يعد ازدحام السير مشكلة كبيرة عالمياً ومحلياً ولها مردودات سلبية كثيرة على الصحة الجسدية والنفسية وعلى السلوك والعائلة أيضاً، ويشكل خطراً في حالات الطوارئ مثل حالات الحمل والولادة وأمراض القلب والحوادث، فضلاً عما يسببه من تلوث للبيئة بسبب عوادم السيارات وآثارها على الصحة .


وبسبب ازدحام السير والخوف من التعرض له أيضاً تقل التنقلات والتواصل الاجتماعي والخوف من التعرض له، مما يؤثر في النشاطات العملية والاجتماعية والمناسبات الأسرية .



آثار سلبية لا تستثني أحداً



يقول محمود ياسين ويعمل مسؤول إحصاء، إن تأثيره في العمل وفي أغلب مواعيده يكون بسبب بطء حركة السير الناتج عن الازدحام المروري، الذي يسبب بدوره انفعالات عصبية ونفسية وقلقاً خلال ساعات الانتظار وأوقات العمل، وما يتبعه أيضاً من تأثير في الجسد بسبب الضغط على العظام وفقرات الظهر مما ينتج عنه آلام في القدم والرقبة، إضافة إلى التعرض لبعض المتطلبات في حالة اصطحاب الأطفال مثل الجوع والرغبة في التبول والبكاء . كل هذا يحتاج إلى التدخل السريع والوصول للأماكن وعدم التوقف في مكان واحد لفترات طويلة، كما أن الازدحام يحد من اللجوء السريع إلى المستشفيات في الحالات المرضية .


وأشار إلى أن الطرق المتفرعة من الرئيسية تتعرض أيضاً إلى الازدحام بسبب محاولة هروب السائقين إليها لتجنب الكم الهائل من السيارات المنتظرة . اما سمية عرب، مسؤولة علاقات عامة فتقول إن الازدحام يؤثر في كبار السن من حيث إنهم سريعو التوتر، ويدفع الشباب إلى التهور في الطرقات للهروب منه، أما النساء فيصبن بالقلق والاكتئاب الذي يعتبر خطراً على الحامل وعلى صحة جنينها بسبب تعرضها للتلوث الهوائي الناتج من عوادم السيارات الذي يشكل ضرراً كبيراً على الغلاف الجوي والجهاز التنفسي ويسبب أمراضاً عديدة مثل التهاب الجيوب الأنفية .


وأضافت إن الأطفال عند الانتظار لساعات يشعرون بالملل الذي تنتج عنه انفعالات ويبدأون بالصياح، مما يجعله يسهم في شد الأعصاب ومحاولة التهرب من الازدحام وقد تنتج عنه حوادث مثل التصادم نتيجة عدم التركيز .


وعن تجربتها مع الازدحام قالت منى سعيد: “انه يزيد من توتري ويجعلني في حالة عصبية، والجلوس لفترات طويلة يسبب لي شداً عضلياً وبالتالي أشعر بالآم في الأرجل والكتفين، كما ان الانتظار من دون حراك يصيبني بالنعاس الذي يؤدي بدوره إلى عدم الاتزان والتركيز مما يجعلني أتعرض لحوادث مرورية عديدة” .



الازدحام وآلام الظهر



يقول الدكتور أحمد بشر استشاري جراحة العظام والمفاصل، إن هناك من يقودون السيارات ساعات طوالاً ويجب عليهم معرفة الوضعية الصحيحة في الجلوس عند القيادة، فهناك عادات غير صحيحة مثل التركيز على الطريق والانحناء إلى الأمام بالظهر مما يؤدي إلى إرهاق العضلات، وفي هذه الحالة ينصح بوضع مسند صغير أسفل الظهر ليريح العضلات ولا يتسبب في شدها مما يؤدي إلى تشنجها .


وأضاف الدكتور بشر أن غالبية الناس لا يمارسون التمرينات الرياضية التي تعتبر مقوّماً أساسياً للصحة الجيدة، وأهمها المشي وتمرينات الظهر لأنها تزيد من اللياقة والمرونة للجسم ولا تجعل القيادة تحدث إرهاقاً للعضلات والجهاز الحركي . كما يجب أيضا التنبه إلى أن الغذاء الصحي يمثل عاملاً أساسياً لصحة الجسم والعظام ويجب أن يحتوي الطعام على العناصر الأساسية من الفيتامينات والأملاح وتقليل النشويات قدر الإمكان .



الازدحام والأطفال



من جانبها قالت الدكتورة هالة بشري اختصاصية طب الأطفال، إن الازدحام المروري وما يترب عليه من عوادم سيارات وأتربة قد يتسبب في ايذاء الأطفال، خاصة المصابين بالربو، كما ان الحر الشديد الذي يصاحب الازدحام في فترة الظهيرة يؤثر في الأطفال بشكل كبير مثل التعرض لضربات الشمس، والتواجد فترات طويلة في مكان مغلق يجعل تصرفات الطفل عنيفة ويغير من سلوكهم، إضافة إلى أن الأصوات العالية لأبواق السيارات تؤثر بشكل رئيسي في الرضع، كما يعيق الازدحام الوصول السريع إلى المستشفيات وتلقي العلاج سريعا للأطفال المصابين مثلا بقيء شديد قد يعرضهم للتعرض إلى الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة والتشنجات المصاحبة لها والنزيف واللدغات والحساسية كلها تحتاج إلى التدخل السريع لعلاج الطفل في الوقت المناسب .



القلب الأكثر تأثراً



وأشار الدكتور مدحت علي مختار اختصاصي باطني وقلب، إلى أن الازدحام يسبب توتراً في الأعصاب مما يتسبب في تضخم بعضلة القلب، وقد يسهم الازدحام المروري أيضاً في ارتفاع ضغط الدم بشكل خطر، وقد يؤدي إلى حدوث أزمات قلبية، أما إذا كان السائق يعاني هبوطاً في القلب فإن التوتر الشديد والقلق الناتج عن الانتظار لساعات طويلة سوف يزيدان من ضربات القلب التي بدورها تكون سبباً رئيسياً إلى نوبة قلبية حادة، وجدير بالذكر أيضاً مرضى التوتر العصبي الذي يصيبهم الازدحام بهياج عصبي وانفعالات حادة .


وفي هذا الصدد قال الدكتور باسل قزانجي اختصاصي الأمراض القلبية والصدرية، إن الازدحام وما يصاحبه في اغلب الأحيان من الأتربة وعوادم السيارات المحيطة قد تؤدي إلى حدوث حساسية تضر بشكل رئيسي مرضى الربو، وقد يؤدى استنشاق أول أكسيد الكربون المصاحب للعادم لحدوث التهابات صدرية وأيضا رئوية تصيب المدخنين أكثر من غيرهم، فضلاً عن مرضى القلب وما يصاحبه من احتقان بالرئة مما يقلل من كفاءتها .


ويؤكد الدكتور محمد إبراهيم استشاري القلب والأوعية الدموية تأثر الفرد جسدياً ومعنوياً بسبب الازدحام .






ويوضح انه من الناحية الجسدية فإن الجلوس في السيارة لفترة طويلة والضغط المستمر على الأوردة الدموية قد يؤدي إلى حدوث جلطات بالساق خاصة لمرضى دوالي الساقين، فضلاً عن العواقب الوخيمة للانتظار ساعات طويلة على من يعانون زيادة في الوزن وقلة السيولة بالدم .


وأشار إلى أن التواجد فترات طويلة في السيارات خاصة في المناطق قليلة الخدمات والتحرك فيها يكون شديد الصعوبة، يشكل خطراً جسيماً على كبار السن ومن يعانون منهم تضخماً في البروستاتا ويحتاجون إلى التبول بصورة مستمرة، لان احتباس البول بدوره يشكل خطراً على الكلى ومجرى البول .


أما عن الأعراض المعنوية “النفسية”، فإن التوتر والقلق الناتجين عن الازدحام يزيدان من إفراز الأدرينالين الذي يؤدي إلى زيادة مؤقتة في معدل ضغط الدم وينتج عنه انقباض في أوعية القلب، وكل هذا يهيئ للتعرض إلى نوبات قلبية للسائقين .



الآثار النفسية



وعن الآثار النفسية للازدحام المروري يقول الدكتور علي الحرجان استشاري الأمراض النفسية، إن من يتواجد في الأماكن المزدحمة تصيبه حالة من القلق والتوتر، ويشكل قلقاً مسبقاً رغبة في الذهاب إلى العمل في الوقت المحدد، وعند الخروج من الازدحام يشعر السائق بالتعب والانفعال العصبي والخوف من حدوث أعطال في السيارة نتيجة الانتظار لساعات طويلة، أما الأطفال فيشعرون بالملل والعصبية والنرفزة والرغبة في الغثيان والبكاء المتواصل مما يتسبب في فقدان التركيز وزيادة التوتر والشجار العائلي .


وذكر أنه يجب إيجاد حل جذري للازدحام المروري لأن الطرقات هي وسيلة للأمن والأمان الاجتماعي حيث تقاس الدول بعدد الكيلومترات وعدد سكانها وهذا مقياس لحضارة المجتمع .


وأشار الدكتور الحرجان إلى عدة طرق وأساليب للتغلب على مشكلة الانتظار والانفعالات المتعددة، منها أن يشغل السائق باله بشيء ممتع ويسلي نفسه عبر التحدث إلى الأشخاص من حوله والاستماع إلى الراديو حتى يكسر الملل وللحد من القلق والتوتر وعدم التفكير في شيء مزعج، وتحريك الجسم من حين إلى آخر والجلوس بوضعية سليمة .