحقة الأربعة الكبار، فمنذ اتصالنا بهم ارتكبوا جريمتين و خطفوا هاليدي، وكانوا على شفا قتلي أنا و بوارو، ولم نستطع أن نسجل إلا نقطة واحدة في هذه اللعبة الخطرة. .

    وحين صارحت بوارو بما في نفسي قال:
    - هم يضحكون حتى هذا الوقت يا هيستنغز، هذا صحيح، لكنّ المثل الإنجليزي: ((المهم من يضحك أخيراً؟)) يصدق فيهم، أليس كذلك؟ يجب أن تعلم أننا لا نواجه مجرماً سهلاً، بل نواجه أعظم أدمغة في الشرق والغرب!

    لم أكن أرغب سماع هذه الإجابة، كنت فقط أحاول استدراج بوارو من أجل الإفصاح عن بعض خطواته الـلاحقة في تعقب الخصوم، لكنني فشلت؛ لأنه قابلني بعادته المعروفة: التكتم الشديد في كل ما يريد مستقبلاً، وتركني في جهل مطبق كما يحصل دائماً!

    لقد ثارت لديَّ شكوك حول اتصالات محتملة يجـريها مع الاستخبارات السرية في الهند و الصين و روسيا، وعرفت من صورة اندفاعه في تجميد نفسه دائماً أنه كان يتقدم في لعبته المفضّلة: اكتشاف عقلية عدوّه!

    تخلى بوارو عن عمله الخاص كله، ورفض عروضاً ضخمة كما أعلم صراحة، بل كان كثيراً ما يتخلى عن قضايا يشرع في التحقيق فيها بعدما يتبين له أنْ لا صلة لها بنشاط الأربعة الكبار.

    الرابح الكبير من هذا الموقف هو المفتش جاب الذي اكتسب شهرة كبيرة لا نستطيع إنكارها من قدرته على حل كثير من المعضلات التي يعود الفضل في نجاحه فيها إلى تلميح بوارو الذكي.

    في المقابل كان جاب يمد بوارو بكثير من الأخبار اللازمة في قضاياه، وعندما عُيّن مسؤولاً في القضيّة التي سمّتها الصحف ((لغز الياسمين الأصفر)) طلب من بوارو أن يحضر لينظر فيها إن كان يهمه ذلك.

    على أثر هذه الرسالة وجدنا أنفسنا وحدنا في مقصورة قطار ينعطف بعيداً عن دخان لندن وغبارها متجهاً إلى بلدة ماركت هانْد فورد الصغيرة في مقاطعة وِرْشِسْتَرْ شَيَرْ حيث مكان اللغز.

    سألني بوارو و هو يتكّئ على جدار المقصورة:
    - ما قولك في المسألة يا هيستنغز؟

    لم أسرع في الجواب، بل حاولت أن أكون حذراً وعمدت إلى كلمة أساسها العموم:
    - كل شيء يبدو معقّداً!

    فقال بمرح: نعم، أليس كذلك؟
    - اندفاعنا بهذه السرعة يشير إلى اعتقادك أن وفاة السيد باينتر كانت نتيجة لجريمة قتل لا انتحاراً ولا حدثاً عابراً. .
    - لا، لا يا هيستنغز، أنت تسيء فهمي، هبْ أن هذا صحيح فلابد من كشف كثير من المُلبسات والظروف الغامضة.
    - هذا ما عنيته عندما قلت بأن كل شيء يبدو معقداً.
    - إذاً دعنا نستعرض حقائق القصة بهدوء ومنهجية، أعد سردها عليّ يا هيستنغز بوضوح وترتيب.

    بدأتُ أسرد أحداث القصة بنظام و منهجية قدر استطاعتي:
    - نبدأ بالسيد باينتر: رجل في الخامسة و الخمسين، غني مثقف كثير الأسفار، لكنه ضاق في سنينه الأخيرة بالسفر فعمد إلى الاستقرار بعد أن اشترى بيتاً صغيراً في وِرْشستر شَيَرْ قرب ماركت هاند فورد وأراد العكوف على الكتابة، لكنه أرسل إلى ابن أخيه الأصغر يشير عليه أن يأتي ليسكن معه في كروفت لاندز.

    فرح ابن أخيه بهذا الرأي، وكان فناناً مفلساً، وعاش مع عمه حوالي سبعة أشهر إلى أن حدثت المأساة.

    بوارو- بهمس-: أسلوبك روائي جذاب كأنك تقرأ من كتاب!

    حاولت أن أكمل القصة بحماس و جِدْ متجاهلاً كلمة بوارو:

    - لدى باينتر طقم من ستة خدم في كروفت لاندز زيادة على خادمه الصيني الخاص آه لِنْغ


    همس بوارو مستغرقاً: الخادم الخاص الصيني آه لِنْغ . . .
    - يوم الثلاثاء من الأسبوع الأخير اشتكى السيد باينتر ألماً معوياً بعد العشاء فأرسل أحد خدمه ليحضر الطبيب، وعندما حضر الطبيب استقبله السيد باينتـر في مكتبه رافضاً أن يذهب إلى السرير، ولم يعرف أحد ما جرى بينهما من حديث، لكن الطبيب كوينتين طلب أن يرى مدبرة المنزل، وذكر أنه أعطى السيد باينتر إبرة تحت الجلد لأن قلبه في ضعف شديد، وأوصى بألا يزعجه أحد، ثم بدأ بأسئلة كثيرة عن الخدم: متى عملوا هنا؟ ومن أين جاؤوا؟ . . . إلخ.

    أجابت مدبرة المنزل أسئلته قدر استطاعتها، وكانت تعتريها الحيرة والدهشة من مغزى هذه الأسئلة.

    وفي اليوم التالي حدث شيء مرعب، فبينما كانت إحدى الخادمات تتجول في أطراف المنزل إذ شمت رائحة لحم محترق مقززة، وحين بحثت عن مصدر الرائحة عرفت أنها من مكتب سيدها، حاولت فتح الباب لكنها وجدته مقفلاً من الداخل، وبمساعدة جيرالد و الرجل الصيني تمّ اقتحام المكتب، ليجد القوم أنفسهم أمام منظر رهيب: لقد سقط السيد باينتر في موقد الغاز و قد احترق رأسه و وجهه حتى ليكاد يستحيل التعرف إليه!

    في تلك اللحظة لم يَقَعْ أيّ اشتباه، وإن لم يكن بدٌّ من لومٍ فأولى الناس باللوم هو الدكتور كوينتين الذي حقن مريضه مخدراً وتركه في هذه الحال الخطيرة.

    ثم بعد ذلك تم كشف شيء يثير الفضول: كان على الأرض عند الكرسي الذي كان يجلس عليه الرجل العجوز صحيفة ملقاة يبدو أنها قد انزلقت عن ركبتيه وقد كتب عليها بخط يد كبير ضعيف بضع كلمات ووجد إصبع السبابة في اليد اليمنى للضحية ملطخاً بالحبر، ولا بد أن الضحية كان في حال ضعف شديدة فلم يَقْوَ على الإمساك بالقلم فعمد إلى سبـابته يضعها في الحبر وكتب هاتين الكلمتين على سطح الصحيفـة التي كانت بين يديه، والكلمتان واضحتان تماماً: ((ياسمين أصفر))!

    لوحظ أن جدار المنزل كان ينمو عليه الياسمين الأصفر، وهذا دعانا أن نقول بأن رسالة الاحتضار ذات علاقة بهذا النبات، مما يوضح أن عقل العجوز كان يخرف، لكن الصحف جعلت من الحادث قصة مثيرة وأسمتها ((لغز الياسمين الأصفر)) وإنْ لم تَبْدُ حقيقة في هذه الأهمية.

    قال بوارو: تقول بأنها غير هامة؟ حسناً، إذا كنت تظن أنها غير هامة فهي كذلك.

    نظرت إليه بارتياب شديد، فقـد عودني على التهكم المـرير ولكني لم أقرأ السخرية في عينيه، وأكملت الأحداث:
    - وبعدها بدأت فصول تحقيق القضية والبحث فيها. .
    - أدرك أنك هنا بدأت تلعق شفتيك. .
    - كان هناك شعور كبير بأن المتهم هو الدكتور كوينتين أولاً؛ فهو لم يكن الطبيب المعتمد، بل كان طبيباً طارئاً بدل الدكتور بوليثو الذي كان يقضي إجازة بعيداً.

    وهناك إحساس أن الإهمال هو سبب المأساة الأول، لكن أقوال الدكتور كانت مختصرة ومثيرة، فقد كان السيد باينتر يشعر بوعكة صحية خفيفة منذ وصوله إلى كروفت لاند، وأشرف على علاجه الدكتور بوليثو، وعندما رآه الدكتور كوينتين أول مرة كان متحيّراً تجاه بعض الأعراض، و لدى انفراده بالسيّد باينتر أطلعه على أمر غريب، فهو لم يكن يشعر بأي مرض على الإطلاق، إلاّ أن طعم الكاري الذي أكله على العشاء كان في غاية الغرابة، لدرجة أنه اضطر- وقد استبدّ به الشك- أن يختلق بعض الأعذار ليصرف آه لنغ بضع دقائق تمكّن خلالها من سكب محتويات صحنه في السلطانية.

    وعلى الرغم من قوله أنه لم يشعر بالمرض، لاحظ الطبيب أن السيد باينتر كان يعاني من أثر الصدمة فقرّر إعطاءه إبرة سترايكـنين.

    وتوقفت عن سرد أحداث القصة قليلاً قبل أن أختتم معلّقاً:
    - أعتقد أن في ذلك تمام القضيّة، ولا يبقى غير الإشارة إلى النقطة الأساسية في الموضوع، وهي أن الكاري الذي لم يؤكل قد أُخضِع للتحليل فعثر فيه على كمية من الأفيون تكفي لقتل رجلين! وسكتّ، فسأل بوارو بهدوء:
    - وما رأيك يا هيستنغز؟
    - من الصعب القول بأنه حادث وكذلك محاولة سُمّه في الليلة السابقة ربما تكون مصادفة.
    - لكنك لا تظن ذلك. . . إنك تعتقد أنها جريمة قتل.
    - ألا تعتقد أنت ذلك أيضاً؟
    - نحن، يا صديقي هيستنغز، نفكر بطريقة مختلفة، أنا لا أحاول أن أقرر أحد حلّين مختلفين: إما القتل أو القدر، سيأتي ذلك بعد أن نحلّ لغز الياسمين الأصفر، انظر هناك، شيء ما عند الكلمتين!
    - تقصد الخطين اللذين عن اليمين؟ لا أظنهما مهمين. .
    - ربما هذا لك وحدك، دعنا ننتقل من لغز الياسمين الأصفر إلى لغز التوابل الهندية.
    - السؤال: من الذي سممه؟ ولماذا؟ عندي مئة سؤال تحتاج جواباً، الذي أعد الطعام هو آه لنغ لكن لماذا يرغب في قتل سيده؟ هل هو عضو في جمعية سرية صينية ربما يكون اسمها جمعية الياسمين الأصفر؟ ثم هناك جيرالد باينتر!

    هز بوارو رأسه و قال:
    - نعم، جيرالد باينتر وريث عمه، ثم إنه أكل عشاءه خارجاً ذلك اليوم.
    - ربما كان مطّلعاً على الأمر فحرص أن يأكل عشاءه في الخارج لكي لا يأكل الوجبة.

    شعرت أن تفسيري أشغل بوارو فنظر إليّ نظرة احترام أكثر من قبل و حاولت الاسمرار في نظريتي:
    - عاد متأخراً ورأى النور في مكتب عمه فعلم أن خطته فشلت فدفع الرجل العجوز في موقد الغاز.
    - السيد باينتر كان في صحة جيدة وما كان يمكن أن يسمح بأن يُحرق حتى الموت دون أن يبدي مقاومة، هذا الرأي غير راشد.
    - أظن أننا اقتربنا من الحل، دعنا نرى رأيك في المسألة.

    انتفخ بوارو مغروراً وألقى نحوي ابتسامة ثم قال:
    - هب أنها جريمة قتل، فإن السؤال هو: لماذا اختار القاتل هذه الطريقة ليقتله؟ ربما يكون الجواب: من أجل إخفاء الهوية، لقد احترق الوجه حتى لا يمكنك معرفته. هل تكون جثّة رجل آخر؟ لكن الجواب الراجح هو النفي.

    ثم هناك أشياء أخرى تحتاج تحقيقاً وبحثاً، لكن يجب ألا أسمح لهاجس الكبار الأربعة أن يسيطر على عقلي، ومن الخطر أن يجعل الإنسان نفسه أسيراً لفكرة واحدة، ولقد تمعنت بالخطين المرسومين فوجدتهما بداية الرقم ((4)).

    علا صوتي بضحكة سخرية قائلاً:
    - لله درك يا بوارو!
    - أليس ذلك سخيفاً؟ إنني أرى الأربعة الكبار في كل مكان. .
    ها هو جاب قادم إلينا. .





    إذا كان الأمس ضاع .. فبين يديك اليوم
    وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
    ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل
    واحلم بشمس مضيئه في غد جميل



  8. #8
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    الفصل العاشر


    كان مفتش سكوتلاند يارد يقف على الرصيف , و حيانا بشدة عندما قدمنا إليه , و بدت على محياه بسمة عريضة ثم قال:
    - حسنا يا سيد بوارو , لقد أيقنت أنك ستقحم نفسك في هذا اللغز المحير , انه لغز من الطراز الأول , أليس كذلك ؟

    ثم انطلقت بنا سيارة جاب تنهب الأرض نحو كروفت لاندز

    كان البيت أبيض جميلا تحيط به الأشجار و النباتات المتعرشة و فيها الياسمين الأصفر اللامع وكنت أشعر بظلال من الكآبة تخيم على المنزل , و كان صمت الأشجار موحشا , و الورود تتمايل بحزن كأنما ترثي صاحب المنزل

    وكان الياسمين الأصفر يشد العيون ؛ لأن اسمه كان عنوان اللغز .. يبدو أن الرجل كان ذاهلا حين كتب هذا , إنها كلمات لا معنى لها و لا تفيد شيئا

    ابتسم بوارو و قال :
    - ما الذي تراه يا سيد جاب ؟ حادث أم جريمة ؟

    بدا المفتش مرتبكا محرجا أمام سؤال بوارو :
    - إذا نفينا أثر تلك التوابل الهندية و لم يثبت أنها هي السبب في الوفاة فإني أميل إلى الرأي القائل بأنه حادث ؛ لأني أستبعد أسلوب القتل بوضع رأس رجل حي في النار : ألا ترى أنه كان سيملأ البيت صارخا ..

    قال بوارو يحدث نفسه :
    - آه لقد كنت أحمق , أحمق ثلاث مرات , انك أذكى مني يا جاب !

    فوجئ جاب بهذا المديح .. كان بوارو دائما يمدح نفسه و يسخر من غيره , و احمر وجه جاب و كانت شفتاه تتلعثم بكلمات غير مفهومة تشير إلى الريبة و الشكوك في نفسه في صدق بوارو عند مدحه

    دخلنا المنزل متجهين عبر ردهاته إلى الغرفة التي حدثت فيها المأساة : مكتب السيد باينتر , كانت غرفة واسعة , جدرانها تنوء بحمل الرفوف الملأى بالكتب العتيقة

    نظر بوارو عبر الشباك إلى حديقة خلفية فيها حصباء , ثم سأل :
    - هل كان مزلاج الشباك مفتوحا ؟
    - يبدو أن القضية كلها هنا ؛ لأن الطبيب حين خرج أغلق الباب خلفه , و في صباح اليوم التالي وجد مقفلا من الداخل , من الذي أقفله ؟ هل هو السيد باينتر نفسه ؟ آه لنغ أكد أن الشباك كان مغلقا بالمزلاج , و الدكتور كوينتين قال بأنه كان يشك أن الشباك كان مغلقا لكن ليس بالمزلاج , لكنه لم يتأكد , ولو تأكد لأدى ذلك إلى خلل خطير !

    فإذا كانت جريمة قتل فلا بد أن يدخل القاتل من الباب أو الشباك , و إذا كان الشباك فمن الأرجح أن الفاعل شخص من الخارج , و ربما فتحوا النافذة على مصراعيها حين كسروا الباب , و الخادمة التي فعلت هذا تقول بأن النافذة لم تكن مقفلة بالمزلاج , لكنها شاهدة سيئة جدا : لا تتذكر إلا ما يطلب منها أن تتذكره

    - و ماذا عن المفتاح ؟
    - وجد على الأرض بين حطام الباب , و قد يكون سقط من القفل عند الاقتحام ,و ربما أسقطه شخص ما حين دخل , أو يكون دخل من تحت الباب من الخارج
    - يبدو أن كل شيء عندك ((قد يكون ))

    كان بوارو يبحث عن نقطة وسط الركام , و كان وجهه عابسا مقطبا لأنه لم يجد ما يريد , ثم قال :

    - إنني أدور في ظلام دامس , كلما لمحت ومضة سرعان ما تنطفئ !

    جاب- بتجهم - : جيرالد الصغير لديه باعث قوي , أستطيع أن أقول بأنه كان متوحشا متهورا , الفنانون – كما تعرف – لا خلق لهم !

    لم يبد بوارو اكتراثا بهجوم جاب القاسي على الفنانين , لكنه ابتسم ابتسامة ذات مغزى كأنه عرف ما في نفس المفتش و قال له :
    - يا جاب الطيب , هل تظن أنك تستطيع أن تدر الرماد في عيني ؟ إنني على يقين أن أفكارك تتجه بالشك نحو الرجل الصيني لكنك داهية , تريد أن أساعدك و أنت تخادعني !

    انفجر جاب ضاحكا :
    - هكذا أنت دائما يا سيد بوارو , نعم أعترف أني أراهن على الشاب الصيني فهو الذي عبث بالكاري , و إذا كان قد حاول التخلص منه مرة فقد يحاول مرة أخرى
    - لكن السؤال هو : هل حاول ذلك حقا ؟
    - الذي يؤرقني هو الباعث , لعله انتقام همجي لا باعث له !
    - سؤال آخر : هل هناك أثر للسرقة ؟ هل اختفت أشياء ثمينة ؟ جواهر , أموال , أوراق ؟
    - كلا , أعني .. ليس تماما !

    أصغيت بانتباه شديد , وكذلك بوارو . و أكمل جاب موضحا :

    - أقصد لم تحصل سرقة , لكن العجوز كان يكتب كتابا ما , لقد عرفنا عنه هذا الصباح حين وصلت رسالة من الناشرين يسألون عن المخطوطة , حاولت البحث عنها بمساعدة باينتر الصغير فلم نجد شيئا , ربما يكون قد خبأها في مكان ما ..

    لمعت عينا بوارو بالضوء الأخضر الذي كنت أعرفه جيدا و سأل :
    - ماذا كان يسمى ؟ أعني .. هذا الكتاب ؟
    - كما أذكر أن اسمه : (( اليد الخفية في الصين ))

    صفر بوارو و قد أخذته النشوة , ثم قال بسرعة :
    - دعني أر الرجل الصيني آه لينغ

    أرسل جاب في طلب الصيني , فجاء يجر قدميه متثاقلا و ضفيرته تتأرجح على ظهره , كان وجهه جامدا لا تلمح في أثر للعاطفة , خاطبه بوارو :

    - آه لينغ . هل أنت آسف لموت سيدك ؟

    أجاب بلغة إنكليزية ركيكة :
    - طبعا إني آسف جدا , انه رجل طيب !
    - هل تعرف من قتله ؟
    - لا , ولو كنت أعرف لأخبرت الشرطة

    استمرت الأسئلة والأجوبة و الوجه الجامد نفسه لم يتغير , و تحدث آه لينغ عن الكاري الذي طبخه بنفسه , و أوضح أن الطاهي لم يكن له يد بذلك و لم تلمسه أي يد إلا يده هو , و كنت أتساءل : هل كان يعرف أين سيقوده اعترافه ؟ , و قد أبدى دهشته هو أيضا من فتح النافذة , و أخيرا صرفه بوارو قائلا :

    - هذا يكفي يا آه لينغ

    و لكنه ناداه حين وصل إلى الباب :
    - وهل تعرف شيئا عن الياسمين الأصفر ؟
    - لا ,و ماذا يجب أن أعرف ؟
    - و لا عن الإشارة التي كتبت تحتها ؟

    سأله بوارو وهو يميل برأسه نحو الطاولة و قد لمحت عيناه شيئا مكتوبا وسط الغبار المتراكم عليها , فقد كتب بوضوح رقم ((4)) !

    أصاب الرجل الصيني رعب لمحه في وجهه كأنه أصيب برعشة كهربائية , ثم عاد جامد الوجه مرة أخرى و تراجع وهو يكرر إنكاره الشديد
    ذهب جاب يبحث عن باينتر الصغير و تركنا وحدنا , صرخ بوارو :
    - الأربعة الكبار مرة أخرى يا هيستنغز , باينتر كان جوالا كثير السفر , و بلا ريب كانت لديه المعلومات الخطيرة التي تخص الزعيم و العقل المدبر لمجموعة الأربعة الكبار لي شانغ ين !
    - و لكن كيف ؟ ومن ؟
    - صه , هاهم قادمون ..

    كان جيرالد باينتر شابا لطيفا ضعيف الجسم , تزين وجهه لحية بنية لطيفة , و كان يلبس ربطة عنق غريبة , أجاب عن أسئلة بوارو باستعداد تام .. أوضح قائلا :
    - أكلت العشاء في الخارج مع بعض جيراننا من بيت ويشرليز
    - متى عدت إلى البيت ؟
    - حوالي الساعة الحادية عشر , معي مفتاح المزلاج , جميع الخدم كانوا قد ذهبوا للنوم , و ظننت أن عمي نام أيضا . أذكر أنني لمحت ذاك المتسول الصيني صاحب القدم الطرية آه لينغ وهو يتحرك بخفة حول زاوية القاعة , لكنني أظن أنني كنت مخطئا
    - هل تذكر آخر مرة رأيت فيها عمك , أقصد قبل أن تأتي لتعيش عنده ؟
    - آه ! لم أره منذ كنت طفلا في العاشرة عندما تشاجر مع أبي !
    - لكنه استطاع أن يجدك مرة أخرى ببعض الصعوبة , أليس كذلك ؟
    - بلى , و قد رأيت أن إعلان المحامي في الجريدة عن طريق الحظ !

    لم يسأله بوارو أسئلة أخرى , ثم انطلقنا نحو الطبيب كوينتين فكانت روايته هي نفسها دون إضافة تذكر , فقال :

    - يا ليتني أستطيع أن أذكر شيئا عن النافذة , و من الخطورة التفكير في الماضي , فقد يقنع المرء نفسه بوجود أشياء لم تكن موجودة قط .. هذه ناحية نفسية , أليس كذلك يا سيد ؟ لقد قرأت عن أساليبك و أنا معجب بك كثيرا .

    أستطيع أن أؤكد أن الرجل الصيني هو الذي وضع الأفيون في الطعام , و لكنه لن يعترف و لن نعرف نحن أبدا لماذا , لكن وضع رجل في النار لا يليق بشخصية رجلنا الصيني .. هذا ما يبدو لي !

    كان جاب يجري مراقبة حثيثة لكلا الشخصين منذ رؤية الجثة , وحاولت أن أقدم رأيي في بعض جوانب القضية , فقلت :
    - أظن أن جيرالد باينتر لا صلة له بالجريمة

    سخر بوارو و قال
    - أنت دائما تعرف أكثر مما أعرف , وهذه هي المصيبة

    ضحكت قائلا :
    - أيها الثعلب العجوز, لن تتغير أبدا !
    - حتى أكون أمينا يا صديقي فان القضية أصبحت واضحة تماما ما عدا كلمتين : (( الياسمين الأصفر )) , و إني أظن أن هذين الشخصين لا يملكان قدرة على ارتكاب الجريمة معا , عليك أن تقرر : من الذي يكذب ؟..

    كنا نمشي في الطريق , و فجأة اندفع بوارو من جانبي إلى مكتبة مجاورة ثم خرج منها بعد بضع دقائق وهو يحمل طردا , و ما لبث أن انضم إلينا جاب و مضينا نبحث عن مأوى في أحد الفنادق

    و عندما استيقظت في صباح اليوم التالي كان الوقت متأخرا , و نزلت إلى غرفة الجلوس , فوجدت بوارو يذرع الغرفة ذهابا و إيابا بوجه عابس قلق , و حين رآني صاح وهو يلوح بيده :

    - لا تتكلم معي , اصمت , حتى أتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام , و أن الرجل قد اعتقل . إن من يكتب رسالة احتضار , يجب أن يكتب شيئا مهما جدا : الياسمين الأصفر , هل تعني شيئا ؟ يجب أن يكون كذلك

    ثم أخرج كتابا صغيرا و قال : هذا الكتاب أخبرني .. اسمع :

    - الياسمين الأصفر : جلسيميني راديكس : مركب جلسيميني قلوي , سم فعال مثل الكونين , الجلسميوم عقار مسكن فعال للجهاز العصبي المركزي , فإذا أخذت منه جرعات كبيرة تسبب الدوار و تضعف القوة العضلية , الموت يكون بسبب شلل مركز التنفس

    هل تذكر يا هيستنغز منذ البداية حين أبدى جاب ملاحظته في دفع رجل حي في النار ؟ علمت بعدها أن الرجل الذي دفع إلى النار كان ميتا !

    - لماذا ؟ لماذا ؟
    - يا صديقي إذا أردت أن تقتل رجل بالرصاص و طعنته بعد الموت و ضربته على رأسه لكان واضحا أن ذلك تم بعد الوفاة , لكن حين يحترق الرأس حتى يصبح رمادا فلا أحد يستطيع تبين سبب الوفاة الصحيح . و الرجل الذي نجا من سم أثناء العشاء لا يجوز أن يتم تسميمه بعد ذلك فورا , من الذي يكذب ؟ هذا هو السؤال .. قررت أن أصدق آه لينغ
    - ماذا ؟ هل جننت ؟
    - هل أنت ذاهل يا هيستنغز ؟ آه لينغ يعرف وجود الأربعة الكبار , كان هذا واضحا , لكنه لم يكن يعرف درجة ارتباط تلك الجريمة بهم حتى هذه اللحظة , لو كان القاتل هو لاستطاع أن يظل جامدا بوجهه بصورة تامة , و لذلك قررت أن أصدقه و ركزت شكوكي على جيرالد باينتر . لقد بدا لي أن رقم ((4)) قد وجد أن التمثل بشخصية ابن الأخ المفقود منذ سنين سهل جدا !
    - ماذا ؟ رقم ((4)) ؟
    - لا يا هيستنغز , حين قرأت مسألة الياسمين الأصفر و ثبت الحقيقة أمام عيني في الحال
    - كما تفعل دائما .. إنها لا تثب أمام عيني أنا لأنك لا تعمل خلاياك الرمادية , من الذي كانت له فرصة اعبث بالكاري الهندي ؟
    - آه لينغ ولا أحد غيره
    - لا أحد ؟ و ماذا عن الطبيب ؟
    - لقد كان هذا فيما بعد
    - فيما بعد , نعم , فعندما ثارت الشكوك في وجبة الكاري الهندي لم يأكل الرجل العجوز منها , و حفظها ليعطيها طبيبه المعالج , و تم استدعاؤه في الحال . الدكتور كوينتين يصل و يتولى أمر الكاري , ثم يعطي مريضه حقنة من الستركنين , و في الحقيقة هي من الياسمين الأصفر , و حين يبدأ فعل الدواء بالسريان يغادر بعد فتح مزلاج النافذة , ثم يعود عن طريق الشباك و يجد المخطوطة و يدفع السيد باينتر في النار

    انه لم يلتفت إلى الصحيفة التي سقطت على الأرض من بين يدي الضحية . لقد عرف باينتر أي دواء أعطي له , و جاهد لكي يتهم الأربعة الكبار بقتله . من السهل على الدكتور كوينتين أن يخلط الأفيون بالكاري و يقدمه للفحص , و في أثناء روايته يذكر مسألة الستركنين عرضا حتى إذا ما تم كشف موضع الإبرة تحت الجلد يكون السبب معروفا سابقا , و في الحال ينقسم الاشتباه بين كونه حادثا و كونه ذنب الرجل الصيني آه لينغ بسبب الكاري الهندي

    - لكن هل يكون الدكتور كوينتين هو رقم ((4)) ؟
    - أجل يجوز بلا شك يوجد طبيب حقيقي اسمه كوينتين و ربما يكون في مكان ما في الخارج , لقد تنكر رقم ((4)) في شخصيته ببساطة , و التنسيق الذي تم مع الدكتور بولثيو من أجل العمل طيلة فترة الجازة تم تنفيذه كله عن طريق المراسلة ..

    في تلك اللحظة دخل جاب ووجهه محمر جدا .. صرخ بوارو :
    - هل أمسكت الرجل ؟
    - لا , لقد عاد بولثيو من إجازته هذا الصباح و تبين أنه قد استدعي ببرقية لا أحد يدري من ذا أرسلها .. الرجل الآخر غادر الليلة الماضية لكننا سنمسك به

    هز بوارو رأسه باستخفاف و حزن وهو يقول :
    - لا أظن ذلك ! ..

    ثم رسم بيده رقم ((4)) على الطاولة بخط كبير بطريقة لا شعورية ..


    الفصل الحادي عشر

    في إحدى الأمسيات الهادئة كنت مع بوارو نأكل العشاء في مطعم صغير في سوهو عندما انضم إلينا المفتش جاب فجأة , و كان لقاء وديا حارا, فقد مضى وقت طويل لم نلتق به , منذ مسألة الياسمين الأصفر قبل حوالي شهر , فقال بوارو موبخا :
    - ما هذه الجفوة يا جاب ؟ لقد مضت فترة طويلة دون أن نراك أو نسمع عنك شيئا
    - لقد كنت في منطقة الشمال طوال الفترة المنصرمة .. ما أخبار الأربعة الكبار ؟ مازالوا يزدادون قوة , أليس كذلك ؟
    - أدرك أنك تحاول السخرية يا جاب الصغير , لكن الأربعة الكبار موجودون ..
    - ها , لا أشك في ذلك , لكنهم ليسوا محور الكون كما تزعم
    - أنت نخطئ يا عزيزي , إنني أظن أن أعظم قوة للشيطان في العالم اليوم هي الأربعة الكبار , إلى أي نهاية يسيرون و ماذا يخططون ؟ لا أحد يعلم , و لكن ليس هناك منظمة إجرامية تضاهي هذه المنظمة , على رأسها أذكى دماغ في الشرق , و مليونير أمريكي , و عالمة فرنسية , أما الرابع ..

    تداركه جاب : أعرف ذلك , أعرفه جيدا , لقد أصبح هاجسك الذي لا يفارقك , دعنا نتحدث في شيء آخر , هل تهتم بالشطرنج ؟

    - لقد لعبته مرات معدودة , نعم
    - هل رأيت ذلك الحدث أمس ؟ مباراة بين أشهر لاعبين في العالم تنتهي نهاية محزنة مثيرة : لقد مات أحدهما أثناء اللعبة
    - قرأت الخبر في الصحيفة : البطل الروسي كان أحد اللاعبين , أما الآخر صاحب الحظ السيء فهو الأمريكي جيلمور ويلسون !
    - تماما , سافرونوف هزم روبستين و تربع على عرش بطولة روسيا قبل بضع سنوات , و أصبح ويلسون بطلا ثانيا ..
    - إنها قضية مثيرة حقا , لكن يبدو أن لك اهتماما خاصا بهذا

    ضحك جاب مرتبكا من ذكاء بوارو ..

    - لقد أصبت يا سيد بوارو , إنني أغرق في حيرة شديدة حقا ! ويلسون كان سليما معافى , ليس عليه علامة من علامات مرض القلب , وفاته لا يجوز تفسيرها بهذه السهولة

    قلت معلقا :
    - هل تظن أن سافرونوف قد أبعده عن الطريق ؟

    لم يكترث كثيرا لسؤالي و قال :
    - ربما , لكني لا أظن أن اللاعب الروسي يمكن أن يقتل رجلا من أجل ألا يهزم في لعبة الشطرنج

    بوارو : إذن ما هي فكرتك باختصار ؟ من الذي سمم ويلسون و لماذا ؟ أنت تشك قطعا بالسم

    - توقف القلب فجأة يعني أنه توقف عن الخفقان , هكذا يقول الطبيب , لكن تأويل الحدث لا يرضي أحدا حتى الطبيب نفسه
    - متى تشرح الجثة ؟
    - الليلة , ربما سنكتشف بعض الأسرار , لقد كانت وفاة ويلسون مفاجأة غير عادية إذ بدا طوال الوقت طبيعيا , و سقط فجأة و هو يأخذ حجرا ليحركه

    اعترضه بوارو :

    - هناك أنواع قليلة من السموم يمكن أن تعمل بهذه الطريقة
    - هذا صحيح , هذا ما سيكشفه التشريح . لكن , من الذي يريد إبعاد ويلسون عن الطريق ؟ انه رجل مسكين و متواضع و لطيف , لقد جاء هنا للتو من الولايات المتحدة و لا أظن أن له في العالم أعداء
    - أظنك تحوم حول فكرة معين
    - فكرة تسيطر علي : إن السم لم يكن يقصد به ويلسون , بل الرجل الآخر
    - سافرونوف ؟
    - نعم هناك خصومة قديمة و عنيدة بينه و بين البلشفيين منذ اندلاع الثورة , و قد أشيع أنه قتل , لكنه في الحقيقة نفي إلى سيبيريا ثلاث سنين في ظروف قاسية يصعب تصديقها , حتى تغيرت أحواله و تبدلت أوصافه , ابيض شعره و تهدل منكباه و عندما هرب أخيرا و لجأ إلى إنكلترا صعب حتى على أصحابه القدامى أن يتعرفوا عليه .

    وهو منذ ذلك الحين لا يغادر بيته إلا قليلا و قد آثر اعتزال الناس مع بنت أخيه سونيا و خادم روسي في شقته متوارية على طريق ويستمنستر , كأنه مازال مرعوبا يلاحقه الخوف من خصومة الأقدمين , و هذا سبب رفضه المتكرر للمباراة التي ألح عليه ويلسون لخوضها متحديا , ولو لا الحملة الصحفية المثيرة التي فسرت الرفض أنه منافاة للروح الرياضية لما استسلم سافرونوف بهذه السهولة .. إنني مقتنع أن ويلسون قتل خطأ !

    - ألا ينتفع شخص بموت سافرونوف ؟
    - حسنا , ابنة أخيه وارثه الوحيد , لقد حصل مؤخرا على ثروة ضخمة تركتها له مدام جوسبوجا التي كانت زوجة لتاجر سكير كبير في ظل النظام القديم و يبدو أن علاقة ما كانت قائمة بينها و بين سافرونوف
    - أين حدثت المباراة ؟
    - في بيت سافرونوف الخاص ؛ لأنه كان مريضا كما قلت لك
    - و هل شاهدها عدد كبير من الناس ؟
    - اثنا عشر شخصا على الأقل

    هز بوارو رأسه بحركة معبرة ثم قال :

    - كم أنت مسكين يا جاب , إن عملك صعب جدا !
    - إذا تأكد لدي أن السم كان هو السبب أستطيع أن أقول : إنني سأنجح
    - على ضوء افتراضك بأن سافرونوف هو المقصود , هل خطر لك أن القاتل سيحاول مرة أخرى ؟
    - قطعا يا سيد , هناك رجلان يراقبان بيت سافرونوف دوما ..

    فقال بوارو بنبرة فيها معنى الاستخفاف :

    - هذا سيكون مفيدا لو أن الزائر يحمل قنبلة تحت إبطه ..
    - أظن أنك أصبحت مهتما بالقضية , ما رأيك أن تذهب معي إلى المشرحة لمشاهدة جثة ويلسون قبل البدء بتشريحها فربما ظهر لك دليل ما ..

    وافق بوارو , و لقد بدا لي أنه أصبح مأسورا تماما بالقضية الجديدة , فقد مضى وقت طويل دون أن يهتم بقضية بعيدة الصلة عن الأربعة الكبار و نشاطهم , و لقد شعرت بسرور لرؤية بوارو يرجع تدريجيا لنشاطه الأول

    و حين نظرنا إلى الجسد المسجى لم نلحظ أي أثر غريب ما عدا الندبة التي ظهرت على أصابع يده اليسرى , و لقد أوضح الطبيب أنه حرق و ليس جرحا

    انتقل بوارو إلى الاهتمام بمحتوى جيوبه و قد نثرها أمامنا أحد رجال الشرطة , و لم يكن فيها سوى منديل و مفاتيح و دفتر ملاحظات و بعض الرسائل غير الهامة , لكن وجد شيئا بسيطا أثاره , فقد أمسك باثنين من حجارة الشطرنج و صاح منفعلا :

    - بيدق .. فيل .. هل كان هذا في جيبه ؟
    - لا , كان يمسك به بيده , و بصعوبة بالغة تم استخراجه من بين أصابعه المتشنجة تشنجا قويا , يجب إرجاعه للدكتور سافرونوف , انه جزء من طقم جميل منحوت من العاج !
    - اسمح لي أن أعيدها أنا إلى السيد سافرونوف و لعل ذلك يكون عذرا كي أزوره

    صرخ جاب مستبشرا :

    - إذن تريد الغرق في لجة هذه القضية كما أرى ؟
    - نعم لقد طاب لي البحث في هذه المعضلة , لقد استطعت إثارة اهتمامي يا سيد جاب

    ثم عاد بوارو متجها إلى الجثة و سأل :

    - هل لك أن تعلمني أكثر عن الضحية ؟
    - لا أظن , لم يبق شيء
    - و لا حتى أنه أعسر ؟
    - انك ساحر يا بوارو , كيف عرفت ؟ لقد كان أعسر حقا , و هل لهذا صلة بالحادث ؟
    - ربما لم يكن لهذا الأمر بالحادث أي علاقة

    في صباح اليوم التالي كنا نشق طريقنا إلى شقة سافرونوف في ويستمنستر , و قلت متأملا :
    - سونيا دافيلوف , انه اسم رائع

    سمع بوارو حديثي , ألقى علي نظرة بائسة ثم قال :
    - أنت هكذا دائما , رومانسي تماما , لكن حظك سيكون سعيدا إذا ظهر أن سونيا دافيلوف هي صاحبتنا الكونتيسة فيراروساكوف

    و حين سمعت الاسم أصابتني هزة عنيفة و اكفهر وجهي و أعادتني الذاكرة إلى أشد فترات الحرج في حياتي , لكن بوارو تدارك بسرعة :

    - لا , لا يا هيستنغز , إنما هي نكتة .. لا أظن أن أصابع الأربعة الكبار وصلت بنا إلى هنا ..

    فتح الباب خادم ذو وجه متجهم كأنما نحت من خشب لا انفعال فيه و لا يكاد يبدي استجابة لأي مؤثر

    قدم بوارو بطاقة كتب عليها جاب بضع كلمات تعريفية , و بعدها تم اقتيادنا نحو غرفة المجلس . كانت غرفة واسعة منخفضة , على جدرانها ستائر فخمة , و تملأ زواياها تحف ثمينة , و الأرض مفروشة بالسجاد الفارسي الرائع

    اتجهت نحو إحدى التحف أتفحصها , و قد كانت ذات قيمة غالية و حين استدرت نحو بوارو لأحدثه وجدته منبطحا على الأرض و أصابعه تعبث بسجادة فارسية , و عيناه تمعنان النظر باهتمام بالغ , فخطر لي أن السجادة جميلة تلفت النظر حتى تحوز على هذا الاهتمام , فقلت :

    - هل هي قطعة نادرة ؟
    - السجادة ؟ إنها قطعة رائعة و لكني أبحث عن شيء آخر .. إبرة كبيرة أدخلت عمدا في وسطها . الإبرة ليست هنا الآن و لكن الثقب الذي أحدثته واضح جدا !

    صوت امرأة من خلفنا جعلني أدور بسرعة نحوها بينما قفز هو على قدميه برشاقة , كانت هي تقف في مدخل الغرفة و عيناها علينا , كانت متوسطة الطول و ذات شعر أسود قصير , يبدو أنها لا تتقن الإنكليزية تماما :

    - عمي حريص و أخشى أنه لن يستطيع مقابلتكم
    - هذا شيء مؤسف , هل تتلطفين بإجابتنا بعض الأسئلة ؟ أنت الآنسة دافيلوف , أليس كذلك ؟
    - بلى , أنا سونيا دافيلوف , ما الذي تريد معرفته ؟
    - إني أتابع التحقيق في الحادث المحزن الذي أدى إلى وفاة السيد ويلسون , هلا أخبرتنا عن الحادث ؟
    - لقد مات بسبب توقف قلبه أثناء اللعب في المباراة
    - هيأة التحقيق غير متأكدة من هذا السبب كما يبدو يا آنسة

    ارتعدت الفتاة و بدرت منها حركة تنبئ برعبها و صرخت :

    - إذن لقد كان إيفان محقا , إنها الحقيقة , يا الهي !
    - من هو إيفان ؟ و ما هي الحقيقة ؟
    - إيفان هو الذي فتح لكم الباب , لقد أخبرني أن جيلمور لم يمت موتا طبيعيا , بل مات مسموما , ولم هذا المقصود
    - لم يكن هو المقصود ؟
    - أجل كان المقصود هو عمي !
    - لكن من الذي يريد سم عمك ؟
    - لا أعرف إنني أعيش في ظلام , و عمي لا يثق بي و ربما يكون هذا طبيعيا , لأنه لم يرني إلا و أنا طفلة صغيرة , و جئت الآن لأعيش معه في لندن , و كل ما أعرفه أنه يعيش في رعب دائم , انه يخاف شيئا ما , إن روسيا مليئة بالجمعيات السرية , و لقد سمعت مرة إحدى مكالماته ..

    و مالت برأسها نحو بوارو و همست :

    - هل سمعت شيئا عن جمعية تسمى (( الأربعة الكبار ))؟

    جحظت عينا بوارو و ارتجف من هول المفاجأة :
    - ماذا ؟ هل تعرفين الأربعة الكبار يا آنسة ؟
    - إذن هي جمعية موجودة , لقد سمعت إشارة عنها و سألت عمي بعد ذلك أر رجلا خائفا مثله : شحب لونه و ارتجف عندما سمع هذا الاسم , لقد كان يخاف منهم خوفا عظيما , إني متأكدة من ذلك .. لا بد أن ويلسون قتل خطأ

    همس بوارو :

    - الأربعة الكبار , دائما الأربعة الكبار .. إنها مصادفة مذهلة حقا , إن عمك مازال في خطر , و يجب أن أنقذه . أعيدي علي الآن سرد أحداث الواقعة , أريني رقعة الشطرنج و كيف كان يجلس الرجلان و أين , أريني كل شيء

    اتجهت إلى جانب من الغرفة و أحضرت طاولة صغيرة بدا سطحها رائعا مرصعا بمربعات من الفضة و اللون الأسود على هيئة رقعة شطرنج :

    - أرسلت هذه إلى عمي هدية قبل بضعة أسابيع مع رجاء حثيث أن يستعملها في المباراة القادمة التي كان سيلعبها .. كانت في وسط الغرفة هكذا

    تفحص بوارو رقعة الشطرنج بصورة مبالغة : من الأطراف إلى الأسفل , ورأيت في ذلك بعض المبالغة .

    لم يسألها أي سؤال من الأسئلة التي كنت أشعر بأهميتها في التحقيق , و شعرت أن أسئلته عديمة الجدوى و لا مغزى لها , و أيقنت أن ذكر الأربعة الكبار جعله يفقد توازنه العقلي !

    لم يسألها عن المشروبات التي قدمت و لا عن الأطعمة و لا سأل عن أشخاص الحاضرين , تنحنحت بتكلف و أنا أسأله :

    - ألا تظن يا بوارو هذه المرة ..

    تداركني بوارو بعجرفة قائلا وهو يشير بيده نحوي :

    - لا تظنن يا صديقي و اترك الاستنتاجات لي .. يا آنسة , هل يستحيل تماما رؤية عمك ولو لبضع دقائق ؟

    ابتسمت ابتسامة باهتة ثم قالت :
    - انه سيراك , نعم , إن دوري أن أقابل جميع الغرباء أولا قبل المقابلة لأسباب أنت تعلمها ..

    و اختفت في الغرفة المجاورة بعض الوقت ونحن نسمع صوت الهمس , ثم عادت لتقودنا إلى سافرونوف

    كان رجلا مهيبا يستلقي على أريكته , طويلا هزيلا ذا حواجب كثة متهدلة على عينيه و لحية بيضاء ووجه بدت عليه علامات الضنك و القسوة التي خلفها الزمان , و كان رأسه طويلا

    انه لاعب شطرنج عظيم , فلا بد أن له دماغا كبيرا واسعا يملأ هذا الرأس الضخم

    انحنى بوارو ثم قال :

    - سيدي , هل لي أن أتحدث إليك قليلا على انفراد ؟

    التفت نحو ابنة أخيه :

    - اتركينا قليلا يا سونيا
    - والآن يا سيدي , هل لديك شيء ما تود أن تقوله ؟
    - دكتور سافرونوف , لقد حصلت للتو على ثروة ضخمة فمن سيرثك ؟
    - لقد كتبت وصية أترك فيها كل شيء لابنة أخي سونيا
    - لكنك لم ترها منذ فترة طويلة , منذ أن كانت طفلة , و أظن أنه من السهل أن تنتحل أي فتاة هذه الشخصية

    تفاجأ سافرونوف بهذا الرأي و لكنه لم يعلق فقال بوارو مواصلا :

    - يكفي أن أعطيك إشارة فقط , هذا ما أريده , لكن هل لك أن تصف لعبة الشطرنج ذاك المساء ؟
    - كيف تريد أن أصفها لك ؟
    - حسنا , إنني لا ألعب الشطرنج لكنني أفهم أن هناك عدة طرق معتادة للبدء أو الافتتاح كما تسمونها

    ابتسم سافرونوف ابتسامة خفيفة :
    - ها , نعم , ابتدأ ويلسون بطريقة لوبيز إحدى أسلم البدايات التي يستخدمها اللاعبون بطريقة متكررة في المباريات
    - كم مضى على اللعبة عندما حدثت المأساة ؟
    - لقد حدث ما حدث بعد النقلة الثالثة أو الرابعة , عندما وقع ويلسون فوق الطاولة بشكل مفاجئ

    نهض بوارو لكي يغادر و سأل بغير اكتراث :

    - هل أكل أو شرب شيئا ؟
    - بعض الصودا , على ما أعتقد

    تريث بوارو على عتبة البيت و هو يهم بالخروج ثم سأل :

    - هل تعرف من يسكن تحتك ؟
    - السير تشارلز كينغويل عضو البرلمان , لقد استأجرها مفروشة مؤخرا
    - أشكرك يا دكتور

    دلفنا إلى الشارع و قد أطلت علينا شمس الشتاء من بين الغيوم بوهج بارد فانفجرت في بوارو :

    - حسنا ... في الحقيقة يا بوارو لا أظن أنك أبليت بلاء حسنا هذه المرة , و لقد ظهر لي أن أسئلتك كانت غير مناسبة
    - هل تعتقد ذلك يا هيستنغز ؟ ماذا كنت أنت ستسأل ؟

    حاولت أن أفكر بصياغة سؤال , و أوضحت مخططي لبوارو و هو ينصت إلي باهتمام مريب حتى وصولنا إلى البيت تقريبا حيث علق ببرود :

    - سؤال بارع جدا لكنه غير لازم
    - غير لازم , و هل .. ؟

    فتح الباب و دلف إلى داخل الغرفة و التقط رسالة كانت على الأرض

    - إنها من جاب كما توقعت . رسالة مختصرة تفيد بأنه لم يجد آثار السم .. و هكذا ترى أن أسئلتك التي وددت لو طرحتها لا لزوم لها
    - هل كنت تخمن هذه النتيجة من قبل ؟
    - عندما تعمل بنجاح لا يسمى هذا تخمينا
    - هل تريد أن نتجادل في أمور تافهة ؟ هل تنبأت بهذا ؟
    - نعم
    - لماذا ؟

    أخذ بوارو حجر الفيل الأبيض من جيبه ثم رفعه بين أصابعه , فصرخت فيه منفعلا :

    - لم لم تعده للدكتور سافرونوف ؟
    - أنت مخطئ في ظنك يا صديقي ! ذلك الفيل مازال في جيبي الأيسر أما هذا فهو فيل اللعبة الآخر و قد أخذته من علبة الأحجار و أنا أتفحصها ..

    حتى الآن لم أفهم حركات بوارو هذا , و سألته متحيرا :
    - و لكن لماذا أخذت الحجر الآخر ؟
    - قطعا من أجل أن أقارن بينهما , انهما يبدوان متشابهين تماما , و لكن يجب عدم التسرع بالاستنتاج . علي بميزاني الصغير لو سمحت

    و بعد أن وزن الفيلين بعناية التفت إلي ووجهه يشع بفرحة الظفر :

    - نعم , نعم , هذا صحيح , من المستحيل خداع هيركيول بوارو
    ثم أسرع نحو الهاتف :

    - هل هذا هو جاب ؟ هيركيول بوارو يتكلم , راقب الخادم إيفان لا تدعه يهرب , احذر أن يفلت من يديك مهما كان الثمن .. كما أقول لك ..

    ثم التفت إلي قائلا : حتى الآن أراك لم تفهم الحقيقة يا هيستنغز , انتبه سأشرح لك :

    إن ويلسون لم يقتل بالسم , بل قتل بالصعقة الكهربائية , خيط معدني رفيع يمر في منتصف هذا الحجر , و لقد أعدت الطاولة من قبل ووضعت بعناية فوق مكان ما على الأرض , و عندما وضع الفيل فوق إحدى المربعات الفضية انتقل التيار الكهربائي إلى جسم ويلسون و قتله على الفور , لقد كانت الطاولة خاصة معدة لهذا الغرض بعناية

    الطاولة التي تفحصتها كانت نسخة أخرى مشابهة , لقد استبدلت , و بقي الحرق هو العلامة الوحيدة على يد ويلسون اليسرى .. ألا تذكر أنه أعسر ؟ !

    إن الأمر قد تم في البيت الأسفل , لكن أحد الشركاء – على الأقل – كان في بيت سافرونوف . الفتاة جندي للأربعة الكبار , تعمل كي ترث أموال سافرونوف

    - و إيفان ؟
    - أشك بقوة أن إيفان ما هو إلا رقم ((4)) : الشهير بأنه شخصية تقدر أن تمثل أي دور ببراعة و سهولة

    تذكرت أدوار سابقة : حارس في المصحة العقلية , الجزار , الطبيب اللطيف , كلهم رجل واحد لكنهم لا يشبه أحدهم الآخر . ثم قلت في النهاية : إن ذلك مذهل .. كل شيء كان معدا , و لعل سافرونوف أحس بالخطر مما دفعه إلى التهرب من المباراة

    نظر بوارو إلي نظرة عميقة , ثم أخذ يجوب الغرفة ذهابا و إيابا , و فجأة التفت نحوي و سألني :

    - هل لديك كتاب عن الشطرنج يا صديقي ؟

    حاولت أن أبحث له عن الكتاب , و بعد أن وجدته سلمته له فأمسك به و غاص في كرسيه الضخم يقرأه

    بعد حوالي ربع ساعة رن الهاتف , كانت مكالمة من جاب , قال : لقد غادر إيفان الشقة وهو يحمل رزمة كبيرة , قفز إلى سيارة تنتظره , و بدأت المطاردة

    كان يحاول تضليل متعقبيه , و في النهاية عندما ظن أنه نجح سار بسيارته نحو بيت كبير في هامستيد , البيت كان محاصرا ..

    سردت المكالمة على مسمع بوارو , حدق إلي ذاهلا مما جرى , ثم فتح الكتاب عند طريقة لوبيز في الافتتاح و قال :
    - انظر .. 1P-K4 , P-K4;2 KT-KB3,K-QB3;3 B-KT5
    لقد كانت النقلة الثالثة إلى المربع الأبيض هي التي قتلت ويلسون , هل ينبئك هذا بشيء يا هيستنغز ؟

    لم أفهم مراد بوارو فصمت حائرا .. و انطلق هو شارحا نظريته :

    - هناك دائما طريقتان للنظر في الأمور . افترض يا هيستنغز أنك سمعت – و أنت جالس على هذا الكرسي – صوت الباب الأمامي و قد فتح و أغلق فماذا تستنتج ؟
    - لا بد أن شخصا قد خرج .. هذا ما سيتبادر إلى ذهني
    - هذا أحد الاحتمالين فقط , و الاحتمال الآخر ليس أقل شأنا : ربما كان ذلك الشخص قد دخل , أرأيت : على نفس المقدمة بني استنتاجان يناقض أحدهما الآخر

    و لكنك إذا سرت في الاتجاه الخاطئ فلا بد أن يظهر لك تناقض ما يدلك على أنك في الطريق غير الصحيح

    قلت : و ماذا يعني ذلك يا بوارو ؟

    قفز بوارو على قدميه فجأة ثم صرخ بعنف :
    - هذا يعني أني كنت غبيا ثلاث مرات , هيا أسرع إلى شقة سافرونوف لعلنا نصل في الوقت المناسب

    انطلقت بنا سيارة أجرة مسرعة و لم يجب بوارو عن أسئلتي الكثيرة . صعدنا الدرج مسرعين , لم يكن هناك جواب على قرع الجرس و طرق الباب مرارا , و عندما ألقينا السمع سمعنا صوت أنين مكتوم ينبعث من الداخل

    كان حارس العمارة يملك مفتاحا , و بصعوبة أقنعناه بفتح الباب , دلفنا مسرعين فإذا رائحة الكلوروفورم ووجدنا سونيا دافيلوف مكممة و مقيدة و محشوة قطنية مشبعة بالكلور تسد أنفها

    أسرع بوارو لينقذها , و اتصل بالطبيب الذي وصل بسرعة و تولى العناية بها , ثم جرى تفتيش الشقة و لم نجد الدكتور سافرونوف , فقلت :
    - ما معنى هذا ؟
    - هذا يعني أننا ظننا الظن الخاطئ منذ البداية ... لقد كنا أمام استنتاجين متساويين فاخترنا الاستنتاج الخاطئ .. ألا تذكر استنتاجك بشأن الباب الذي فتح و أغلق ؟ كان يمكن لأي واحدة أن تنتحل شخصية سونيا دافيلوف لأن عمها لم يرها منذ سنوات طويلة
    - نعم , و ماذا في ذلك ؟
    - حسنا .. العكس صحيح . أيضا يمكن لأي واحد أن ينتحل شخصية العم
    - ماذا ؟
    - لقد مات سافرونوف فعلا عند اندلاع الثورة , أما الرجل الذي زعم أنه تحمل المشاق و هرب , الرجل الذي (( تغير كثيرا حتى فشل أصدقاؤه في التعرف إليه )) , الرجل الذي زعم أنه حصل على ثروة ضخمة ..
    - من كان هذا الرجل ؟
    - رقم ((4)) , لقد كان خائفا عندما أخبرته سونيا أنها استمعت إلى إحدى مكالماته , مرة أخرى استطاع الانزلاق من بين أصابعي . لقد أيقن أنني سأسير في الطريق الصحيح حتى النهاية , لقد استطاع تحويل السندات ورقا نقديا , ثم فر بها بعد أن قام بمحاولة حبس سونيا دافيلوف و بعد أن أرسل إيفان الأمين في مطاردة تصرف عنه الانتباه
    - لكن من الذي حاول قتله ؟
    - لا أحد , ويلسون كان الضحية المقصودة منذ البداية , و رقم ((4)) لم يكن يعرف مبادئ اللعبة , من أجل هذا كان يرفض المباراة , و لقد حاول جاهدا الإفلات منها , و حين فشل وضع نهاية مأساوية لويلسون المسكين

    ويلسون كان مولعا بطريقة لوبيز , و لذلك خطط رقم ((4)) لموته في الحركة الثالثة قبل أن يتورط في أي صعوبات دفاعية

    حاولت أن أناقش بوارو بصلابة و حزم :

    - و لكن ألا توجد طريقة لتجنب المباراة دون اللجوء إلى القتل كأن يزعم بأن الطبيب منعه من اللعب مثلا ؟
    - بلى يا هيستنغز , لديه طرق أسهل , لكنك لا تفكر بعقل رقم ((4 )) – المدمر – الذي لا يحرص أن يتجنب إزهاق الأرواح , بل ما كان يشغله أن يمثل دور اللاعب الكبير , فليس غريبا أنه قد حاول مراقبة اللاعبين , وزار عدة مباريات ليقلد الجلسة , و تقطيبة الحركات الاستعراضية , وهو نفسه يضحك ؛ لأنه لم يكن يتقن غير حركتين أو ثلاث حركات , هذه هي نفسية رقم ((4)) , و هذا هو أسلوب تفكيره

    هززت رأسي استهجانا ..

    - حسنا , أعتقد أنك محق , لكني لا أفهم كيف يغامر شخص هذه المغامرة و يخاطر بحياته في حين يستطيع تحقيق ما يريد بطريقة أسهل

    ضحك بوارو ضحكة خفيفة وهو يقول :
    - و أين تكمن المخاطرة ؟ هل كان يمكن لجاب أن يحل اللغز ؟ رقم ((4)) يثق بنفسه و لا يتعرض للمخاطرة إلا في حال أن يخطئ خطأ حقيرا
    - و ما هو الخطأ الحقير ؟
    - لقد غفل يا صاحبي عن الخلايا الرمادية , خلايا هيركيول بوارو

    هززت رأسي و ناجيت نفسي : بوارو ذو مناقب حسنة كثيرة لكن التواضع ليس واحدا منها


    الفصل الثاني عشر

    كان الضباب يلف لندن في يوم شتاء قارس من أيام شهر كانون الثاني عندما كنا نجلس متقاربين عند الموقد , كنت أحس أن بوارو يرمقني بنظرات متتابعة , و كانت بسمة ساخرة على شفتيه , حاولت جاهدا أن أفهمها فلم أستطع , خاطبته :

    - أرجو أن تزداد ثقة بقدراتي يا سيد بوارو
    - لا عليك , إنما أرجع ذاكرتي إلى الماضي قليلا حين قدمت إلي في منتصف الصيف الماضي , و قد أخبرتني يومئذ أنك تود قضاء إجازتك معي و هي شهران على أبعد حد
    - لكني لا أذكر إن كنت ذكرت مدة معينة
    - لقد ذكرت ذلك حقا يا صديقي , لكن لماذا غيرت خطتك ؟
    - هذا صحيح , لكن هل خطر ببالك أنني سأدع بوارو يصارع هذا الأخطبوط العملاق الأربعة الكبار و أمضي ؟
    - ظننت هذا , و لقد أنست بصحبتك الكريمة , لكن ماذا ستقول زوجتك سندريلا الصغيرة كما يحلو لك تسميتها ؟
    - هي لا تدرك ما يجري هنا لكنها تفهم دوري و لن تقبل أن أدير ظهري لصديق
    - نعم , أعلم هذا , إنها زوجة وفية , لكن رحلتنا يا صاحبي رحلة طويلة

    هززت رأسي و أنا أشعر ببعض الإحباط , و يكاد اليأس يسري في أعماقي رويدا رويدا , ثم حاولت التعبير عن مشاعري بتساؤلات :

    - لقد مضى على هذا الصراع نحو ستة أشهر , و سؤالي : أين نحن الآن ؟ إنني أحسب يا بوارو دائما أن علينا أن نفعل الكثير
    - حماسك يعجبني يا صديقي , لكن ماذا تريدني أن أفعل ؟

    هذا السؤال يدعو إلى الحيرة , و جوابه ليس سهلا , لكني حاولت الإصرار بعناد , و لذلك بادرت إلى إجابة متزنة تحمل بعض جوانب القوة ..

    - علينا أن نبادر نحن بالهجوم و لا ننتظرهم , و أظن أن ما أنجزناه في الحقبة الفائتة شيء قليل
    - ما تم إنجازه أكبر مما تظن يا هيستنغز , كشفنا هوية رقم ((2)) و رقم ((3)) و عرفنا الكثير عن نفسية و أسلوب رقم ((4)) . . . ربما لم يحن الوقت الذي أستطيع فيه توجيه التهمة للسيد ريلاند أو مدام أوليفير , لكن أناسا كبار قد وقعت في نفوسهم شكوك فيهما , مثل اللورد ألدينجتون الذي عرف شيئا كثيرا عن الأربعة الكبار

    إن الأربعة الكبار لا زالوا يستطيعون السير , لكن كشافا كبيرا يلاحقهم و يفضح أفعالهم

    - و ماذا عن رقم ((4)) ؟
    - ألم أقل لك بأننا بدأنا نفهم أسلوبه و كيف يفكر ؟ يمكن أن تسخر من هذا الكلام , لكن تتبع شخصية ما و معرفة ماذا سيفعل تماما في كل الظروف مفتاح النجاح , و في حين أزداد معرفة بدوره فإنني أسعى ألا يعرف عني شيئا , هو في الشمس و نحن تحت الظل , و هو في كل يوم يزدادون خشية مني و خوفا
    - على كل حال فانهم الآن قد ابتعدوا عنا , وصار الخطر عنك بعيدا و الطريق خلو من الكمائن
    - كلا , بل هذا السكون يدهشني لا سيما أن عندهم طريقين واضحين لينالونا , و أعتقد جازما أن شيئا قد تبين لهم , لا أدري , هل فهمت قصدي ؟

    حاولت أن أجيبه – إذ لم أفهم كلامه – جوبا تهكميا

    - هل هي آلة جهنمية من نوع غريب لم تعرف بعد ؟

    نفد صبر بوارو , و ظهر ذلك من صوته الحاد الذي أحدثه بلسانه :
    - حسنا , إني محتاج إلى نزهة في الخارج على الرغم من برودة الطقس , أظن أنك تريد قراءة الكتب مثل (( مستقبل الأرجنتين )) و (( مرآة المجتمع )) و (( تكاثر الماشية )) و (( دليل اللون القرمزي ))

    كان كتاب اللون القرمزي يستحوذ على اهتمامي فرجاني بوارو أن أضع الكتب في مواضعها و أن أقضي على هذه الفوضى العارمة في البيت

    خرج بوارو بعد أن أبديت له اعتذاري بلطف , و تركني في متعتي التي لم يقاطعها أحد في كتابي المختار , و مع ذلك أعترف أنني كنت نصف نائم عندما سمعت طرقا على الباب فإذا السيدة بيرسون تقول:

    - برقية لك يا كابتن ..

    و امتدت يدي على الظرف و فتحته من غير اهتمام . كانت الرقية من برونسين مدير مزرعة الماشية التي أملكها في أمريكا الجنوبية , و كانت على النحو التالي :

    (( اختفت السيدة هيستنغز أمس , يخشى أن عصابة تسمي نفسها : (( الأربعة الكبار )) قد اختطفتها , أبلغنا الشرطة برقيا لكن لم يظهر أي أثر حتى الآن !

    برونسين))

    تراجعت إلى الخلف ووقعت في المقعد الكبير مصعوقا أعاود قراءة البرقية مرة بعد مرة , زوجتي الآن مخطوفة و بأيدي هذه المنظمة الإجرامية .. ماذا أفعل ؟ أين أنت يا بوارو ؟ من الضروري قدوم بوارو الآن , انه يقدر على هزيمتهم , سوف أنتظر قدومه قبل أن أحاول القيام بأي فعل , لكن سندريلا الآن في قبضة الأربعة الكبار

    . . الباب يطرق مرة أخرى , السيدة بيرسون من جديد :

    - رسالة يا كابتين , أحضرها رجل صيني بربري يقف أسفل الدرج

    الرسالة كانت قصيرة :
    (( إن أردت رؤية زوجتك فقم مع حامل هذه الورقة من فورك , لا تترك رسالة لصديقك و إلا فإنها سوف تعاني أذى كثيرا ))

    يا ويلي ! ماذا سأفعل ؟ لا وقت للتفكير , يجب أن أطيع , سندريلا في قبضة الكبار الأشرار , يجب أن أقوم مع هذا الرجل حيث يقودني , ذاك فخ و مصيدة , نعم , انه الأسر الأكيد و الموت المحتمل , لكن ليس لي من الأمر بد , يجب أن لا أتردد

    و كيف أذهب و لم أترك لبوارو كلمة واحدة حتى يبحث عني ؟

    و ترددت أن أكتب أية كلمة , شعرت أن للأربعة الكبار قوة خارقة يستطيعون أن يعرفوا كل صغيرة و كبيرة , و سهل على الرجل الصيني أن يصعد و يتأكد بنفسه , لقد التزمت أوامرهم , ربما تكون الخادمة الحقيرة جنديا لهم ! و مع ذلك قررت أن أترك البرقية لعل بوارو إذا اطلع عليها يدرك تفصيل ما جرى

    لبست قبعتي و انطلقت مهرولا خارج الباب حيث كان الرجل الصيني ينتظر .. رجل طويل ذو وجه صارم , ثوبه بال لكنه حسن , انحنى لي و ألقى التحية , كان يتقن الإنكليزية :

    - أنت الكابتن هيستنغز ؟
    - نعم
    - أعطني الرسالة أرجوك

    لقد تنبأت بطلبه فسلمته القصاصة من دون تردد . .
    - اليوم وردتك برقية , ووصلتك الآن من أمريكا الجنوبية , أليس كذلك ؟

    هنا أدركت عظمة قدرتهم على التجسس و المتابعة , و لا ينفع الإنكار , قد علموا كل شيء !

    - بلى وردتني برقية حقا . .
    - هلا ذهبت و أحضرتها الآن ؟

    شعرت بالحنق و الضيق يطوق عنقي , ركضت على الدرج مرة أخرى , خطر ببالي أن أفضي للسيدة بيرسون التي تقف أعلى الدرج , لكن الخادمة الصغيرة كانت تقف قربها

    عبرت المجلس بعدما ترددت في إخبارها , و عدلت عن الفكرة , أخذت البرقية , ثم جاءتني فكرة . . أترك علامة يفهمها بوارو , أخذت أربعة كتب من الخزانة و نثرتها على الأرض , سوف يعرف أن ذلك شيء غير عادي , عندما يتذكر محاضرته المقتضبة قبل خروجه عن ضرورة الترتيب . ثم عمدت إلى مجراف الفحم فملأته و نثرت أربع فحمات في الموقد و دعوت الله أن يوفق بوارو لمعرفة هذا الرمز !

    و تدحرجت على الدرج مسرعا , و أخذ الرجل الصيني البرقية , قرأها ثم أودعها في جيبه و أشار بحركة من رأسه أن أتبعه ..

    قادني في طريق طويلة مملة , ركبنا القطار مرة و الحافلة مرة أخرى ثم في سيارة أجرة , و كانت الطريق إلى الشرق دائما , حتى اقتربنا من أحواض السفن فعلمت أني ذاهب إلى قلب الحي الصيني

    بدأ الرعب يسري في , و شعرت بالخوف أكثر عندما توقف مرشدي بعد لف و دوران في الممرات و زقاق عند بيت خرب متهاو

    طرق الباب أربعا , ففتح الباب في الحال رجل صيني آخر , أذن لنا بالدخول . هنا شعرت أن إغلاق الباب خلفي كان نعيا لآخر آمالي في هذه الحياة . . . هاأنا ذا في الأسر

    قادني رجل صيني آخر عبر درجات متهاوية نحو الأسفل , إلى قبو مليء ببراميل خشبية فارغة تفوح منها رائحة التوابل الشرقية

    أحسست بجو الشرق الغريب يحيط بي , أزاح الرجل بضعة براميل فظهرت فتحة أرضية لنفق مظلم , أمرني بالدخول , كان ممرا ضيقا مظلما موحشا يؤدي إلى قبو آخر !

    تقدمني الرجل و ضرب على الجدار أربعا ففتح شق من الحائط , و دخلنا في ممر قصير يؤدي إلى قاعة مدهشة كأنها قطعة من قصر من قصور ألف ليلة و ليلة !

    غرفة منخفضة جدرانها مكسوة بالحرير الشرقي , و الأرض مفروشة بالسجاد الثمين , مضاءة بصورة باهرة يعبق الجو فيها بالعطور الشرقية , و كان فيها بضع أرائك رائعة من صنع الصين !

    جاء الصوت من خلف الستارة :
    هل حضر ضيفنا الكريم ؟

    أجاب الدليل :

    - يا صاحب السعادة انه هنا
    - دعه يدخل

    فتحت الستارة فظهرت أريكة ضخمة ذات وسائد , قد جلس عليها رجل عظيم طويل , يلبس ثيابا مطرزة جميلة , و قد استطالت أظفاره بشكل ملفت للنظر . قال وهو يشير بيده :

    - اجلس يا كابتن هيستنغز , تسرني رؤيتك , أشكرك على قدومك فورا و تلبية طلبي
    - من أنت ؟ هل أنت لي شانغ ين ؟
    - في الحقيقة لا . أنا واحد من أبسط خدمه ليس غير . إنني أفعل ما يأمرني كما يفعل عماله الكثيرون المنتشرون في كل مكان كما في أمريكا الجنوبية مثلا

    انتفضت من مكاني و صرخت :

    - أين هي ؟ ماذا فعلتم بها ؟
    - هي في مكان آمن لم يصبها أذى حتى هذه اللحظة

    كانت ابتسامته الخبيثة تثير رعشة في , و أدركت أنني أواجه شيطانا فصرخت :

    - ماذا تريد ؟ المال ؟
    - عزيزي الكابتن هيستنغز .. ليست لدينا مخططات للاستيلاء على مدخراتك القليلة فاطمئن , انك لم تصب الهدف , و أظن أن صاحبك لم يكن ليوافقك هذا الرأي
    - أظن أنك أردت أن أقع في شركك و قد بجحت , هاأنا ذا جئتك و عيني مفتوحة , افعل بي ما تشاء و اتركها , إنها لا تعرف شيئا بتاتا , و لن يكون وجودها نافعا , قد أمسكتما لتمسك بي و تحقق لك ذلك

    شعرت أن الرجل يرقب حركاتي بدقة بعينيه الصغيرتين و هو يربت على خديه :

    - لقد ذهبت بعيدا جدا , المشكلة لم تحل يا كابتن .. إن القبض عليك ليس هدفنا يقينا , بل نريد صاحبك السيد هيركيول بوارو

    أطلقت ضحكة سخرية و قلت له :

    - لن تستطيعوا

    لكنه استمر متجاهلا تعليقي :
    - أرى أن تكتب رسالة إلى صديقك بوارو تقنعه بالمجيء هنا للانضمام إليك سريعا

    قلت غاضبا :

    - لن أفعل الرفض عاقبته لا ترضيك
    - عليك اللعنة
    - قد يكون مصيرك الموت

    غالبت رعشة غريبة سرت في جسدي و أجبته متصبرا :

    - تهديداتك لن تخيفني , و يحسن أن توفرها لأمثالك من الصينيين الجبناء
    - إنني جاد يا كابتن .. للمرة الأخيرة : هل ستكتب هذه الورقة ؟
    - لن أفعل
    ومن فوره صفق الرجل بيديه تصفيقا رفيقا , فإذا باثنين من الخدم انشقت الأرض عنهما ينقضان علي و يقيدان ذراعي قبل أن يسحباني إلى إحدى زوايا الغرفة حيث انهارت الأرض من تحتي .

    بقيت معلقا من يدي و جسمي مدلى في الشق المظلم أسمع تحتي صوت تلاطم المياه . و سمعت الصوت الهادئ للرجل الجالس على الأريكة :

    - النهر . . فكر ثانية يا كابتن . سوف ينتهي أمرك في ثوان لا غير !

    أعترف أنني لست من أشجع الرجال , و أعترف أن الخوف و الرعب سيطرا علي , و أيقنت أنني أعيش لحظاتي الأخيرة , و لم أملك تهدئة صوتي المرتعش و أنا أرد عليه :

    - لآخر مرة . . لا . اذهب إلى الجحيم !

    و أغلقت عيني – بغير إرادة مني – و دعوت دعاء قصيرا





    إذا كان الأمس ضاع .. فبين يديك اليوم
    وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
    ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل
    واحلم بشمس مضيئه في غد جميل



  9. #9
    عضو جديد
    الصورة الرمزية Farah :)
    الحالة : Farah :) غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 88279
    تاريخ التسجيل : 04-12-11
    الدولة : ღ فلسطيــن ღ
    الوظيفة : طآلـبـهـ :<
    الجنـس : انثـى
    المشاركات : 9
    التقييم : 10
    Array

    افتراضي رد: رواية بوليسية {الأربعة الكبآر}


    الفصل العاشر


    كان مفتش سكوتلاند يارد يقف على الرصيف , و حيانا بشدة عندما قدمنا إليه , و بدت على محياه بسمة عريضة ثم قال:
    - حسنا يا سيد بوارو , لقد أيقنت أنك ستقحم نفسك في هذا اللغز المحير , انه لغز من الطراز الأول , أليس كذلك ؟

    ثم انطلقت بنا سيارة جاب تنهب الأرض نحو كروفت لاندز

    كان البيت أبيض جميلا تحيط به الأشجار و النباتات المتعرشة و فيها الياسمين الأصفر اللامع وكنت أشعر بظلال من الكآبة تخيم على المنزل , و كان صمت الأشجار موحشا , و الورود تتمايل بحزن كأنما ترثي صاحب المنزل

    وكان الياسمين الأصفر يشد العيون ؛ لأن اسمه كان عنوان اللغز .. يبدو أن الرجل كان ذاهلا حين كتب هذا , إنها كلمات لا معنى لها و لا تفيد شيئا

    ابتسم بوارو و قال :
    - ما الذي تراه يا سيد جاب ؟ حادث أم جريمة ؟

    بدا المفتش مرتبكا محرجا أمام سؤال بوارو :
    - إذا نفينا أثر تلك التوابل الهندية و لم يثبت أنها هي السبب في الوفاة فإني أميل إلى الرأي القائل بأنه حادث ؛ لأني أستبعد أسلوب القتل بوضع رأس رجل حي في النار : ألا ترى أنه كان سيملأ البيت صارخا ..

    قال بوارو يحدث نفسه :
    - آه لقد كنت أحمق , أحمق ثلاث مرات , انك أذكى مني يا جاب !

    فوجئ جاب بهذا المديح .. كان بوارو دائما يمدح نفسه و يسخر من غيره , و احمر وجه جاب و كانت شفتاه تتلعثم بكلمات غير مفهومة تشير إلى الريبة و الشكوك في نفسه في صدق بوارو عند مدحه

    دخلنا المنزل متجهين عبر ردهاته إلى الغرفة التي حدثت فيها المأساة : مكتب السيد باينتر , كانت غرفة واسعة , جدرانها تنوء بحمل الرفوف الملأى بالكتب العتيقة

    نظر بوارو عبر الشباك إلى حديقة خلفية فيها حصباء , ثم سأل :
    - هل كان مزلاج الشباك مفتوحا ؟
    - يبدو أن القضية كلها هنا ؛ لأن الطبيب حين خرج أغلق الباب خلفه , و في صباح اليوم التالي وجد مقفلا من الداخل , من الذي أقفله ؟ هل هو السيد باينتر نفسه ؟ آه لنغ أكد أن الشباك كان مغلقا بالمزلاج , و الدكتور كوينتين قال بأنه كان يشك أن الشباك كان مغلقا لكن ليس بالمزلاج , لكنه لم يتأكد , ولو تأكد لأدى ذلك إلى خلل خطير !

    فإذا كانت جريمة قتل فلا بد أن يدخل القاتل من الباب أو الشباك , و إذا كان الشباك فمن الأرجح أن الفاعل شخص من الخارج , و ربما فتحوا النافذة على مصراعيها حين كسروا الباب , و الخادمة التي فعلت هذا تقول بأن النافذة لم تكن مقفلة بالمزلاج , لكنها شاهدة سيئة جدا : لا تتذكر إلا ما يطلب منها أن تتذكره

    - و ماذا عن المفتاح ؟
    - وجد على الأرض بين حطام الباب , و قد يكون سقط من القفل عند الاقتحام ,و ربما أسقطه شخص ما حين دخل , أو يكون دخل من تحت الباب من الخارج
    - يبدو أن كل شيء عندك ((قد يكون ))

    كان بوارو يبحث عن نقطة وسط الركام , و كان وجهه عابسا مقطبا لأنه لم يجد ما يريد , ثم قال :

    - إنني أدور في ظلام دامس , كلما لمحت ومضة سرعان ما تنطفئ !

    جاب- بتجهم - : جيرالد الصغير لديه باعث قوي , أستطيع أن أقول بأنه كان متوحشا متهورا , الفنانون – كما تعرف – لا خلق لهم !

    لم يبد بوارو اكتراثا بهجوم جاب القاسي على الفنانين , لكنه ابتسم ابتسامة ذات مغزى كأنه عرف ما في نفس المفتش و قال له :
    - يا جاب الطيب , هل تظن أنك تستطيع أن تدر الرماد في عيني ؟ إنني على يقين أن أفكارك تتجه بالشك نحو الرجل الصيني لكنك داهية , تريد أن أساعدك و أنت تخادعني !

    انفجر جاب ضاحكا :
    - هكذا أنت دائما يا سيد بوارو , نعم أعترف أني أراهن على الشاب الصيني فهو الذي عبث بالكاري , و إذا كان قد حاول التخلص منه مرة فقد يحاول مرة أخرى
    - لكن السؤال هو : هل حاول ذلك حقا ؟
    - الذي يؤرقني هو الباعث , لعله انتقام همجي لا باعث له !
    - سؤال آخر : هل هناك أثر للسرقة ؟ هل اختفت أشياء ثمينة ؟ جواهر , أموال , أوراق ؟
    - كلا , أعني .. ليس تماما !

    أصغيت بانتباه شديد , وكذلك بوارو . و أكمل جاب موضحا :

    - أقصد لم تحصل سرقة , لكن العجوز كان يكتب كتابا ما , لقد عرفنا عنه هذا الصباح حين وصلت رسالة من الناشرين يسألون عن المخطوطة , حاولت البحث عنها بمساعدة باينتر الصغير فلم نجد شيئا , ربما يكون قد خبأها في مكان ما ..

    لمعت عينا بوارو بالضوء الأخضر الذي كنت أعرفه جيدا و سأل :
    - ماذا كان يسمى ؟ أعني .. هذا الكتاب ؟
    - كما أذكر أن اسمه : (( اليد الخفية في الصين ))

    صفر بوارو و قد أخذته النشوة , ثم قال بسرعة :
    - دعني أر الرجل الصيني آه لينغ

    أرسل جاب في طلب الصيني , فجاء يجر قدميه متثاقلا و ضفيرته تتأرجح على ظهره , كان وجهه جامدا لا تلمح في أثر للعاطفة , خاطبه بوارو :

    - آه لينغ . هل أنت آسف لموت سيدك ؟

    أجاب بلغة إنكليزية ركيكة :
    - طبعا إني آسف جدا , انه رجل طيب !
    - هل تعرف من قتله ؟
    - لا , ولو كنت أعرف لأخبرت الشرطة

    استمرت الأسئلة والأجوبة و الوجه الجامد نفسه لم يتغير , و تحدث آه لينغ عن الكاري الذي طبخه بنفسه , و أوضح أن الطاهي لم يكن له يد بذلك و لم تلمسه أي يد إلا يده هو , و كنت أتساءل : هل كان يعرف أين سيقوده اعترافه ؟ , و قد أبدى دهشته هو أيضا من فتح النافذة , و أخيرا صرفه بوارو قائلا :

    - هذا يكفي يا آه لينغ

    و لكنه ناداه حين وصل إلى الباب :
    - وهل تعرف شيئا عن الياسمين الأصفر ؟
    - لا ,و ماذا يجب أن أعرف ؟
    - و لا عن الإشارة التي كتبت تحتها ؟

    سأله بوارو وهو يميل برأسه نحو الطاولة و قد لمحت عيناه شيئا مكتوبا وسط الغبار المتراكم عليها , فقد كتب بوضوح رقم ((4)) !

    أصاب الرجل الصيني رعب لمحه في وجهه كأنه أصيب برعشة كهربائية , ثم عاد جامد الوجه مرة أخرى و تراجع وهو يكرر إنكاره الشديد

    ذهب جاب يبحث عن باينتر الصغير و تركنا وحدنا , صرخ بوارو :
    - الأربعة الكبار مرة أخرى يا هيستنغز , باينتر كان جوالا كثير السفر , و بلا ريب كانت لديه المعلومات الخطيرة التي تخص الزعيم و العقل المدبر لمجموعة الأربعة الكبار لي شانغ ين !
    - و لكن كيف ؟ ومن ؟
    - صه , هاهم قادمون ..

    كان جيرالد باينتر شابا لطيفا ضعيف الجسم , تزين وجهه لحية بنية لطيفة , و كان يلبس ربطة عنق غريبة , أجاب عن أسئلة بوارو باستعداد تام .. أوضح قائلا :
    - أكلت العشاء في الخارج مع بعض جيراننا من بيت ويشرليز
    - متى عدت إلى البيت ؟
    - حوالي الساعة الحادية عشر , معي مفتاح المزلاج , جميع الخدم كانوا قد ذهبوا للنوم , و ظننت أن عمي نام أيضا . أذكر أنني لمحت ذاك المتسول الصيني صاحب القدم الطرية آه لينغ وهو يتحرك بخفة حول زاوية القاعة , لكنني أظن أنني كنت مخطئا
    - هل تذكر آخر مرة رأيت فيها عمك , أقصد قبل أن تأتي لتعيش عنده ؟
    - آه ! لم أره منذ كنت طفلا في العاشرة عندما تشاجر مع أبي !
    - لكنه استطاع أن يجدك مرة أخرى ببعض الصعوبة , أليس كذلك ؟
    - بلى , و قد رأيت أن إعلان المحامي في الجريدة عن طريق الحظ !

    لم يسأله بوارو أسئلة أخرى , ثم انطلقنا نحو الطبيب كوينتين فكانت روايته هي نفسها دون إضافة تذكر , فقال :

    - يا ليتني أستطيع أن أذكر شيئا عن النافذة , و من الخطورة التفكير في الماضي , فقد يقنع المرء نفسه بوجود أشياء لم تكن موجودة قط .. هذه ناحية نفسية , أليس كذلك يا سيد ؟ لقد قرأت عن أساليبك و أنا معجب بك كثيرا .

    أستطيع أن أؤكد أن الرجل الصيني هو الذي وضع الأفيون في الطعام , و لكنه لن يعترف و لن نعرف نحن أبدا لماذا , لكن وضع رجل في النار لا يليق بشخصية رجلنا الصيني .. هذا ما يبدو لي !

    كان جاب يجري مراقبة حثيثة لكلا الشخصين منذ رؤية الجثة , وحاولت أن أقدم رأيي في بعض جوانب القضية , فقلت :
    - أظن أن جيرالد باينتر لا صلة له بالجريمة

    سخر بوارو و قال
    - أنت دائما تعرف أكثر مما أعرف , وهذه هي المصيبة

    ضحكت قائلا :
    - أيها الثعلب العجوز, لن تتغير أبدا !
    - حتى أكون أمينا يا صديقي فان القضية أصبحت واضحة تماما ما عدا كلمتين : (( الياسمين الأصفر )) , و إني أظن أن هذين الشخصين لا يملكان قدرة على ارتكاب الجريمة معا , عليك أن تقرر : من الذي يكذب ؟..

    كنا نمشي في الطريق , و فجأة اندفع بوارو من جانبي إلى مكتبة مجاورة ثم خرج منها بعد بضع دقائق وهو يحمل طردا , و ما لبث أن انضم إلينا جاب و مضينا نبحث عن مأوى في أحد الفنادق

    و عندما استيقظت في صباح اليوم التالي كان الوقت متأخرا , و نزلت إلى غرفة الجلوس , فوجدت بوارو يذرع الغرفة ذهابا و إيابا بوجه عابس قلق , و حين رآني صاح وهو يلوح بيده :

    - لا تتكلم معي , اصمت , حتى أتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام , و أن الرجل قد اعتقل . إن من يكتب رسالة احتضار , يجب أن يكتب شيئا مهما جدا : الياسمين الأصفر , هل تعني شيئا ؟ يجب أن يكون كذلك

    ثم أخرج كتابا صغيرا و قال : هذا الكتاب أخبرني .. اسمع :

    - الياسمين الأصفر : جلسيميني راديكس : مركب جلسيميني قلوي , سم فعال مثل الكونين , الجلسميوم عقار مسكن فعال للجهاز العصبي المركزي , فإذا أخذت منه جرعات كبيرة تسبب الدوار و تضعف القوة العضلية , الموت يكون بسبب شلل مركز التنفس

    هل تذكر يا هيستنغز منذ البداية حين أبدى جاب ملاحظته في دفع رجل حي في النار ؟ علمت بعدها أن الرجل الذي دفع إلى النار كان ميتا !

    - لماذا ؟ لماذا ؟
    - يا صديقي إذا أردت أن تقتل رجل بالرصاص و طعنته بعد الموت و ضربته على رأسه لكان واضحا أن ذلك تم بعد الوفاة , لكن حين يحترق الرأس حتى يصبح رمادا فلا أحد يستطيع تبين سبب الوفاة الصحيح . و الرجل الذي نجا من سم أثناء العشاء لا يجوز أن يتم تسميمه بعد ذلك فورا , من الذي يكذب ؟ هذا هو السؤال .. قررت أن أصدق آه لينغ
    - ماذا ؟ هل جننت ؟
    - هل أنت ذاهل يا هيستنغز ؟ آه لينغ يعرف وجود الأربعة الكبار , كان هذا واضحا , لكنه لم يكن يعرف درجة ارتباط تلك الجريمة بهم حتى هذه اللحظة , لو كان القاتل هو لاستطاع أن يظل جامدا بوجهه بصورة تامة , و لذلك قررت أن أصدقه و ركزت شكوكي على جيرالد باينتر . لقد بدا لي أن رقم ((4)) قد وجد أن التمثل بشخصية ابن الأخ المفقود منذ سنين سهل جدا !
    - ماذا ؟ رقم ((4)) ؟
    - لا يا هيستنغز , حين قرأت مسألة الياسمين الأصفر و ثبت الحقيقة أمام عيني في الحال
    - كما تفعل دائما .. إنها لا تثب أمام عيني أنا لأنك لا تعمل خلاياك الرمادية , من الذي كانت له فرصة اعبث بالكاري الهندي ؟
    - آه لينغ ولا أحد غيره
    - لا أحد ؟ و ماذا عن الطبيب ؟
    - لقد كان هذا فيما بعد
    - فيما بعد , نعم , فعندما ثارت الشكوك في وجبة الكاري الهندي لم يأكل الرجل العجوز منها , و حفظها ليعطيها طبيبه المعالج , و تم استدعاؤه في الحال . الدكتور كوينتين يصل و يتولى أمر الكاري , ثم يعطي مريضه حقنة من الستركنين , و في الحقيقة هي من الياسمين الأصفر , و حين يبدأ فعل الدواء بالسريان يغادر بعد فتح مزلاج النافذة , ثم يعود عن طريق الشباك و يجد المخطوطة و يدفع السيد باينتر في النار

    انه لم يلتفت إلى الصحيفة التي سقطت على الأرض من بين يدي الضحية . لقد عرف باينتر أي دواء أعطي له , و جاهد لكي يتهم الأربعة الكبار بقتله . من السهل على الدكتور كوينتين أن يخلط الأفيون بالكاري و يقدمه للفحص , و في أثناء روايته يذكر مسألة الستركنين عرضا حتى إذا ما تم كشف موضع الإبرة تحت الجلد يكون السبب معروفا سابقا , و في الحال ينقسم الاشتباه بين كونه حادثا و كونه ذنب الرجل الصيني آه لينغ بسبب الكاري الهندي

    - لكن هل يكون الدكتور كوينتين هو رقم ((4)) ؟
    - أجل يجوز بلا شك يوجد طبيب حقيقي اسمه كوينتين و ربما يكون في مكان ما في الخارج , لقد تنكر رقم ((4)) في شخصيته ببساطة , و التنسيق الذي تم مع الدكتور بولثيو من أجل العمل طيلة فترة الجازة تم تنفيذه كله عن طريق المراسلة ..

    في تلك اللحظة دخل جاب ووجهه محمر جدا .. صرخ بوارو :
    - هل أمسكت الرجل ؟
    - لا , لقد عاد بولثيو من إجازته هذا الصباح و تبين أنه قد استدعي ببرقية لا أحد يدري من ذا أرسلها .. الرجل الآخر غادر الليلة الماضية لكننا سنمسك به

    هز بوارو رأسه باستخفاف و حزن وهو يقول :
    - لا أظن ذلك ! ..

    ثم رسم بيده رقم ((4)) على الطاولة بخط كبير بطريقة لا شعورية ..
    الفصل الحادي عشر

    في إحدى الأمسيات الهادئة كنت مع بوارو نأكل العشاء في مطعم صغير في سوهو عندما انضم إلينا المفتش جاب فجأة , و كان لقاء وديا حارا, فقد مضى وقت طويل لم نلتق به , منذ مسألة الياسمين الأصفر قبل حوالي شهر , فقال بوارو موبخا :
    - ما هذه الجفوة يا جاب ؟ لقد مضت فترة طويلة دون أن نراك أو نسمع عنك شيئا
    - لقد كنت في منطقة الشمال طوال الفترة المنصرمة .. ما أخبار الأربعة الكبار ؟ مازالوا يزدادون قوة , أليس كذلك ؟
    - أدرك أنك تحاول السخرية يا جاب الصغير , لكن الأربعة الكبار موجودون ..
    - ها , لا أشك في ذلك , لكنهم ليسوا محور الكون كما تزعم
    - أنت نخطئ يا عزيزي , إنني أظن أن أعظم قوة للشيطان في العالم اليوم هي الأربعة الكبار , إلى أي نهاية يسيرون و ماذا يخططون ؟ لا أحد يعلم , و لكن ليس هناك منظمة إجرامية تضاهي هذه المنظمة , على رأسها أذكى دماغ في الشرق , و مليونير أمريكي , و عالمة فرنسية , أما الرابع ..

    تداركه جاب : أعرف ذلك , أعرفه جيدا , لقد أصبح هاجسك الذي لا يفارقك , دعنا نتحدث في شيء آخر , هل تهتم بالشطرنج ؟

    - لقد لعبته مرات معدودة , نعم
    - هل رأيت ذلك الحدث أمس ؟ مباراة بين أشهر لاعبين في العالم تنتهي نهاية محزنة مثيرة : لقد مات أحدهما أثناء اللعبة
    - قرأت الخبر في الصحيفة : البطل الروسي كان أحد اللاعبين , أما الآخر صاحب الحظ السيء فهو الأمريكي جيلمور ويلسون !
    - تماما , سافرونوف هزم روبستين و تربع على عرش بطولة روسيا قبل بضع سنوات , و أصبح ويلسون بطلا ثانيا ..
    - إنها قضية مثيرة حقا , لكن يبدو أن لك اهتماما خاصا بهذا

    ضحك جاب مرتبكا من ذكاء بوارو ..

    - لقد أصبت يا سيد بوارو , إنني أغرق في حيرة شديدة حقا ! ويلسون كان سليما معافى , ليس عليه علامة من علامات مرض القلب , وفاته لا يجوز تفسيرها بهذه السهولة

    قلت معلقا :
    - هل تظن أن سافرونوف قد أبعده عن الطريق ؟

    لم يكترث كثيرا لسؤالي و قال :
    - ربما , لكني لا أظن أن اللاعب الروسي يمكن أن يقتل رجلا من أجل ألا يهزم في لعبة الشطرنج

    بوارو : إذن ما هي فكرتك باختصار ؟ من الذي سمم ويلسون و لماذا ؟ أنت تشك قطعا بالسم

    - توقف القلب فجأة يعني أنه توقف عن الخفقان , هكذا يقول الطبيب , لكن تأويل الحدث لا يرضي أحدا حتى الطبيب نفسه
    - متى تشرح الجثة ؟
    - الليلة , ربما سنكتشف بعض الأسرار , لقد كانت وفاة ويلسون مفاجأة غير عادية إذ بدا طوال الوقت طبيعيا , و سقط فجأة و هو يأخذ حجرا ليحركه

    اعترضه بوارو :

    - هناك أنواع قليلة من السموم يمكن أن تعمل بهذه الطريقة
    - هذا صحيح , هذا ما سيكشفه التشريح . لكن , من الذي يريد إبعاد ويلسون عن الطريق ؟ انه رجل مسكين و متواضع و لطيف , لقد جاء هنا للتو من الولايات المتحدة و لا أظن أن له في العالم أعداء
    - أظنك تحوم حول فكرة معين
    - فكرة تسيطر علي : إن السم لم يكن يقصد به ويلسون , بل الرجل الآخر
    - سافرونوف ؟
    - نعم هناك خصومة قديمة و عنيدة بينه و بين البلشفيين منذ اندلاع الثورة , و قد أشيع أنه قتل , لكنه في الحقيقة نفي إلى سيبيريا ثلاث سنين في ظروف قاسية يصعب تصديقها , حتى تغيرت أحواله و تبدلت أوصافه , ابيض شعره و تهدل منكباه و عندما هرب أخيرا و لجأ إلى إنكلترا صعب حتى على أصحابه القدامى أن يتعرفوا عليه .

    وهو منذ ذلك الحين لا يغادر بيته إلا قليلا و قد آثر اعتزال الناس مع بنت أخيه سونيا و خادم روسي في شقته متوارية على طريق ويستمنستر , كأنه مازال مرعوبا يلاحقه الخوف من خصومة الأقدمين , و هذا سبب رفضه المتكرر للمباراة التي ألح عليه ويلسون لخوضها متحديا , ولو لا الحملة الصحفية المثيرة التي فسرت الرفض أنه منافاة للروح الرياضية لما استسلم سافرونوف بهذه السهولة .. إنني مقتنع أن ويلسون قتل خطأ !

    - ألا ينتفع شخص بموت سافرونوف ؟
    - حسنا , ابنة أخيه وارثه الوحيد , لقد حصل مؤخرا على ثروة ضخمة تركتها له مدام جوسبوجا التي كانت زوجة لتاجر سكير كبير في ظل النظام القديم و يبدو أن علاقة ما كانت قائمة بينها و بين سافرونوف
    - أين حدثت المباراة ؟
    - في بيت سافرونوف الخاص ؛ لأنه كان مريضا كما قلت لك
    - و هل شاهدها عدد كبير من الناس ؟
    - اثنا عشر شخصا على الأقل

    هز بوارو رأسه بحركة معبرة ثم قال :

    - كم أنت مسكين يا جاب , إن عملك صعب جدا !
    - إذا تأكد لدي أن السم كان هو السبب أستطيع أن أقول : إنني سأنجح
    - على ضوء افتراضك بأن سافرونوف هو المقصود , هل خطر لك أن القاتل سيحاول مرة أخرى ؟
    - قطعا يا سيد , هناك رجلان يراقبان بيت سافرونوف دوما ..

    فقال بوارو بنبرة فيها معنى الاستخفاف :

    - هذا سيكون مفيدا لو أن الزائر يحمل قنبلة تحت إبطه ..
    - أظن أنك أصبحت مهتما بالقضية , ما رأيك أن تذهب معي إلى المشرحة لمشاهدة جثة ويلسون قبل البدء بتشريحها فربما ظهر لك دليل ما ..

    وافق بوارو , و لقد بدا لي أنه أصبح مأسورا تماما بالقضية الجديدة , فقد مضى وقت طويل دون أن يهتم بقضية بعيدة الصلة عن الأربعة الكبار و نشاطهم , و لقد شعرت بسرور لرؤية بوارو يرجع تدريجيا لنشاطه الأول

    و حين نظرنا إلى الجسد المسجى لم نلحظ أي أثر غريب ما عدا الندبة التي ظهرت على أصابع يده اليسرى , و لقد أوضح الطبيب أنه حرق و ليس جرحا

    انتقل بوارو إلى الاهتمام بمحتوى جيوبه و قد نثرها أمامنا أحد رجال الشرطة , و لم يكن فيها سوى منديل و مفاتيح و دفتر ملاحظات و بعض الرسائل غير الهامة , لكن وجد شيئا بسيطا أثاره , فقد أمسك باثنين من حجارة الشطرنج و صاح منفعلا :

    - بيدق .. فيل .. هل كان هذا في جيبه ؟
    - لا , كان يمسك به بيده , و بصعوبة بالغة تم استخراجه من بين أصابعه المتشنجة تشنجا قويا , يجب إرجاعه للدكتور سافرونوف , انه جزء من طقم جميل منحوت من العاج !
    - اسمح لي أن أعيدها أنا إلى السيد سافرونوف و لعل ذلك يكون عذرا كي أزوره

    صرخ جاب مستبشرا :

    - إذن تريد الغرق في لجة هذه القضية كما أرى ؟
    - نعم لقد طاب لي البحث في هذه المعضلة , لقد استطعت إثارة اهتمامي يا سيد جاب

    ثم عاد بوارو متجها إلى الجثة و سأل :

    - هل لك أن تعلمني أكثر عن الضحية ؟
    - لا أظن , لم يبق شيء
    - و لا حتى أنه أعسر ؟
    - انك ساحر يا بوارو , كيف عرفت ؟ لقد كان أعسر حقا , و هل لهذا صلة بالحادث ؟
    - ربما لم يكن لهذا الأمر بالحادث أي علاقة

    في صباح اليوم التالي كنا نشق طريقنا إلى شقة سافرونوف في ويستمنستر , و قلت متأملا :
    - سونيا دافيلوف , انه اسم رائع

    سمع بوارو حديثي , ألقى علي نظرة بائسة ثم قال :
    - أنت هكذا دائما , رومانسي تماما , لكن حظك سيكون سعيدا إذا ظهر أن سونيا دافيلوف هي صاحبتنا الكونتيسة فيراروساكوف

    و حين سمعت الاسم أصابتني هزة عنيفة و اكفهر وجهي و أعادتني الذاكرة إلى أشد فترات الحرج في حياتي , لكن بوارو تدارك بسرعة :

    - لا , لا يا هيستنغز , إنما هي نكتة .. لا أظن أن أصابع الأربعة الكبار وصلت بنا إلى هنا ..

    فتح الباب خادم ذو وجه متجهم كأنما نحت من خشب لا انفعال فيه و لا يكاد يبدي استجابة لأي مؤثر

    قدم بوارو بطاقة كتب عليها جاب بضع كلمات تعريفية , و بعدها تم اقتيادنا نحو غرفة المجلس . كانت غرفة واسعة منخفضة , على جدرانها ستائر فخمة , و تملأ زواياها تحف ثمينة , و الأرض مفروشة بالسجاد الفارسي الرائع

    اتجهت نحو إحدى التحف أتفحصها , و قد كانت ذات قيمة غالية و حين استدرت نحو بوارو لأحدثه وجدته منبطحا على الأرض و أصابعه تعبث بسجادة فارسية , و عيناه تمعنان النظر باهتمام بالغ , فخطر لي أن السجادة جميلة تلفت النظر حتى تحوز على هذا الاهتمام , فقلت :

    - هل هي قطعة نادرة ؟
    - السجادة ؟ إنها قطعة رائعة و لكني أبحث عن شيء آخر .. إبرة كبيرة أدخلت عمدا في وسطها . الإبرة ليست هنا الآن و لكن الثقب الذي أحدثته واضح جدا !

    صوت امرأة من خلفنا جعلني أدور بسرعة نحوها بينما قفز هو على قدميه برشاقة , كانت هي تقف في مدخل الغرفة و عيناها علينا , كانت متوسطة الطول و ذات شعر أسود قصير , يبدو أنها لا تتقن الإنكليزية تماما :

    - عمي حريص و أخشى أنه لن يستطيع مقابلتكم
    - هذا شيء مؤسف , هل تتلطفين بإجابتنا بعض الأسئلة ؟ أنت الآنسة دافيلوف , أليس كذلك ؟
    - بلى , أنا سونيا دافيلوف , ما الذي تريد معرفته ؟
    - إني أتابع التحقيق في الحادث المحزن الذي أدى إلى وفاة السيد ويلسون , هلا أخبرتنا عن الحادث ؟
    - لقد مات بسبب توقف قلبه أثناء اللعب في المباراة
    - هيأة التحقيق غير متأكدة من هذا السبب كما يبدو يا آنسة

    ارتعدت الفتاة و بدرت منها حركة تنبئ برعبها و صرخت :

    - إذن لقد كان إيفان محقا , إنها الحقيقة , يا الهي !
    - من هو إيفان ؟ و ما هي الحقيقة ؟
    - إيفان هو الذي فتح لكم الباب , لقد أخبرني أن جيلمور لم يمت موتا طبيعيا , بل مات مسموما , ولم هذا المقصود
    - لم يكن هو المقصود ؟
    - أجل كان المقصود هو عمي !
    - لكن من الذي يريد سم عمك ؟
    - لا أعرف إنني أعيش في ظلام , و عمي لا يثق بي و ربما يكون هذا طبيعيا , لأنه لم يرني إلا و أنا طفلة صغيرة , و جئت الآن لأعيش معه في لندن , و كل ما أعرفه أنه يعيش في رعب دائم , انه يخاف شيئا ما , إن روسيا مليئة بالجمعيات السرية , و لقد سمعت مرة إحدى مكالماته .. و مالت برأسها نحو بوارو و همست :

    - هل سمعت شيئا عن جمعية تسمى (( الأربعة الكبار ))؟

    جحظت عينا بوارو و ارتجف من هول المفاجأة :
    - ماذا ؟ هل تعرفين الأربعة الكبار يا آنسة ؟
    - إذن هي جمعية موجودة , لقد سمعت إشارة عنها و سألت عمي بعد ذلك أر رجلا خائفا مثله : شحب لونه و ارتجف عندما سمع هذا الاسم , لقد كان يخاف منهم خوفا عظيما , إني متأكدة من ذلك .. لا بد أن ويلسون قتل خطأ

    همس بوارو :

    - الأربعة الكبار , دائما الأربعة الكبار .. إنها مصادفة مذهلة حقا , إن عمك مازال في خطر , و يجب أن أنقذه . أعيدي علي الآن سرد أحداث الواقعة , أريني رقعة الشطرنج و كيف كان يجلس الرجلان و أين , أريني كل شيء

    اتجهت إلى جانب من الغرفة و أحضرت طاولة صغيرة بدا سطحها رائعا مرصعا بمربعات من الفضة و اللون الأسود على هيئة رقعة شطرنج :

    - أرسلت هذه إلى عمي هدية قبل بضعة أسابيع مع رجاء حثيث أن يستعملها في المباراة القادمة التي كان سيلعبها .. كانت في وسط الغرفة هكذا

    تفحص بوارو رقعة الشطرنج بصورة مبالغة : من الأطراف إلى الأسفل , ورأيت في ذلك بعض المبالغة .

    لم يسألها أي سؤال من الأسئلة التي كنت أشعر بأهميتها في التحقيق , و شعرت أن أسئلته عديمة الجدوى و لا مغزى لها , و أيقنت أن ذكر الأربعة الكبار جعله يفقد توازنه العقلي !

    لم يسألها عن المشروبات التي قدمت و لا عن الأطعمة و لا سأل عن أشخاص الحاضرين , تنحنحت بتكلف و أنا أسأله :

    - ألا تظن يا بوارو هذه المرة ..

    تداركني بوارو بعجرفة قائلا وهو يشير بيده نحوي :

    - لا تظنن يا صديقي و اترك الاستنتاجات لي .. يا آنسة , هل يستحيل تماما رؤية عمك ولو لبضع دقائق ؟

    ابتسمت ابتسامة باهتة ثم قالت :
    - انه سيراك , نعم , إن دوري أن أقابل جميع الغرباء أولا قبل المقابلة لأسباب أنت تعلمها ..

    و اختفت في الغرفة المجاورة بعض الوقت ونحن نسمع صوت الهمس , ثم عادت لتقودنا إلى سافرونوف

    كان رجلا مهيبا يستلقي على أريكته , طويلا هزيلا ذا حواجب كثة متهدلة على عينيه و لحية بيضاء ووجه بدت عليه علامات الضنك و القسوة التي خلفها الزمان , و كان رأسه طويلا

    انه لاعب شطرنج عظيم , فلا بد أن له دماغا كبيرا واسعا يملأ هذا الرأس الضخم

    انحنى بوارو ثم قال :

    - سيدي , هل لي أن أتحدث إليك قليلا على انفراد ؟

    التفت نحو ابنة أخيه :

    - اتركينا قليلا يا سونيا
    - والآن يا سيدي , هل لديك شيء ما تود أن تقوله ؟
    - دكتور سافرونوف , لقد حصلت للتو على ثروة ضخمة فمن سيرثك ؟
    - لقد كتبت وصية أترك فيها كل شيء لابنة أخي سونيا
    - لكنك لم ترها منذ فترة طويلة , منذ أن كانت طفلة , و أظن أنه من السهل أن تنتحل أي فتاة هذه الشخصية

    تفاجأ سافرونوف بهذا الرأي و لكنه لم يعلق فقال بوارو مواصلا :

    - يكفي أن أعطيك إشارة فقط , هذا ما أريده , لكن هل لك أن تصف لعبة الشطرنج ذاك المساء ؟
    - كيف تريد أن أصفها لك ؟
    - حسنا , إنني لا ألعب الشطرنج لكنني أفهم أن هناك عدة طرق معتادة للبدء أو الافتتاح كما تسمونها

    ابتسم سافرونوف ابتسامة خفيفة :
    - ها , نعم , ابتدأ ويلسون بطريقة لوبيز إحدى أسلم البدايات التي يستخدمها اللاعبون بطريقة متكررة في المباريات
    - كم مضى على اللعبة عندما حدثت المأساة ؟
    - لقد حدث ما حدث بعد النقلة الثالثة أو الرابعة , عندما وقع ويلسون فوق الطاولة بشكل مفاجئ

    نهض بوارو لكي يغادر و سأل بغير اكتراث :

    - هل أكل أو شرب شيئا ؟
    - بعض الصودا , على ما أعتقد

    تريث بوارو على عتبة البيت و هو يهم بالخروج ثم سأل :

    - هل تعرف من يسكن تحتك ؟
    - السير تشارلز كينغويل عضو البرلمان , لقد استأجرها مفروشة مؤخرا
    - أشكرك يا دكتور

    دلفنا إلى الشارع و قد أطلت علينا شمس الشتاء من بين الغيوم بوهج بارد فانفجرت في بوارو :

    - حسنا ... في الحقيقة يا بوارو لا أظن أنك أبليت بلاء حسنا هذه المرة , و لقد ظهر لي أن أسئلتك كانت غير مناسبة
    - هل تعتقد ذلك يا هيستنغز ؟ ماذا كنت أنت ستسأل ؟

    حاولت أن أفكر بصياغة سؤال , و أوضحت مخططي لبوارو و هو ينصت إلي باهتمام مريب حتى وصولنا إلى البيت تقريبا حيث علق ببرود :

    - سؤال بارع جدا لكنه غير لازم
    - غير لازم , و هل .. ؟

    فتح الباب و دلف إلى داخل الغرفة و التقط رسالة كانت على الأرض

    - إنها من جاب كما توقعت . رسالة مختصرة تفيد بأنه لم يجد آثار السم .. و هكذا ترى أن أسئلتك التي وددت لو طرحتها لا لزوم لها
    - هل كنت تخمن هذه النتيجة من قبل ؟
    - عندما تعمل بنجاح لا يسمى هذا تخمينا
    - هل تريد أن نتجادل في أمور تافهة ؟ هل تنبأت بهذا ؟
    - نعم
    - لماذا ؟

    أخذ بوارو حجر الفيل الأبيض من جيبه ثم رفعه بين أصابعه , فصرخت فيه منفعلا :

    - لم لم تعده للدكتور سافرونوف ؟
    - أنت مخطئ في ظنك يا صديقي ! ذلك الفيل مازال في جيبي الأيسر أما هذا فهو فيل اللعبة الآخر و قد أخذته من علبة الأحجار و أنا أتفحصها ..

    حتى الآن لم أفهم حركات بوارو هذا , و سألته متحيرا :
    - و لكن لماذا أخذت الحجر الآخر ؟
    - قطعا من أجل أن أقارن بينهما , انهما يبدوان متشابهين تماما , و لكن يجب عدم التسرع بالاستنتاج . علي بميزاني الصغير لو سمحت

    و بعد أن وزن الفيلين بعناية التفت إلي ووجهه يشع بفرحة الظفر :

    - نعم , نعم , هذا صحيح , من المستحيل خداع بوارو

    ثم أسرع نحو الهاتف :

    - هل هذا هو جاب ؟ هيركيول بوارو يتكلم , راقب الخادم إيفان لا تدعه يهرب , احذر أن يفلت من يديك مهما كان الثمن .. كما أقول لك ..

    ثم التفت إلي قائلا : حتى الآن أراك لم تفهم الحقيقة يا هيستنغز , انتبه سأشرح لك :

    إن ويلسون لم يقتل بالسم , بل قتل بالصعقة الكهربائية , خيط معدني رفيع يمر في منتصف هذا الحجر , و لقد أعدت الطاولة من قبل ووضعت بعناية فوق مكان ما على الأرض , و عندما وضع الفيل فوق إحدى المربعات الفضية انتقل التيار الكهربائي إلى جسم ويلسون و قتله على الفور , لقد كانت الطاولة خاصة معدة لهذا الغرض بعناية

    الطاولة التي تفحصتها كانت نسخة أخرى مشابهة , لقد استبدلت , و بقي الحرق هو العلامة الوحيدة على يد ويلسون اليسرى .. ألا تذكر أنه أعسر ؟ !

    إن الأمر قد تم في البيت الأسفل , لكن أحد الشركاء – على الأقل – كان في بيت سافرونوف . الفتاة جندي للأربعة الكبار , تعمل كي ترث أموال سافرونوف

    - و إيفان ؟
    - أشك بقوة أن إيفان ما هو إلا رقم ((4)) : الشهير بأنه شخصية تقدر أن تمثل أي دور ببراعة و سهولة

    تذكرت أدوار سابقة : حارس في المصحة العقلية , الجزار , الطبيب اللطيف , كلهم رجل واحد لكنهم لا يشبه أحدهم الآخر . ثم قلت في النهاية : إن ذلك مذهل .. كل شيء كان معدا , و لعل سافرونوف أحس بالخطر مما دفعه إلى التهرب من المباراة

    نظر بوارو إلي نظرة عميقة , ثم أخذ يجوب الغرفة ذهابا و إيابا , و فجأة التفت نحوي و سألني :

    - هل لديك كتاب عن الشطرنج يا صديقي ؟

    حاولت أن أبحث له عن الكتاب , و بعد أن وجدته سلمته له فأمسك به و غاص في كرسيه الضخم يقرأه

    بعد حوالي ربع ساعة رن الهاتف , كانت مكالمة من جاب , قال : لقد غادر إيفان الشقة وهو يحمل رزمة كبيرة , قفز إلى سيارة تنتظره , و بدأت المطاردة

    كان يحاول تضليل متعقبيه , و في النهاية عندما ظن أنه نجح سار بسيارته نحو بيت كبير في هامستيد , البيت كان محاصرا ..

    سردت المكالمة على مسمع بوارو , حدق إلي ذاهلا مما جرى , ثم فتح الكتاب عند طريقة لوبيز في الافتتاح و قال :
    - انظر .. 1P-K4 , P-K4;2 KT-KB3,K-QB3;3 B-KT5
    لقد كانت النقلة الثالثة إلى المربع الأبيض هي التي قتلت ويلسون , هل ينبئك هذا بشيء يا هيستنغز ؟

    لم أفهم مراد بوارو فصمت حائرا .. و انطلق هو شارحا نظريته :

    - هناك دائما طريقتان للنظر في الأمور . افترض يا هيستنغز أنك سمعت – و أنت جالس على هذا الكرسي – صوت الباب الأمامي و قد فتح و أغلق فماذا تستنتج ؟
    - لا بد أن شخصا قد خرج .. هذا ما سيتبادر إلى ذهني
    - هذا أحد الاحتمالين فقط , و الاحتمال الآخر ليس أقل شأنا : ربما كان ذلك الشخص قد دخل , أرأيت : على نفس المقدمة بني استنتاجان يناقض أحدهما الآخر

    و لكنك إذا سرت في الاتجاه الخاطئ فلا بد أن يظهر لك تناقض ما يدلك على أنك في الطريق غير الصحيح

    قلت : و ماذا يعني ذلك يا بوارو ؟

    قفز بوارو على قدميه فجأة ثم صرخ بعنف :
    - هذا يعني أني كنت غبيا ثلاث مرات , هيا أسرع إلى شقة سافرونوف لعلنا نصل في الوقت المناسب

    انطلقت بنا سيارة أجرة مسرعة و لم يجب بوارو عن أسئلتي الكثيرة . صعدنا الدرج مسرعين , لم يكن هناك جواب على قرع الجرس و طرق الباب مرارا , و عندما ألقينا السمع سمعنا صوت أنين مكتوم ينبعث من الداخل

    كان حارس العمارة يملك مفتاحا , و بصعوبة أقنعناه بفتح الباب , دلفنا مسرعين فإذا رائحة الكلوروفورم ووجدنا سونيا دافيلوف مكممة و مقيدة و محشوة قطنية مشبعة بالكلور تسد أنفها

    أسرع بوارو لينقذها , و اتصل بالطبيب الذي وصل بسرعة و تولى العناية بها , ثم جرى تفتيش الشقة و لم نجد الدكتور سافرونوف , فقلت :
    - ما معنى هذا ؟
    - هذا يعني أننا ظننا الظن الخاطئ منذ البداية ... لقد كنا أمام استنتاجين متساويين فاخترنا الاستنتاج الخاطئ .. ألا تذكر استنتاجك بشأن الباب الذي فتح و أغلق ؟ كان يمكن لأي واحدة أن تنتحل شخصية سونيا دافيلوف لأن عمها لم يرها منذ سنوات طويلة
    - نعم , و ماذا في ذلك ؟
    - حسنا .. العكس صحيح . أيضا يمكن لأي واحد أن ينتحل شخصية العم
    - ماذا ؟
    - لقد مات سافرونوف فعلا عند اندلاع الثورة , أما الرجل الذي زعم أنه تحمل المشاق و هرب , الرجل الذي (( تغير كثيرا حتى فشل أصدقاؤه في التعرف إليه )) , الرجل الذي زعم أنه حصل على ثروة ضخمة ..
    - من كان هذا الرجل ؟
    - رقم ((4)) , لقد كان خائفا عندما أخبرته سونيا أنها استمعت إلى إحدى مكالماته , مرة أخرى استطاع الانزلاق من بين أصابعي . لقد أيقن أنني سأسير في الطريق الصحيح حتى النهاية , لقد استطاع تحويل السندات ورقا نقديا , ثم فر بها بعد أن قام بمحاولة حبس سونيا دافيلوف و بعد أن أرسل إيفان الأمين في مطاردة تصرف عنه الانتباه
    - لكن من الذي حاول قتله ؟
    - لا أحد , ويلسون كان الضحية المقصودة منذ البداية , و رقم ((4)) لم يكن يعرف مبادئ اللعبة , من أجل هذا كان يرفض المباراة , و لقد حاول جاهدا الإفلات منها , و حين فشل وضع نهاية مأساوية لويلسون المسكين

    ويلسون كان مولعا بطريقة لوبيز , و لذلك خطط رقم ((4)) لموته في الحركة الثالثة قبل أن يتورط في أي صعوبات دفاعية

    حاولت أن أناقش بوارو بصلابة و حزم :

    - و لكن ألا توجد طريقة لتجنب المباراة دون اللجوء إلى القتل كأن يزعم بأن الطبيب منعه من اللعب مثلا ؟
    - بلى يا هيستنغز , لديه طرق أسهل , لكنك لا تفكر بعقل رقم ((4 )) – المدمر – الذي لا يحرص أن يتجنب إزهاق الأرواح , بل ما كان يشغله أن يمثل دور اللاعب الكبير , فليس غريبا أنه قد حاول مراقبة اللاعبين , وزار عدة مباريات ليقلد الجلسة , و تقطيبة الحركات الاستعراضية , وهو نفسه يضحك ؛ لأنه لم يكن يتقن غير حركتين أو ثلاث حركات , هذه هي نفسية رقم ((4)) , و هذا هو أسلوب تفكيره

    هززت رأسي استهجانا ..

    - حسنا , أعتقد أنك محق , لكني لا أفهم كيف يغامر شخص هذه المغامرة و يخاطر بحياته في حين يستطيع تحقيق ما يريد بطريقة أسهل

    ضحك بوارو ضحكة خفيفة وهو يقول :
    - و أين تكمن المخاطرة ؟ هل كان يمكن لجاب أن يحل اللغز ؟ رقم ((4)) يثق بنفسه و لا يتعرض للمخاطرة إلا في حال أن يخطئ خطأ حقيرا
    - و ما هو الخطأ الحقير ؟
    - لقد غفل يا صاحبي عن الخلايا الرمادية , خلايا هيركيول بوارو

    هززت رأسي و ناجيت نفسي : بوارو ذو مناقب حسنة كثيرة لكن التواضع ليس واحدا منها

    الفصل الثاني عشر

    كان الضباب يلف لندن في يوم شتاء قارس من أيام شهر كانون الثاني عندما كنا نجلس متقاربين عند الموقد , كنت أحس أن بوارو يرمقني بنظرات متتابعة , و كانت بسمة ساخرة على شفتيه , حاولت جاهدا أن أفهمها فلم أستطع , خاطبته :

    - أرجو أن تزداد ثقة بقدراتي يا سيد بوارو
    - لا عليك , إنما أرجع ذاكرتي إلى الماضي قليلا حين قدمت إلي في منتصف الصيف الماضي , و قد أخبرتني يومئذ أنك تود قضاء إجازتك معي و هي شهران على أبعد حد
    - لكني لا أذكر إن كنت ذكرت مدة معينة
    - لقد ذكرت ذلك حقا يا صديقي , لكن لماذا غيرت خطتك ؟
    - هذا صحيح , لكن هل خطر ببالك أنني سأدع بوارو يصارع هذا الأخطبوط العملاق الأربعة الكبار و أمضي ؟
    - ظننت هذا , و لقد أنست بصحبتك الكريمة , لكن ماذا ستقول زوجتك سندريلا الصغيرة كما يحلو لك تسميتها ؟
    - هي لا تدرك ما يجري هنا لكنها تفهم دوري و لن تقبل أن أدير ظهري لصديق
    - نعم , أعلم هذا , إنها زوجة وفية , لكن رحلتنا يا صاحبي رحلة طويلة

    هززت رأسي و أنا أشعر ببعض الإحباط , و يكاد اليأس يسري في أعماقي رويدا رويدا , ثم حاولت التعبير عن مشاعري بتساؤلات :

    - لقد مضى على هذا الصراع نحو ستة أشهر , و سؤالي : أين نحن الآن ؟ إنني أحسب يا بوارو دائما أن علينا أن نفعل الكثير
    - حماسك يعجبني يا صديقي , لكن ماذا تريدني أن أفعل ؟

    هذا السؤال يدعو إلى الحيرة , و جوابه ليس سهلا , لكني حاولت الإصرار بعناد , و لذلك بادرت إلى إجابة متزنة تحمل بعض جوانب القوة ..

    - علينا أن نبادر نحن بالهجوم و لا ننتظرهم , و أظن أن ما أنجزناه في الحقبة الفائتة شيء قليل
    - ما تم إنجازه أكبر مما تظن يا هيستنغز , كشفنا هوية رقم ((2)) و رقم ((3)) و عرفنا الكثير عن نفسية و أسلوب رقم ((4)) . . . ربما لم يحن الوقت الذي أستطيع فيه توجيه التهمة للسيد ريلاند أو مدام أوليفير , لكن أناسا كبار قد وقعت في نفوسهم شكوك فيهما , مثل اللورد ألدينجتون الذي عرف شيئا كثيرا عن الأربعة الكبار

    إن الأربعة الكبار لا زالوا يستطيعون السير , لكن كشافا كبيرا يلاحقهم و يفضح أفعالهم

    - و ماذا عن رقم ((4)) ؟
    - ألم أقل لك بأننا بدأنا نفهم أسلوبه و كيف يفكر ؟ يمكن أن تسخر من هذا الكلام , لكن تتبع شخصية ما و معرفة ماذا سيفعل تماما في كل الظروف مفتاح النجاح , و في حين أزداد معرفة بدوره فإنني أسعى ألا يعرف عني شيئا , هو في الشمس و نحن تحت الظل , و هو في كل يوم يزدادون خشية مني و خوفا
    - على كل حال فانهم الآن قد ابتعدوا عنا , وصار الخطر عنك بعيدا و الطريق خلو من الكمائن
    - كلا , بل هذا السكون يدهشني لا سيما أن عندهم طريقين واضحين لينالونا , و أعتقد جازما أن شيئا قد تبين لهم , لا أدري , هل فهمت قصدي ؟

    حاولت أن أجيبه – إذ لم أفهم كلامه – جوبا تهكميا

    - هل هي آلة جهنمية من نوع غريب لم تعرف بعد ؟

    نفد صبر بوارو , و ظهر ذلك من صوته الحاد الذي أحدثه بلسانه :
    - حسنا , إني محتاج إلى نزهة في الخارج على الرغم من برودة الطقس , أظن أنك تريد قراءة الكتب مثل (( مستقبل الأرجنتين )) و (( مرآة المجتمع )) و (( تكاثر الماشية )) و (( دليل اللون القرمزي ))

    كان كتاب اللون القرمزي يستحوذ على اهتمامي فرجاني بوارو أن أضع الكتب في مواضعها و أن أقضي على هذه الفوضى العارمة في البيت

    خرج بوارو بعد أن أبديت له اعتذاري بلطف , و تركني في متعتي التي لم يقاطعها أحد في كتابي المختار , و مع ذلك أعترف أنني كنت نصف نائم عندما سمعت طرقا على الباب فإذا السيدة بيرسون تقول:

    - برقية لك يا كابتن ..

    و امتدت يدي على الظرف و فتحته من غير اهتمام . كانت الرقية من برونسين مدير مزرعة الماشية التي أملكها في أمريكا الجنوبية , و كانت على النحو التالي :

    (( اختفت السيدة هيستنغز أمس , يخشى أن عصابة تسمي نفسها : (( الأربعة الكبار )) قد اختطفتها , أبلغنا الشرطة برقيا لكن لم يظهر أي أثر حتى الآن !

    برونسين))

    تراجعت إلى الخلف ووقعت في المقعد الكبير مصعوقا أعاود قراءة البرقية مرة بعد مرة , زوجتي الآن مخطوفة و بأيدي هذه المنظمة الإجرامية .. ماذا أفعل ؟ أين أنت يا بوارو ؟ من الضروري قدوم بوارو الآن , انه يقدر على هزيمتهم , سوف أنتظر قدومه قبل أن أحاول القيام بأي فعل , لكن سندريلا الآن في قبضة الأربعة الكبار

    . . الباب يطرق مرة أخرى , السيدة بيرسون من جديد :

    - رسالة يا كابتين , أحضرها رجل صيني بربري يقف أسفل الدرج

    الرسالة كانت قصيرة :
    (( إن أردت رؤية زوجتك فقم مع حامل هذه الورقة من فورك , لا تترك رسالة لصديقك و إلا فإنها سوف تعاني أذى كثيرا ))

    يا ويلي ! ماذا سأفعل ؟ لا وقت للتفكير , يجب أن أطيع , سندريلا في قبضة الكبار الأشرار , يجب أن أقوم مع هذا الرجل حيث يقودني , ذاك فخ و مصيدة , نعم , انه الأسر الأكيد و الموت المحتمل , لكن ليس لي من الأمر بد , يجب أن لا أتردد
    و كيف أذهب و لم أترك لبوارو كلمة واحدة حتى يبحث عني ؟

    و ترددت أن أكتب أية كلمة , شعرت أن للأربعة الكبار قوة خارقة يستطيعون أن يعرفوا كل صغيرة و كبيرة , و سهل على الرجل الصيني أن يصعد و يتأكد بنفسه , لقد التزمت أوامرهم , ربما تكون الخادمة الحقيرة جنديا لهم ! و مع ذلك قررت أن أترك البرقية لعل بوارو إذا اطلع عليها يدرك تفصيل ما جرى

    لبست قبعتي و انطلقت مهرولا خارج الباب حيث كان الرجل الصيني ينتظر .. رجل طويل ذو وجه صارم , ثوبه بال لكنه حسن , انحنى لي و ألقى التحية , كان يتقن الإنكليزية :

    - أنت الكابتن هيستنغز ؟
    - نعم
    - أعطني الرسالة أرجوك

    لقد تنبأت بطلبه فسلمته القصاصة من دون تردد . .
    - اليوم وردتك برقية , ووصلتك الآن من أمريكا الجنوبية , أليس كذلك ؟

    هنا أدركت عظمة قدرتهم على التجسس و المتابعة , و لا ينفع الإنكار , قد علموا كل شيء !

    - بلى وردتني برقية حقا . .
    - هلا ذهبت و أحضرتها الآن ؟

    شعرت بالحنق و الضيق يطوق عنقي , ركضت على الدرج مرة أخرى , خطر ببالي أن أفضي للسيدة بيرسون التي تقف أعلى الدرج , لكن الخادمة الصغيرة كانت تقف قربها

    عبرت المجلس بعدما ترددت في إخبارها , و عدلت عن الفكرة , أخذت البرقية , ثم جاءتني فكرة . . أترك علامة يفهمها بوارو , أخذت أربعة كتب من الخزانة و نثرتها على الأرض , سوف يعرف أن ذلك شيء غير عادي , عندما يتذكر محاضرته المقتضبة قبل خروجه عن ضرورة الترتيب . ثم عمدت إلى مجراف الفحم فملأته و نثرت أربع فحمات في الموقد و دعوت الله أن يوفق بوارو لمعرفة هذا الرمز !

    و تدحرجت على الدرج مسرعا , و أخذ الرجل الصيني البرقية , قرأها ثم أودعها في جيبه و أشار بحركة من رأسه أن أتبعه ..

    قادني في طريق طويلة مملة , ركبنا القطار مرة و الحافلة مرة أخرى ثم في سيارة أجرة , و كانت الطريق إلى الشرق دائما , حتى اقتربنا من أحواض السفن فعلمت أني ذاهب إلى قلب الحي الصيني

    بدأ الرعب يسري في , و شعرت بالخوف أكثر عندما توقف مرشدي بعد لف و دوران في الممرات و زقاق عند بيت خرب متهاو

    طرق الباب أربعا , ففتح الباب في الحال رجل صيني آخر , أذن لنا بالدخول . هنا شعرت أن إغلاق الباب خلفي كان نعيا لآخر آمالي في هذه الحياة . . . هاأنا ذا في الأسر

    قادني رجل صيني آخر عبر درجات متهاوية نحو الأسفل , إلى قبو مليء ببراميل خشبية فارغة تفوح منها رائحة التوابل الشرقية

    أحسست بجو الشرق الغريب يحيط بي , أزاح الرجل بضعة براميل فظهرت فتحة أرضية لنفق مظلم , أمرني بالدخول , كان ممرا ضيقا مظلما موحشا يؤدي إلى قبو آخر !

    تقدمني الرجل و ضرب على الجدار أربعا ففتح شق من الحائط , و دخلنا في ممر قصير يؤدي إلى قاعة مدهشة كأنها قطعة من قصر من قصور ألف ليلة و ليلة !

    غرفة منخفضة جدرانها مكسوة بالحرير الشرقي , و الأرض مفروشة بالسجاد الثمين , مضاءة بصورة باهرة يعبق الجو فيها بالعطور الشرقية , و كان فيها بضع أرائك رائعة من صنع الصين !

    جاء الصوت من خلف الستارة :
    هل حضر ضيفنا الكريم ؟

    أجاب الدليل :

    - يا صاحب السعادة انه هنا
    - دعه يدخل

    فتحت الستارة فظهرت أريكة ضخمة ذات وسائد , قد جلس عليها رجل عظيم طويل , يلبس ثيابا مطرزة جميلة , و قد استطالت أظفاره بشكل ملفت للنظر . قال وهو يشير بيده :

    - اجلس يا كابتن هيستنغز , تسرني رؤيتك , أشكرك على قدومك فورا و تلبية طلبي
    - من أنت ؟ هل أنت لي شانغ ين ؟
    - في الحقيقة لا . أنا واحد من أبسط خدمه ليس غير . إنني أفعل ما يأمرني كما يفعل عماله الكثيرون المنتشرون في كل مكان كما في أمريكا الجنوبية مثلا

    انتفضت من مكاني و صرخت :

    - أين هي ؟ ماذا فعلتم بها ؟
    - هي في مكان آمن لم يصبها أذى حتى هذه اللحظة

    كانت ابتسامته الخبيثة تثير رعشة في , و أدركت أنني أواجه شيطانا فصرخت :

    - ماذا تريد ؟ المال ؟
    - عزيزي الكابتن هيستنغز .. ليست لدينا مخططات للاستيلاء على مدخراتك القليلة فاطمئن , انك لم تصب الهدف , و أظن أن صاحبك لم يكن ليوافقك هذا الرأي
    - أظن أنك أردت أن أقع في شركك و قد بجحت , هاأنا ذا جئتك و عيني مفتوحة , افعل بي ما تشاء و اتركها , إنها لا تعرف شيئا بتاتا , و لن يكون وجودها نافعا , قد أمسكتما لتمسك بي و تحقق لك ذلك

    شعرت أن الرجل يرقب حركاتي بدقة بعينيه الصغيرتين و هو يربت على خديه :

    - لقد ذهبت بعيدا جدا , المشكلة لم تحل يا كابتن .. إن القبض عليك ليس هدفنا يقينا , بل نريد صاحبك السيد هيركيول بوارو

    أطلقت ضحكة سخرية و قلت له :

    - لن تستطيعوا

    لكنه استمر متجاهلا تعليقي :
    - أرى أن تكتب رسالة إلى صديقك بوارو تقنعه بالمجيء هنا للانضمام إليك سريعا

    قلت غاضبا :

    - لن أفعل الرفض عاقبته لا ترضيك
    - عليك اللعنة
    - قد يكون مصيرك الموت

    غالبت رعشة غريبة سرت في جسدي و أجبته متصبرا :

    - تهديداتك لن تخيفني , و يحسن أن توفرها لأمثالك من الصينيين الجبناء
    - إنني جاد يا كابتن .. للمرة الأخيرة : هل ستكتب هذه الورقة ؟
    - لن أفعل
    ومن فوره صفق الرجل بيديه تصفيقا رفيقا , فإذا باثنين من الخدم انشقت الأرض عنهما ينقضان علي و يقيدان ذراعي قبل أن يسحباني إلى إحدى زوايا الغرفة حيث انهارت الأرض من تحتي .

    بقيت معلقا من يدي و جسمي مدلى في الشق المظلم أسمع تحتي صوت تلاطم المياه . و سمعت الصوت الهادئ للرجل الجالس على الأريكة :

    - النهر . . فكر ثانية يا كابتن . سوف ينتهي أمرك في ثوان لا غير !

    أعترف أنني لست من أشجع الرجال , و أعترف أن الخوف و الرعب سيطرا علي , و أيقنت أنني أعيش لحظاتي الأخيرة , و لم أملك تهدئة صوتي المرتعش و أنا أرد عليه :

    - لآخر مرة . . لا . اذهب إلى الجحيم !

    و أغلقت عيني – بغير إرادة مني – و دعوت دعاء قصيرا






    إذا كان الأمس ضاع .. فبين يديك اليوم
    وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
    ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل
    واحلم بشمس مضيئه في غد جميل



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. متوسطة : رواية كل شي يتغير في لحظة 2016 من تاليفي /رواية اماراتيه
    بواسطة like_the_moon في المنتدى قصص الطويلة , الروايات
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 17-06-14, 11:12 AM
  2. اول رواية لي ابغيكم تشجعوني.."رواية :..غرامك غير وانت غير.."
    بواسطة بنــ ابوها ــت @__@ في المنتدى قصص الطويلة , الروايات
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 15-11-16, 04:56 PM
  3. بحث عن الفصول الأربعة
    بواسطة امـــــــــاراتي انــــا في المنتدى اللغة الانكليزية
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 12-03-04, 08:58 PM
  4. روايات بوليسية
    بواسطة White Heart في المنتدى قصص الطويلة , الروايات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-08-29, 10:54 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •