تنبيه :: عزيزي اذا واجهتك مشكلة في تصفح الموقع , فاننا ننصحك بترقيه متصفحك الى احدث اصدار أو استخدام متصفح فايرفوكس المجاني .. بالضغط هنا .. ثم اضغط على مستطيل الاخضر (تحميل مجاني) .
 
 
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 16 من 16
  1. #11
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -9-




    كثيراً ما تسبب شر رجل واحد في معاناة مدينة بأكملها.
    هيسيود – شاعر يوناني قديم


    في اليوم التالي أيقظني جرس الباب في التاسعة صباحاً. كنت قد نمت في وقت متأخر في الليلة السابقة، إذ فكرت في أن أقرأ في أحد كتب الحديث لبعض الوقت، ثم لم يلبث أن إستغرقتني القراءة ولم أنم إلا بعد صلاة الفجر، لذا نهضت متثاقلاً و إستغرقت بعض الوقت حتي أدرك أن هناك من يرن جرس الباب بإلحاح. نهضت متثاقلاً و نزلت الي الطابق السفلي و فتحت الباب. لم أكن أنتظر أحداً في هذا الوقت و سارة لا تزال نائمة، لذا أسرعت قليلاً لأري من هذا الطارق و أفتح الباب قبل أن يوقظها رنين الجرس. كان الطارق هو رفاييل. للحظة شعرت بالدهشة، إذ لم تكن من عادة رفاييل أن يزورني بدون موعد سابق، ولكني تغلبت علي المفاجأة بسرعة:

    -"رفاييل. مرحباً بك".
    -"ما هذا الكسل؟ أنا أعلم أنك تستيقظ مبكراً في المعتاد. إتصلت بك ولكنك لم ترد علي الهاتف".
    -"لقد كنت مستغرقاً في نوم عميق، فقد نمت في وقت متأخر بالأمس. هلم إدخل".

    جلسنا في بهو الإستقبال، و جئت بكوبين من الشاي و جلسنا نتحدث قليلاً. قال لي:

    -"أعتذر عن هذه الزيارة المبكرة و لكن...".

    قاطعته مبتسماً:

    -"هي ليست مبكرة، انا الذي تأخر في الإستيقاظ".
    -"ربما. المهم أن هناك فكرة خطرت ببالي، و فكرت في أن أعرضها عليك. في المرة السابقة تكلمت معك عن تغيير جو المعركة و إضافة بعض الأسلحة الجديدة، و لكن هناك فكرة رائعة خطرت في بالي. هي فكرة مرتبطة بالمعارك الرومانية القديمة التي تكلمنا عنها. أتعلم ما الشيء الذي يميز المعارك الرومانية القديمة عن العاب الواقع؟

    فكرت قليلاً ثم قلت:

    -"أن الجمهور كان في نفس مكان المعركة بدلاً من أن يشاهدها عبر التليفزيون"؟
    -"هذه نقطة، نقطة جيدة، ولكنها ليست نقطة الإختلاف الوحيدة. المعارك القديمة كانت أكثر دموية. هذا يعود الي طبيعة السلاح في المقام الأول. الأسلحة الجديدة أكثر فتكاً و تأثيراً، حيث يمكنك أن تقتل عدداً من الأشخاص في لحظة واحدة بضغطة علي زناد مدفع رشاش أو بتفجير قنبلة، ولكن السيوف و الرماح و الخناجر أكثر دموية. إنها تسمح لك بجرح شخص ما ثم قتله ببطء أمام المتفرجين".
    -"مثلما كان المصارعين يفعلون، حين ينتظرون أن يشير الجمهور أو القيصر بإبهامهم الي أسفل لكي ينهي المصارع حياة مصارع جريح".
    -"بالظبط. دعك من أن معارك الأسلحة القديمة تسمح بشكل مختلف من أشكال القتال، شكل أكثر إثارة ووحشية".

    و كأنما الأمر إختيار أصناف الأكل أو أشكال الثياب. هذا الرجل يحاول أن يتفنن في طرق القتل. و كأنما لا يكفيه ان يموت الناس، بل لابد أن يعانوا قبل الموت. علي قدر علمي هو أول من يفكر بهذه الطريقة علي مر التاريخ... لا ليس أول من يفعل. أذكر أني قرأت أن الإسرائيليين فعلوا هذا حين كانت عصاباتهم تجتاح القري الفلسطينية في أربعينيات القرن العشرين. كانوا يستخدمون السونكي ضد الأهالي العزل لأنه أكثر ترويعاً و تأثيراً في النفس.

    بعد لحظات من الصمت قلت في شيء من التردد:

    -"رفاييل... أنا لن أستطيع القتال في هذه المعارك".
    -"أنا لم أقل لك أنها معارك، فقط أنا أعرض الفكرة. بالطبع أنا أعلم أنك تدربت علي إستخدام الأسلحة الحديثة وليس السيوف و الخناجر. أنا فقط أعرض عليك الفكرة. الموضوع يحتاج الي الكثير من الترتيبات و الدعاية بالطبع، و هذا سيستغرق وقتاً أكثر من كافي لتتدرب علي الأسلحة الجديدة.هذه العروض الجديدة ستكون قنبلة الموسم، ربما أكثر من المعركة المقبلة في تلك الجزيرة الإستوائية التي حدثتك عنها".
    -"كلا أنت لا تفهمني. أنا لن أستطيع...".

    بترت عبارتي لأني سمعت صوت خطوات في الطابق العلوي. لقد إستيقظت سارة علي ما يبدو. يا إلهي، لا أريدها أن تنزل الآن. لا أريد ان يراها رفاييل. لا أعلم لماذا، ولكني لا أريدها أن تقابل أحداً من هذا الوسط القذر أو أن يراها أحد العاملين فيه.
    تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. سمعت صوت خطواتها علي السلم ثم لم يلبث أن رأيتها أمامي.تفحصها رفاييل بنظره، بينما وقفت هي تنظر له في فضول ممزوج بحياءها المعتاد من الغرباء. إلتفت الي رفاييل و قال في لهجة ذات مغزي:

    -"علي قدر علمي ليس لديك أولاد و لست متزوجاً".
    -" إصعدي الي غرفتك يا سارة".

    لم تعارض أو تسأل أسئلتها الفضولية المعتادة و قد شعرت من لهجتي المتوترة و نظرتي القلقة أن شيئاً ما ليس علي ما يرام. فقط إستدارت و صعدت الي غرفتها.
    إلتفت الي رفاييل فإرتطمت عيني بنظرته المتفحصةً. بصعوبة تمالكت أعصابي و قلت:

    -"هي إبنة أحد أصدقائي، و لقد تركها في رعايتي لبضعة أيام ريثما يسافر لبعض أغراض العمل و يعود".

    بالطبع لهجتي لا تنجح في إقناع طفل مصاب بالتخلف العقلي. رأيت رفاييل ينظر الي في شك و قد تيقن من أني أداري شيئاً ما. بعد لحظة من الصمت قال لي:

    -"ليس هذا موضوعنا علي كل حال. أريدك أن تستعد للسفر في خلال بضعة أيام لتصوير تلك المعركة التي حدثتك عنها في تلك الجزيرة الإستوائية، فلقد أقنعت وائل الحديدي بالأمر و قمنا بعمل الدعاية و الترتيبات اللازمة للأمر. أوراق السفر ستكون جاهزة اليوم أو غداً و سنسافر في خلال هذا الأسبوع و في خلال هذه الفترة فكر في ما كلمتك عنه، و سأنتظر رأيك حين نعود. والآن استأذنك في الإنصراف".

    قالها و إتجه الي الباب. لم أعرض عليه أن يبقي لبعض الوقت، علي الرغم من أنها كانت زيارة قصيرة. في الواقع أنا أنتظر إنصرافه هذا بفارغ الصبر.
    توقف رفاييل لدي الباب و دون أن يلتفت الي قال:

    -"أنت لا تجيد الكذب يا خالد. علي الأقل لم تجده اليوم".

    ثم فتح الباب و خرج دون أن ينتظر مني تعقيباً.
    اللعنة. لا يمكن خداع هذا الرجل. لا أدري ما الذي قد يكون قد إستنتجه بشأن سارة، و لكني لا أشعر بالراحة.
    بعد لحظات نزلت سارة من غرفتها و قد سمعت باب الفيلا يغلق، فأدركت أن رفاييل قد إنصرف. إقتربت مني و سألتني:

    -"من هذا الرجل يا عم خالد؟ الرجل الذي كان يجلس معك".
    -" إنه صديقي يا سارة".

    نظرت اليّ و علي وجهها تعبير غريب. ربما هو نوع من عدم الرضا أو الإمتعاض. غريزة الأطفال لا تخطيْ أبداً، ربما لأن براءتهم لم تفسد بما في هذا العالم من قذارة. إذا أضفنا الي هذه الغريزة ذكاء سارة الفطري لوجدنا أن علي الرغم من أنها لم تره إلا لبضع ثوان، إلا أنه من المنطقي أنها لن تشعر بالراحة تجاهه.
    بعد أن قمنا بطقوس الصباح المعتادة من إغتسال و إفطار، قمت بصب كوبين من العصير لي و لسارة و جلست أفكر في هذه المعركة المقبلة بينما جلست هي الي جواري تلتهم الشيكولاته و تلعب بالدراجة الصغيرة ثلاثية العجلات التي إشتريتها لها.

    كان تفكيري مشوشاً و الأفكار تتضارب في رأسي. أشعر بصعوبة شديدة في مجرد أن أستعد للسفر هذه المرة. لا أريد أن أقتل أحداً بعد الآن. الفكرة نفسها تبدو الآن مرعبة. أشعر أن الله قد عوضني عن الكثير من مما كان ينقصني و لا أستطيع الآن أن أفعل ما كنت أفعله......


    من أعان علي قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب علي جبهته آيس من رحمة الله.
    حديث شريف



    القتل شيء مريع. و كأني أكتشف هذا الأمر الآن لأول مرة. في الماضي كنت أعاني كثيراً بعد كل معركة، و لهذا كنت أحاول قدر الإمكان أن لا أطيل النظر الي ضحاياي، و لكن الآن أشعر أن كل ما مررت به كان مجرد قشور. الأمر يشبه أن تنظر الي حمام السباحة و تري عمقه بسيطاً، ثم تقفز فيه لتكتشف أن هذا العمق البسيط كان إنكساراً للضوء عبر الماء، و أن العمق أكبر كثيراً مما كنت تظن. لا أستطيع أن أفعل هذا بعد أن فتح الله عيني عن ما كنت أجهله... لا، لم أكن أجهله، فقط أنا لم أكن أقدر حجم الجريمة التي كنت أرتكبها. تري أيغفر لي الله ما فعلته من قبل؟ و لكن كيف يغفر لي و أنا علي وشك الذهاب مرة أخري لأقتل المزيد من البشر



    ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما﴾
    سورة النساء- الأية 93


    أنا فعلاً لا أريد ان أقتل أحداً بعد اليوم و لكن هذا ليس بالقرار السهل. بأي حجة سأبرر هذا لرفاييل و لشركة العاب الواقع؟ ماذا سيكتب عني الإعلام؟ هل سيكتبوا أن خالد حسني خائف من المواجهة القادمة؟ المشكلة أني بالفعل خائف. في الماضي كنت أخاف الموت، و لكن هذا الخوف أضعفته الحياة التي كنت أحياها. في البداية كانت حياة صعبة فقيرة بلا أمل في ما هو أفضل، و بعد أن صرت شهيراً غنياً، صارت الحياة خاوية من كل ما يثير الإحترام أو أي نوع من المشاعر الجميلة. في الحالتين لم تكن الحياة شيئاً يستحق أن يحافظ المرء عليه، فقط هي غريزة البقاء التي كانت تثور في نفسي من حين لآخر.
    ولكن الوضع الآن إختلف. الآن لدي بالفعل حياة جميلة أرغب في أن أعيش كل لحظة منها. لدي هدف أسعي لأن أحققه، و علي أن أقضي ما بقي من عمري في طلب المغفرة من الله لكل ما إرتكبت في من جرائم. الآن صارت كل لحظة في الحياة غالية. فكرة أن أموت في المعركة القادمة تبدو الآن فكرة مرعبة، حتي لو كان إحتمال موتي في المعركة القادمة إحتمالاً ضئيلاً للغاية.

    أسمع صوت أكرم الصارم في عقلي:

    -"أتخشي ما سيقوله عنك رجال الإعلام أو رجال شركة الألعاب أكثر مما تخشي الله؟هل مواجهة بعض الكلمات من بعض الناس أصعب من مواجهة الموت؟ بل والأدهي، أصعب من مواجهة غضب الله؟ ماذا ستقول لسارة حين تكبر قليلاً و تسألك ما عملك؟ هل تظن أنها ستحترمك حين تعرف مهنتك، أم أنك ستربيها علي أن القتل شيء لا بأس به"؟

    نظرت الي سارة التي تركت الدراجة و جلست تتابع الكارتون بإهتمام، غير شاعرة بالمعركة الدائرة في عقلي الآن. أكرم- أو صوته الذي يتردد في ذهني- علي حق في هذه النقطة، ولكن الأمر ليس سهلاً. لقد صار أكرم ضميراً ثانياً لي، ولكن هذا الضمير لا يقبل بأنصاف الحلول و لا الحجج الواهية. حسناً الأمر لن يكون سهلاً، و لكن علي أن أواجهه. لن أبدأ بمواجهة رفاييل. أخشي أن يثنيني عن قراري. أنا الآن هش نفسياً ليس لدي القدرة علي مواجهة شيطان متمرس مثل رفاييل. المشكلة أن أكرم لن يكون دعماً لي. أنا بحاجة الي شخص متفهم، يتفهم ضعفي و يساعدني علي تجاوزه. أكرم طيب القلب و أنا أعرف أنه يحبني فعلاً، و لكنه إنفعالي مندفع لا يمكن الإعتماد عليه في شيء مثل هذا. إذا أردنا الدقة فأنا بحاجة الي زوجة تتفهم ما أنا مقبل عليه و تعينني علي نفسي بالحسني، ولكن للأسف هذه الزوجة غير موجودة. ما أنوي أن أفعله لن يساعدني فيه سوي الله.

    بصوت خافت قلت:
    "أللهم أعني علي أن أرضيك و أبعدني عن ما يغضبك".

    قمت فإتصلت بإحدي المجلات الكبري التي تهتم بمتابعة أخبار مشاهير المجتمع. تحدثت مع رئيس تحريرها و أخبرته أن لدي تصريحاً خاصاً لمجلته. بالطبع لم يصدق الرجل أذنيه، فأنا بطبعي لا أكثر من التصريحات و الحوارات مع هذه المجلات البلهاء، و فجأة يجدني أعرض عليه إنفراداً صحفياً. طلبت منه أن يرسل أحد المحررين ليجري معي الحوار فأخبرني أنه سيجريه بنفسه، و أن هذا شرف له و إضافة الي رصيده الصحفي، الي آخر هذا الهراء. أخبرته أني سأنتظره اليوم في الساعة الواحدة.
    في تمام الساعة الواحدة كان رئيس التحرير يطرق جرس الباب. كان متأنقاً في أواخر الأربعينات من العمر، و يبدو موحياً بالثقة. لم أتوقع أن يكون هذا مظهره. توقعت أن يكون رئيس تحرير مجلة كهذه شخصاً تبدو عليه مثل هذه الجدية، ولكن يبدو أنهم يأخذون موضوع صناعة التفاهة بجدية.
    إستقبلته و جلسنا في ردهة الإستقبال. أخبرته بأني سأسجل الحوار من أوله، لأمنع أي تلاعب أو تغيير في كلماتي، فوافق بدون جدال أو مناقشة.بالطبع هو أيضاً كان يقوم بتسجيل الحوار لكي ينقله فيما بعد علي الورق. ثم بدأت ما أنا بصدده.

    -"في الواقع التصريح الذي لدي، هو أني قررت أن أعتزل العاب الواقع الي الأبد".

    نظر الي في ذهول، إذ أنه لم يتوقع شيئاً مثل هذا، ثم لم يلبث أن تمالك نفسه بعد ثوان وقال:

    -"و ما السبب؟ هل تعرضت لإصابة في المعركة الأخيرة أم أنها مشاكل بينك و بين إدارة شركة العاب الواقع؟"
    -"ليس هذا و لا ذاك. كل ما هنالك أن الله هداني لما لم أهتدي له من قبل. القتل محرم في كل الأديان. أنا أعلم أني قتلت كثيراً، و لكن حان الوقت لكي يتوقف نهر الدم هذا. القتل شيء بغيض. لا شيء في الدنيا يساوي أن يفقد المرء حياتي من أجله، و لا أن يقتل الآخرين من أجله".
    -"ولكن ألا تري أن....".
    -"دعني أكمل كلامي من فضلك. شركة الألعاب تحاول أن تثير أحقر الغرائز البشرية في المتفرجين و تستغل هذا لكي تلهيهم عن مشاكلهم الحقيقية، مثل التفرقة الطبقية الحادة المنتشرة في المجتمع، و الفساد السياسي و الإداري المنتشر في المجتمع. تلهيهم عن طلب ما هو أفضل لأنفسهم، علي الصعيد المادي و الديني و الدنيوي. تلهيهم بإثارة غرائز العنف الي أقصاها في النفس البشرية، و تجميل العنف و تغليفه بهيئة تجعله مقبولاً بل و مطلوباً لدي الناس- دعك بالطبع من تحقيق مكاسب خرافية من خلال هذا. أنا لا أريد أن أكون جزءاً في هذه المنظومة. أنا أريد أن أكون إنساناً يرضي عنه الله و يرضي عن نفسه. طيلة هذه السنوات لم أشعر للحظة بإحترام لذاتي أو لما أفعله، و الآن جاء الوقت الذي أتخذ فيه قراراً تأخر منذ زمن طويل.
    -"ولكن الا تري أنه من الغريب أن تتخذ مثل هذا القرار و أنت في ذروة نجاحك؟ أعني أنك تتخلي عن نجاحك و شهرتك لأسباب دينينة؟ هل تري هذه الأسباب الدينية كافية لكي تترك كل ما حققته من شهرة ونجاح"؟
    -"بالنسبة للكثيرين تصير الأسباب الدينية هي الأخيرة في قائمة الأولويات. بالطبع شركة الألعاب ليست هي السبب في هذا، ولكن شركة الألعاب ساعدت علي ترسيخ هذا التفكير في عقول الناس بسياستها الإعلامية الموجهة. أنا كنت أفكر بنفس الأسلوب يوماً ما، و لكن كل ما يمكنني أن أقوله لك هو أن الله هداني. لا تفسير آخر لدي. الآن أنا أري أن الأسباب الدينية أكثر من كافية لأترك مجال العاب الواقع".
    -"دعني أسألك سؤالاً. هناك شائعات تقول أنك تعتني بفتاة صغيرة السن؟ هل هذا صحيح؟ وهل لهذا دخل بقرارك بإعتزال العاب الواقع؟"

    كيف عرف بهذا الأمر؟ اللعنة علي الشهرة و ما تجذبه من فضول الفضوليين.كنت أريد أن تظل سارة بعيدة عن هذا ولكن يبدو أني فشلت في هذا. علي أن أتجاوز هذا السؤال بدون الدخول في أي تفاصيل.

    -"الفتاة التي أعتني بها هي فتاة صغيرة فقيرة أحاول أن أقدم لها ما أستطيع من الرعاية. أما عن علاقة هذا بإعتزالي الألعاب، فأنا لا أدري حقاً. ربما كان فقط توافقاً زمنياً، كل ما أعرفه هو أن حياتي تغيرت منذ أن دخلتها هذه الفتاة الصغيرة".
    -"ولكن ماذا عن الذين قتلتهم من قبل؟ علي حد قولك فإن القتل شيء بغيض و محرم دينياً. ما جدوي الإعتزال بعد أن قتلت من قتلت؟"
    -"هذا منطق معكوس. هل الحل أن أستمر في القتل ما دمت قد قتلت من قبل؟ القتل شيء بغيض و هذا أدعي لأن أتوقف عنه لا أن أستمر فيه. أنا أعلم أني أذنبت كثيراً، ذنوباً ليست بسيطة، و لكني أطمع في مغفرة الله سبحانه و تعالي و رحمته".
    -"وما هي الخطوة التالية التي تنوي أن تقوم بها؟ أعني ما المهنة التي تنوي أن تمارسها أو ما هي خططك للمستقبل"؟

    صمت للحظات ثم أجبت:

    -"هذا شيء لم أفكر فيه بعد. لم أضع خططاً في الوقت الحالي. كل ما أعلمه هو أني لن أمارس القتل مرة أخري".

    إستمر الحوار لمدة ساعة نقلت فيها رأيي كاملاً، و لكني أعتقد أن نصف هذا الكلام سيتم حذفه. علي الأقل بتسجيلي للحوار أضمن عدم تغيير تصريحاتي الي شيء آخر. بعد أن إنصرف رئيس التحرير، صرت أشعر أني أقوي ولو قليلاً. بعد أن إتخذت مثل هذه الخطوة صارت الأمور أسهل قليلاً. أشعر الآن أني أكثر قدرة علي مواجهة هذا الأمر. ولكني بالطبع مازلت أخشي المواجهات القادمة. مواجهة الإعلام، مواجهة المجتمع و ...
    رفاييل. الغريب في الأمر أني أخشي مواجهة هذا الرجل أكثر من أي شيء آخر. علي الرغم من أنه لا يملك علي أي سلطات مباشرة أو وسيلة يضغط بها علي، إلا أني أخشي مواجهته. حين تواجه من يملك قدرات جسدية أو سلطات إدارية و قانونية، يغدو الأمر سهلاً، أما مواجهة رفاييل فهي تخلتف. حين تواجه رفاييل أهارون فأنت تواجه عقلية تقدر علي الإيذاء النفسي و تتفنن فيه. هذا رجل يعرف كيف يقود النفس البشرية الي المهالك دون أن تطرف له عين. دعك بالطبع من نطاق الضرر الذي يسببه. الشخص الذي يقتل أو يسرق أو يؤذي غيره ضرره محدود بعدد من يمكن أن يؤذيهم، أما رفاييل فإنه يؤذي و يدمر علي نطاق شمولي. رفاييل يخطط لتدمير مجتمعاً بأكمله تدميراًً نفسياً و عقلياً، بنفس الحماسة التي تخطط بها أنت لقضاء عطلتك السنوية. هذا الشر الصافي هو الذي تصعب مواجهته. يمكنك أن تنظر الي رفاييل علي أنه قنبلة نووية نفسية.
    فليعينني الله علي ما أنا مقبل عليه.









  2. #12
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -10-

    بعد أن سجلت الحوار مع رئيس تحرير تلك المجلة بيومين، و بينما كنا أنا و سارة نتناول الغذاء الذي أعدته السيدة أمينة، دق جرس الباب. فتحت الباب لأجد أكرم لدي الباب بصحبة زوجته. أخذتي المفاجأة فوقفت للحظة متردداً ولكنه لم يترك لي وقتاً للتردد، إذ أنه إحتضنني بشدة و أخذ يبكي و يقول كلاماً كثيراً تقطعه دموعه مما منعني من أن أفهم منه شيئاً ، بينما وقفت زوجته تراقب هذا المشهد و السعادة تعلو وجهها. لم أعتقد أن رئيس التحرير سيقوم بنشر المقال بهذه السرعة. و حتي إن كان نشره، فلن يقرأه أكرم، فهو لا يتابع مثل هذه المجلات.
    بعد أن هدأ أكرم قليلاً دخلنا جميعاً و جلسنا في بهو الإستقبال و جاءت سارة لتجلس معنا. في الواقع هي لم تجلس معنا، هي فقط دخلت بهو الإستقبال فتجاهلت أكرم و تجاهلتني و إتجهت بخطوات سريعة الي حنان زوجة أكرم. يبدو أنها نجحت في أن تكتسب الكثير من صداقتها في الزيارة السابقة. لا بأس، أعتقد أن الفتاة تجد فيها شيء من لمسة الأم التي لم تشعر بها يوماً.

    قلت لها في شيء من العتاب:

    -"ألن تأتي لتسلمي علي ضيفنا يا سارة"؟

    كانت حنان قد أجلستها علي ساقيها مثل المرة السابقة و طوقت خصرها بذراعيها. نظرت سارة الي أكرم ثم هزت رأسها بالنفي. إنفجرنا جميعاً في الضحك و قال أكرم:

    -"لماذا ذهبتي إذاً لتسلمي علي حنان؟ هل هي أفضل مني"؟

    هزت سارة رأسها بالإيجاب. ضحكنا مرة أخري و قلت لأكرم:

    -"لا تحاول معها يا أكرم، فالأطفال يتميزون بالصراحة. دعك من أنها ذكية و أحسنت الإختار فلا شيء فيك يمكن أن يثير شغف طفلة في هذا السن – ولا في أي سن إن شئت الصراحة. بالله عليك إن كنت أنت طفلاً و طلبت منك أن تختار بين شخص مثلك و بين حنان، فمن تختار؟"
    -"هذا الموقف لن يحدث لأنه لا يوجد من يشبهني. أنا عملة نادرة لا يوجد منها نسختين. لست وحدي، بل كل العباقرة لن تجد لهم شبيهاً. أيمكنك أن تجد شخصاً مثل أينشتين مثلاً؟ بالطبع لا. و كذلك أنا لا يمكنك أن تجد من هو مثلي".
    -"أتعلم يا أكرم أن الموقف الذي قلته أنا مستحيل أن يحدث حقاً. ليس للأسباب التي ذكرتها أنت و التي لا تنم عن أنك تتحلي بالتواضع، بل لأنك لم تكن طفلاً في أحد الأيام يا أكرم. يخيل إلي أنك ولدت و عمرك عشرون عاماً".

    ضحكت حنان و قالت:

    -"معك حق في هذه النقطة".

    ضحكنا سوياً للحظات ثم بعد قليل من الصمت قلت لأكرم:

    -"كيف عرفت بالموضوع يا أكرم؟ أعني أنك لا تتابع مثل هذه المجلات عادة.
    -"الخبر ملأ الشوارع ونقلته كل المجلات و الصحف بالأمس. في البداية أنا لم أصدق و ظننت أنها فرقعة صحفية من مجلة بلهاء، ولكني سمعت الحوار بنفسي و لم أصدق إلا حين سمعت صوتك في ....".
    -"أي حوار هذا الذي سمعته؟"
    -"الحوار الذي كان بينك و بين رئيس تحرير تلك الصحيفة. هل كان الحوار ملفقاً أم ...".
    -"هل قام رئيس التحرير بإذاعة الحوار المسجل بيني و بينه"؟
    -"لم يذيعه بل أرفقة بعدد المجلة الذي نشر فيه الحوار. لقد كتب في مقدمة المقال أن أحداً لن يصدق هذه التصريحات لذا أرفق بها التسجيل الصوتي علي قرص مدمج. لقد أصدر نسخة خاصة من المجله، فهذه المجلة شهرية، و ميعاد صدور العدد الجديد بعد أسبوع، إلا أنه أصدر عدداً خاصاً لنشر تصريحاتك".
    -"ليس لدي أدني فكرة أن كل هذا قد حدث في اليومين الماضيين".
    -"هل كنت نائما في الكهف؟ لقد نشر الخبر و أذيع في جميع وسائل الإعلام و لا أحد يصدق ما حدث. ليس فقط لأنك إعتزلت، بل لأن المبرر الذي إعتزلت لأجله لم يكن متوقعاً إطلاقاً".

    ثم صمت للحظة ثم قال بصوت مضطرب:

    -"لم أصدق أذني حين سمعت هذا الحوار. لقد قمت بشراء تلك المجلة خصيصاً لأسمعه. أنا كنت أتمني هذه الخطوة منذ زمن ولكن عندما سمعت صوتك و سمعت ما قلته لم أستطع أن....".

    ثم غلبه الإنفعال فلم يكمل عبارته فقلت له:

    -"الحمد لله أن وفقني لهذا. ولكنها خطوة تأخرت كثيراً للأسف".

    قالت حنان في لهجة متعاطفة:

    -"المهم أنك قمت بها. لم أستغرب الأمر حين سمعته، إذ أني كنت أتوقع منك شيئاً مماثلاً بعد ما فعلته مع سارة".

    إستمرت هذه الزيارة حتي وقت متأخر من الليل، يسودها جو عام من السعادة و المرح. بالإضافة الي فرحتي بما وفقني الله لفعله، كنت أشعر بالسعادة لسبب آخر، هو أن أكرم قد عاد كما كان في الماضي، يمزح و يضحك بدون ذلك التحفظ الذي ساد علاقتنا منذ دخلت عالم العاب الواقع. يبدو لي و كأن مئات السنوات قد مرت منذ آخر مرة رأيت أكرم يمزح أو يضحك في وجودي.
    بالإضافة الي مشاعر السعادة التي كانت تغمرني كنت أشعر بالتوتر. تري لماذا لم يتصل رفاييل بي حتي الآن مادام الأمر قد صار معروفاً للجميع؟ كنت أخاف من رد فعل رفاييل لقرار مثل هذا، ولكن الأمر الأكثر إثارة للمخاوف هو أن لا يبدي رد فعل للموضوع. هذا يعني أنه يدبر شيئاً ما. لن يكون رد فعل عادياً بل رد فعل مخطط له و منفذ بعناية. فلنر ما ستأتي به الأيام.
    في نهاية الزيارة و بينما أكرم و حنان يتأهبان للإنصراف، سألني أكرم:
    -"ما هي خطوتك التالية يا خالد"؟

    ضحكت و قلت:

    -"هذا هو نفس السؤال الذي القاه علي رئيس التحرير. يبدو أن هذا السؤال أهم مما كنت أتصور. ألم تسمع إجابتي عليه؟
    -"سمعتها ولكنها بدت لي نوع من الهرب من السؤال بطريقة ناعمة. أعتقد أن لديك خطة ما للمستقبل".
    -"لن تصدقني إن قلت لك أنه ليست لدي أي خطط. لقد إنشغلت بفكرة أن أعتزل الألعاب. لم يكن قراراً سهلاً علي بأي حال من الأحوال، ولكني إتخذته و الحمد لله. علي أن أبدأ في التفكير للمستقبل. غالباً ما سأحتاج اليك لتفكر معي في هذه النقطة".
    -"لا بأس، ولكن لا داعي لأن تطلب مني أن أفكر معك في الصباح الباكر، مثلما جئت تعرض علي فكرة رعايتك لسارة قبل أن أتناول إفطاري.
    -"يا لك من فجع. مازلت تشعر بالأسي لأني حرمتك وجبة إفطار منذ شهر تقريباً".

    إنتهت الزيارة و إنصرف أكرم بصحبة زوجته، بعد أن تعهدا لسارة أن يكررا الزيارة قريباً، فقد تمسكت سارة للغاية بحنان زوجة أكرم و رفضت أن تنصرف حنان. لم تبال بأكرم إطلاقاً، كل ما أهمها هو أن تبقي حنان معها. بصعوبة شديدة أقنعناها بأن تترك حنان تذهب الي منزلها بعد أن تعهد أكرم و أقسم بالأيمان المغلظة أنهم سيكرروا الزيارة قريباً.







  3. #13
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -11-

    بعد زيارة أكرم لي بما يقرب من الأسبوع، رن جرس الباب في المساء. كانت سارة قد نامت و كنت أنا أتأهب للنوم. فتحت الباب فوجدت أبا سارة لدي الباب. لقد مضي الشهر سريعاً دون أن أشعر و يبدو أنه يريد أجر الشهر الجديد. لم يتغير هذا الرجل، نفس المظهر القذر المنفر و نظرته التي هي مزيج من الشر المتحفز و الذهول الذي يسببه له المخدر. دون أي تحية أو كلمة ترحيب قلت له:

    -"لحظة واحدة سأحضر لك المال".
    -"أنا لا أريد المال. أريد إبنتي".

    يا للوغد. سنعود للمساومة من جديد.

    -"كم تريد؟ لن أدفع لك أكثر من خمسين جنيهاً إضافية. إن ....".
    -"قلت لك لا أريد مالاً، بل أريد إبنتي".

    قالها بشيء من الإصرار مما جعلني أتوتر.

    -"سأدفع لك ثمانمائة جنيه شهرياً. هذا يعني زيادة مائة جنيه".
    -"ألا تفهم؟ لا أريد مالاً بل أريد إبنتي، و إن لم تفعل سأبلغ الشرطة بأنك تختطفها. طبقاً للقانون سيقومون بتفتيش المنزل بعد إستصدار أمر بهذا، و سيجدونها عندها ..."

    هذه إذاً هي لعبة رفاييل. ذلك الأحمق لا يدري شيء عن القانون و لا عن الإجراءات القانونية التي تتبع في مثل هذه البلاغات. هناك من أخبره بهذا و دفعه الي طلب أن تعود سارة اليه. هذا يبرر إصراره الشديد. بالطبع وعدوه بمقابل مادي لا بأس به. بالطبع هو لم يسأل عن السبب. عقله أصلاً توقف عن التفكير منذ زمن، كل ما أدركه هو أن هناك مصدراً للمال لا بأس به. دعك بالطبع من أن القانون لا يطبق في هذه المدينة، لكن رفاييل يستطيع أن يتدخل ليجعله يطبق هذه المرة.

    -"كم دفعوا لك"؟

    نظر الي مذهولاً ثم تعلثم و قال:

    -"من هؤلاء؟ أنا لا أعلم عن أي شيء تتحدث".
    -"بل أنت تفهمني جيداً. أنا أستطيع أن أدفع لك المبلغ الذي دفعوه لك و أكثر منه قليلاً".
    -"لا أريد مالاً. فقط أنا أريد إبنتي. الآن.

    قضيت نصف ساعة كاملة في مناقشته دون جدوي. الوغد مصر علي أن يعود بإبنته و إلا أبلغ الشرطة و أخذها بالقوة. علي أن أعطيها له ريثما أسوي هذا الأمر. لا أعلم كيف يمكن أن أوقظها الآن لأخبرها أنها ستترك حياتها الجديدة لتعود الي أبيها. سيبدو الأمر كالكابوس بالنسبة لها. المرعب أن علي أنا أن أقوم بهذا الأمر. كنت أتمني لو يوجد من يمكن أن ألقي عليه هذه المسئولية و لكن للأسف لا يوجد سواي.
    صعدت الي الطابق العلوي و أيقظتها. إستغرق الأمر خمس دقائق لكي تستيقظ من نومها العميق و تنهض جالسة في الفراش. قلت لها و أنا أتحاشي أن أنظر في عينيها:

    -"سارة... إن أبيك هنا و يريدك أن تعودي معه. إنه يريدك أن تعودي الي منزلك القديم لتعيشه معه و مع أمك و ...".

    نظرت الي و كأني أقول لها أنها ستعود للحياة مع فرانكنشتاين و ميدوسا. اللعنة. كيف يمكن أن أشرح لها الأمر. إضطربت و قالت و هي علي وشك البكاء:

    -"ولكني أريد أن أظل هنا".
    -"عزيزتي أنا سأزورك هناك بإنتظام. إن أباك يحبك و يريد أن يعيش معك فلقد أوحشته كثيراً".
    -"كلا، إنه لا يحبني. أنا أريد أن أعيش هنا، معك أنت".
    -"أنا أيضا لا أريد أن أبتعد عنك للحظة واحدة ولكنه أباك. انا لا أستطيع أن أمنعه من أن يأخذك للحياة معه. أتفهمينني"؟

    هزت رأسها بالإيجاب. قضيت ما يقرب من الربع ساعة في محاولة تهدئتها، ثم ساعدتها في إستبدال ثيابها و نزلت بها الي أبيها الذي كان لايزال واقفاً لدي الباب. ما أن رأت أباها حتي زاد ضغط يدها علي يدي و بدأت دموعها تسيل من جديد.
    أن تعاني هذه الطفلة الضعيفة بدون أن يكون في مقدور أحد أن يساعدها فهذا شيء مخيف، أما أن تنتظر مني أنا المساعدة فهذا ما لا أحتمله. مريع هو الشعور بالعجز. أن يكون هناك من يثق بك و بقدرتك علي حمايته بينما أنت عاجز عن أن تقدم له ما هو أكثر من بضع كلمات لا نفع لها.
    أمسك أبيها بيدها دون كلمة و أستدار لينصرف و لكني إستوقفته:

    -"مهلا. إنتظر لحظة واحدة".

    كانت سارة قد نست أن تأخذ معها أميرة. هي لا تذهب الي أي مكان بدونها، و لكن يبدو أن حزنها أنساها. صعدت الي الطابق العلوي حيث وجدت الدمية في فراش سارة. لقد كانت نائمة و هي تحتضن دميتها كالمعتاد.
    نزلت بالدمية في يدي و أعطيتها لسارة. تناولتها في صمت بدون إكتراث بينما دموعها ما زالت تسيل علي وجهها الجميل. نظر الي أبيها كمن ينظر الي مجنون، ثم أمسك بيدها و إستدار منصرفاً.

    بعد أن أغلقت الباب بقيت واقفاً خلفه لوقت لا يعلمه إلا الله. كنت أشبه بالمذهول، عاجز عن التفكير أو فعل أي شيء. هذا ليس عدلاً. ليس عدلاً علي الإطلاق. أنا أحق برعاية هذه الفتاة من أبيها، و أي قانون يقول غير هذا فهو قانون أحمق. هذا الرجل لا يؤتمن علي رعاية قطيع من الخراف، فما بالك برعاية طفلة. ليس عدلاً أن أحرم منها بعد أن صرت لا أستطيع الحياة بدونها. أفكر من أجلها، أضحك لضحكها و لا أحلم إلا بها. وفي النهاية بعد أن تغلغلت في روحي تماما هذا يأتي هذا الرجل لينتزعها من حياتي. يا له من شعور اليم.
    سأدخل لأنام الآن و في الصباح سأحاول أن أجد حلاً لهذا الموضوع. لا أعلم أي وسيلة لحله، ولكني أعلم أني سأجن إن لم أنام الآن.
    بالطبع كما يمكنك أن تتخيل لم يغمض لي جفن حتي الصباح. لقد قضيت ليلة لم أقض مثلها في حياتي أتقلب في فراشي كالمحموم و تهاجم رأسي أفكار متضاربة لما يمكن أن أفعله غداً. هل أعرض علي ذلك الرجل مبلغاً ضخماً من المال؟ لا لن يجدي هذا، فلقد عرضت عليه الأمر بالفعل ولكنه رفض. في البداية لابد أن أعلم ما الذي أقنعه به رفاييل. هل أراقب منزله و أنتظر حين يتركه لأسأل إمرأته عن العرض الذي تلقاه؟ يبدو هذا صعباً، إذ أن هذا الأمر يمسها و غالباً ستتخذ جانب زوجها. هل أسأل رفاييل؟ هذا أخر ما يجب أن أفكر فيه. سيستغل الفرصة ليتلاعب بي و يتلذذ بما أنا فيه.
    المشكلة أن صورة سارة و قد عادت الي بيئتها القديمة، الي أبيها فظ المعاملة و أمها المهملة لا تفارق مخيلتي. أن تعود مثل هذه الزهرة الي ذلك المستنقع يبدو أمراً بشعاً. الأفضل لها أن تموت عن أن تحيا حياة مثل هذه.
    في الصباح قمت من الفراش وصليت داعياً الله أن يعينني علي حل هذه المشكلة التي لا أعلم لها حلاً. حاولت أن أتناسي الموضوع مؤقتاً و أتناول إفطاراً سريعاً، ولكن كل ما حولي كان يذكرني بها. الأغلفة الفارغة للشيكولاتة المفضلة لديها، دراجتها، أسطوانات الفيديو التي عليها أفلام الكارتون التي كانت تشاهدها، حتي حين كنت أفتح النافذة أري حمام السباحة الذي كانت تعشقه. و كأنما تآزر الكون عليّ ليزيد من معاناتي.
    قضيت اليوم أدور في الفيلا كالحيوان الحبيس. لابد من حل قبل أن أجن، حتي إن أضررت لأن أختطفها بالفعل من بيت أبيها. هذا أفضل من أن أجن.
    مضت الساعات، و عند الظهيرة دق جرس الباب. فتحت الباب فوجدت أن الطارق هو أكرم. كان في عينيه مزيج من الإضطراب و الغضب، و ما أن فتحت الباب حتي طوح بقبضته في وجهي. لحسن الحظ تراجعت سريعاً فلم تصب الضربة وجهي، بينما إختل توازن أكرم و كاد أن يسقط أرضاً إلا أني أمسكت بذراعه قبل أن يسقط. ما الذي دهاه هذا الأحمق؟ و كأن ما لدي من مشاكل لا يكفيني؟
    تملص أكرم من ذراعي و أخذ يرغي و يزبد بكلمات غير مفهومة و حاول أن يهاجمني ثانية. لحسن الحظ أنه ضعيف. تفاديت ضرباته و أمسكت بكلتا يديه لأمنعه من المزيد من المحاولة و أنا أردد كلمات علي غرار "إهدأ" و "ما الذي دهاك" و "دعني أفهم أولاً".
    بعد دقائق كانت قواه قد أنهكت و جلس يلهث كالثيران و يحاول أن يتكلم وسط أنفاسه المتقطعة:

    -"أنت... هناك حيوانات أفضل منك... لقد ظننت أن... ولكني كنت مخطئاً".
    -"ما الذي تتكلم عنه بالظبط؟"

    إستمر في الكلام و كأنه لم يسمعني:

    -"كيف تجرؤ... كيف تطاوعك مشاعرك علي أن... لم أتصور أن يصل بك الأمر الي...".

    صرخت فيه:

    -"أنا لا أفهم شيئاً".

    أجفل و نظر الي بشيء من الإندهاش. قلت له بصوت أهدأ قليلاً:

    -"أنت منفعل و أنا ليس لدي أدني فكرة ما الذي تتحدث عنه بالظبط. كلماتك غير مترابطة أو مفهومة. إن أردت أن تتكلم هكذا لآخر اليوم فليست لدي الأعصاب التي تسمح لي بسماعك. إهدأ و أخبرني ما الذي تتحدث عنه".

    نظر الي في غضب ثم قال بحدة:

    -"أتحدث عن سارة بالطبع".

    تنهدت و قلت في حزن:

    -"ليس من حقي أن أمنع أبيها أن يستردها. القانون في صفه و أنا ليست لي صفة قانونية تسمح لي..."

    بترت عبارتي حين لاحظت نظرة الإستغراب التي لاحظتها علي وجهه. قلت له في توتر:

    -"أليس هذا ما تقصده؟"

    قال في شيء من التردد:

    -"لا. أنا أتكلم عن ألعاب الواقع. لم يكن ينبغي أن تجعل سارة تشترك في تلك اللعبة التي....".

    هنا كنت قد فقدت كل تحكم ممكن في أعصابي و بدأت ركبتي ترتعش. جلست أمامه و قلت بلهجة حاولت الحفاظ عليها هادئة قدر الإمكان:

    _"أخبرني بالموضوع من البداية و تكلم معي و كأني لا أعلم شيئاً عن هذا الموضوع".
    -"في الصباح، و بينما أقلب قنوات التلفيزيون، رأيت إعلاناً فيه صورة فتاة تشبه سارة. كانت تلك القناة هي قناة العاب الواقع، و كان الإعلان عن لعبة جديدة، هي لعبة قتال بين أطفال...قتال حتي الموت، و كان الإعلان يقول أن اللعبة القادمة بين سارة و فتاة أخري. كانت تلك الفتاة تبدو أكبر سنا بكثير من سارة و تبدو عليها علامات الشراسة. لقد ظننت أنك قمت ب... أقصد أنك...".

    لم يكمل عبارته ولكن المعني مفهوم. و أنا الذي ظننت أن لعبة رفاييل هي مجرد أن يحرمني من سارة و يعيدها الي أبيها، ولكن يبدو أن خياله أكثر إتساعاً.

    قمت الي جهاز الهاتف فطلبت رقم مكتب رفاييل. بعد ثوان من الرنين جائني صوت سكرتيرته الخاصة:

    -"مكتب رفاييل أها....".
    -"أعطني رفاييل. أنا خالد حسني".

    بعد ثوان سمعت صوت رفاييل الهاديء:

    -"كنت أنتظر إتصالك منذ ساعات".
    -"سأسألك سؤالاً واحداً. هذه اللعبة بموافقة والد سارة، اليس كذلك؟"
    -"بالطبع. لقد وقع كل الأوراق الممكنة. بالطبع انت تتساءل كيف أقنعته بأن يترك المبلغ الذي عرضته عليه أنت. لقد عرضت عليه أن تكون إبنته نجمة من نجوم الألعاب. مثلك، و هذا بالطبع سيجله ثرياً مثلك، بمعني آخر أن تكون ثروته مساوية لثروتك".
    -"و بالطبع قبل المخاطرة بإبنته؟ هل ظن أن الأمر بهذه السهولة و أن إبنته يمكن أن تفوز في مثل هذه المعركة و تصير من أبطال العاب الواقع"؟
    -"بالتأكيد. هو لم يفكر في الموضوع من الأساس. كل ما أدركه هو أن هناك وسيلة سريعة لكسب مبلغ رهيب من المال، والمقابل بسيط، و هو المخاطرة بحياة إبنته. بالطبع لم يتردد كثيراً. بل هو لم يتردد أصلاً. لقد وافق في الحال و ترك إبنته لدينا حتي يحين موعد المعركة. لو كان كل الناس ...".

    أغلقت سماعة الهاتف و صعدت الي الطابق العلوي حيث إستبدلت ثيابي و نزلت السلم قفزاً و توجهت الي باب الفيلا عدواً أمام عيني أكرم المندهشتين. قال لي :

    -"إلي أين أنت...".

    كنت قد خرجت من الفيلا قبل أن ينهي عبارته. كنت أشبه بمن هو تحت تأثير المخدر، أسمع و أري ما يدور حولي و لكن عقلي منفصل تماماً. ركبت سيارتي و إنطلقت بها من المرآب بسرعة صاروخية. لم يكن من عادتي يوما التهور في القيادة، ولكني لم أكن أعي ما أفعل. يدي و قدماي تقودان السيارة بينما عقلي شارد تماماً. و رغماً عني سالت دموعي علي وجهي.
    كيف وصل به الغباء الي أن يصدق أن إبنته الرقيقة الهشة يمكن أن تكون من نجوم الألعاب؟ طوال عمري و أنا مقتنع أن تسعة و تسعين بالمائة من الناس أغبياء، ولكن هذا الرجل وصل الي درجة قياسية غير مسبوقة من الغباء الممزوج بأقصي درجة من درجات إنعدام الضمير. لقد قبل الوغد أن يضحي بحياة إبنته في مقابل حلم بالثروة، و كأنما لم يكفيه ما رأته من قسوته في سنوات عمرها القليلة. والآن عليها أن تقاتل و تقتل. عليها أن تتحمل ما لم أستطع أنا الشخص الكبير الناضج تحمله فقط لتجلب لأبيها مالاً لينفقه في شراء المزيد من المخدر. طفلة في الرابعة من العمر عليها أن تتعلم كيف تحمل سلاحاً و كيف تقتل، بدلاً من أن تجد الحنان و الرعاية التي تستحقهما تماما. بدلاً من أن تكون معلوماتها في الحياة هي معلومات عن الدمي الجميلة والألعاب المسلية و أفلام الكارتون، تصبح معلوماتها عن الحياة هي معلومات عن الموت، عن جشع الناس و سعيهم الذي لا يتوقف الي المال، عن العنف و الدموية في أعنف صورها، وكل هذا بدون مبرر إلا أنها فقط إبنة هذا الرجلً. الأدهي من هذا أنه تركها لدي شركة الألعاب حتي يحين موعد المسابقة القادمة. فكرة أن سارة الآن في يد رفاييل و زبانيته هي فكرة مرعبة لا أحتمل أصلاً أن أفكر فيها.
    قدت السيارة بجنون الي الجانب الشرقي من المدينة في إتجاه بيت سارة الدموع تشوش الرؤية أمامي.سأكون محظوظاً لو لم أقتل نفسي اليوم في حادث تصادم.
    وصلت الي تلك الطرق الضيقة التي لا تستطيع السيارة أن تسير فيها فنزلت من السيارة و دون أن أبالي بأن أغلق الباب خلفي أخذت أعدو في الطرقات الضيقة حتي وصلت الي بيت سارة. أخذت أطرق الباب بأقصي ما في يدي من قوة بدون توقف. إنفتح الباب و ظهر الرجل علي عتبته متذمراً.

    -"ما الذي...".

    قبل أن يتم عبارته جذبته من ثيابه الي خارج البيت و حملته و ضربت بظهره الجدار المجاور للباب بأقصي ما إستطعت من قوة، حتي أن عضلات ذراعي آلمتني بشدة.
    صرخ الرجل من فرط الألم و المفاجأة.حملته مرة أخري و ضربت ظهره بالجدار مرات عديدة دون أن أبالي بصرخاته. كنت أتمني أن أسمع صوت عظام عاموده الفقري تتهشم ولكن الوغد بدين، عاموده الفقري أمامه طبقات من الشحوم لا بأس بها. خرجت زوجته و شاهدت المنظر فإنفجرت في الصراخ مثل سارينة الإسعاف.
    حاول أن يطوح بيده في وجهي ولكني أمسكت ذراعه في اللحظة المناسبة ثم ثنيت ذراعه بأقصي ما إستطعت من قوة حتي سمعت صوت عظامه تتهشم. صرخ الرجل في شدة بينما تجمع الناس حولنا دون أن يجرؤ أحدهم علي التدخل. يبدو أن مظهري كان رهيباً، بذلك الغضب الجنوني الذي تملكني وقتها. علي الرغم من ذراعه المهشمة التي تدلت بدون حركة جوار جسده، إلا أني لم أكتف و لم يهدأ غضبي ولو قليلاً. كنت أتمني أن أجعله يعاني الي أقصي درجة ممكنة.
    أمسكت عنقه و أخذت أضرب رأسه بالجدار مرات متتالية بدون توقف.
    بعد بضع ضربات توقفت صرخاته و تراخي جسده. تركت عنقه فسقط أرضاً بدون حراك. تحسست عنقه فلم أجد نبضاً. لقد مات. القت زوجته بنفسها فوق جسده الهامد و أخذت تصرخ و تلطم وجهها.
    تركت جسده ملقي أرضاً و توجهت الي حيث تركت السيارة، بينما أفسح الناس الذين أحاطوا بالمكان الطريق لي في شيء من الرهبة. هذه هي أول مرة في حياتي أقتل فيها شخصاً دون أن أشعر بذرة من الندم. بل بالعكس، أشعر أني لم أنتقم منه بما يكفي. لا توجد عقوبة في الحياة تكفي كمقابل لما فعله هذا الوغد بإبنته و بي. الآن أتفهم شعور إدموند دانتيس بطل قصة الكونت دي مونت كريستو حين شعر أن الموت لا يكفي كعقاب لمن أضاعوا حبيبته و تسببوا في سجنه و موت أبيه جوعاً. عزائي الوحيد أني أعلم أن هناك عقاباً ينتظر ذلك الوغد يوم القيامة، الأمر الذي لم يضعه إدموند دانتيس في إعتباره.

    سرت بخطوات بطيئة متثاقلة ثم إسترعي إنتباهي شيء ملقي علي الأرض علي بعد خطوات من بيت سارة. كانت أميرة ملقاة علي الأرض. لابد أنها سقطت من يد سارة أو ألقاها أباها هنا. سارة لا تتخلي عن دميتها أبداً، لابد أن أباها أجبرها علي تركها أو إلقائها هنا قبل أن تذهب إلي شركة الألعاب.
    رفعت الدمية من الأرض. كانت تفوح برائحة ذلك العطر الذي إشتريته لسارة يوم أخذتها الي داري، و الذي صار رائحتها المميزة فيما بعد. هذه الدمية كانت هي الوسيلة التي دخلت سارة بها الي حياتي لتغيرها الي ما هو أجمل بما لا يقاس. دون أن أشعر ضممت الدمية الي صدري و إنفجرت في البكاء.


    -"ما هي الحلوي التي تحبينها؟ أتحبين الشيكولاته؟

    نظرت لي في إستغراب و دهشة. في البداية ظننت أنها تري السؤال بديهيا، إذ أن كل الأطفال يحبون الشيكولاته، ثم فطنت الي أنها لم تسمع الكلمة من قبل أساساً. لا أدري هل هذا بسبب فقرها أم صغر سنها.

    -"ما هذا"؟
    "هذه و ليس هذا. هذه تسمي زهرة".

    -"هذا ثوب".
    -"ولكنه ليس مثل الباقيين".

    -"لا تتركني وحدي يا عم خالد".


    كل الأطفال الذين يبدون كالشياطين في يقظتهم يبدون كالملائكة عندما ينامون، فما بالك بالطفلة التي تبدو كالملاك و هي متيقظة، كيف تبدو عندما تنام؟


    -"أنت لا تجيد الكذب يا خالد. علي الأقل لم تجده اليوم".


    -"كلا، إنه لا يحبني. أنا أريد أن أعيش هنا، معك أنت".


    مريع هو الشعور بالعجز. أن يكون هناك من يثق بك و بقدرتك علي حمايته بينما أنت عاجز عن أن تقدم له ما هو أكثر من بضع كلمات لا نفع لها.







  4. #14
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -12-
    التقدم في أساليب النظم الديمقراطية يمكن إستخدامه لخدمة صناعة الإجماع بمعني جعل الرأي العام يوافق علي أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق إستخدام وسائل دعائية.
    والتر ليبمان- عميد الصحفيين الأمريكيين سابقاً


    توجهت الي السيارة و الدمية في يدي. ركبت السيارة و توجهت الي مبني شركة الالعاب. صعدت الي مكتب رفاييل في خطوات سريعة، و إن لاحظت أن هناك حركة غير عادية في المبني. الكثير من الأشياء و المعدات تنقل عبر المبني لسبب لا أعلمه. لم أبالي كثيراً و أكملت طريقي الي مكتب رفاييل. قبل الدخول الي مكتبه، علي أن أمر علي غرفة سكرتيرته.كانت تجلس أمام مكتبها، إلا أني لم أبالي بها و توجهت الي باب مكتب رفاييل. حاولت أن تمنعني من الدخول اليه:

    -"لا يمكنك الدخول قبل أن ....".

    ثم بترت عبارتها. يبدو أن مظهري كان يغني عن أي نقاش بنظرة التصميم و الحزن التي كانت علي وجهي. توجهت الي باب مكتبه و فتحته و دخلت المكتب و أغلقت الباب ورائي.
    كان رفاييل جالس في كرسي المكتب الوثير وظهره اليّ. كان ينظر عبر زجاج مكتبه، الذي يحتل الجدار المواجه للباب بأكمله. قال دون أن يستدير بكرسيه:

    -"لماذا تأخرت؟ أنا أنتظرك منذ أن أنهيت مكالمتك معي".
    -"كان علي أن أنهي بعض الأشياء"
    -"هل لي أن أعرف ما هي هذه الأشياء؟"
    -"كنت أتناقش قليلاً مع والد سارة، ولكنه لم يحتمل سحر حديثي فسقط ميتاً".

    إستدار بكرسيه بحركة حادة و نظر الي بشيء من الترقب. قلت له في برود:

    -"ما الذي تريده لكي لا تخوض سارة هذه اللعبة؟"
    -"أن تخوض أنت لعبة صغيرة بدلاً منها. قواعد اللعبة هي البساطة ذاتها. كنت قد حدثتك عن أن... ألن تجلس؟ إجلس فإن الحديث سيطول و لن نستطيع الإستمرار فيه و أنت واقف هكذا".

    جلست علي الكرسي المواجه لمكتبه و أكمل هو حديثه بلهجة تقريرية لا إنفعال فيها :

    -"تعرف أني إستقيت فكرة ألعاب الواقع من ألعاب الكمبيوتر. في العاب الكمبيوتر، يوجد طراز من الألعاب قائم علي ما يسمي ب "موقف رهائن" Hostage Situation أو Die Hard situation. في هذه الألعاب توجد رهينة أو مجموعة من الرهائن. مجموعة من اللاعبين تقوم بدور إرهابيين، و مجموعة أخري تقوم بدور فريق مكافحة الإرهاب. علي المجموعة التي تمثل فريق المكافحة تحرير الرهائن قبل وقت محدد، وإلا قام الإرهابيون بقتل الرهائن. أنا أفكر في أن أقوم بمثل هذا السيناريو في ألعاب الواقع. الرهينة ستكون سارة، و أنت ستمثل فرقة مكافحة الإرهاب".
    -"أنت مجنون. أنا لن...".
    -"دعني أكمل كلامي. لست في موقف يسمح لك بالمساومة أو الرفض. ستقبل و إلا دخلت سارة اللعبة القادمة. و كما لا يغيب علي ذكائك، فإن فرصة فوزها شبه منعدمة".

    الوغد علي حق للأسف. فلنستمع لما يقول.

    -"كنت أقول أنك ستمثل فريق مكافحة الإرهاب، و سارة ستكون الرهينة. المفاجأة أن الإرهابيين هم مجموعة من أفضل اللاعبين المحترفين الذين لدينا. بالطبع إن نجحوا في قتلك، تموت الفتاة. هذه نقطة مهمة، إن مت ستقتُل سارة أيضاً. دعك من أنه بعد فترة معينة من الوقت سيتوجه الفريق المنافس لك الي سارة و يقتلها، و عندها أيضا ستكون قد خسرت بغض النظر عن موتك أو حياتك. بالطبع إن هزمت، سيكون للفريق مكافأة ضخمة. أما الشخص الذي يقتلك، فإن له مكافأة شخصية – بالإضافة الي مكافأة الفريق التي سيتم توزيعها علي الفريق كله- هذه المكافأة هي مبلغ من سبعة أصفار. مكان المعركة سيكون جديداً، سيكون هنا، في مبني الألعاب. لعلك تساءلت عن سبب الفوضي و عمليات النقل التي لابد و أنك رأيتها هنا في المبني. إنها إعداد للمبني لكي تقام فيه هذه المعركة. ستكون سارة رهينة في إحدي غرف هذا المبني، وسيكون عليك البحث عنها. هذه الغرفة ستكون مغلقة و سيتم فتحها بعد نصف ساعة من بدء المعركة، عندها يدخل الفريق المنافس لك الي الغرفة و يقتلوها، و عندها ستكون قد خسرت. سنقوم بإعداد الطابقين العلويين من المبني لعمل قاعتين عملاقتين مثل قاعات السينما في كل طابق منهما، حيث سيحضر مجموعة من المتفرجين – بعد دفع مقابل مادي ضخم طبعا- حيث سيتم بث حي الي داخل هذه القاعات، بالإضافة الي أن المعركة ستبث علي الهواء علي قناة الألعاب. هذه ستكون أول مرة أقوم بإخراج المعركة علي الهواء. أيضاً سنقوم بفتح رهان صغير قيمته مائة جنيه، حيث يراهن المتفرجين علي الفائز في هذه المعركة، و بعد نهاية المعركة يكسب المتفرج أو يخسر بناء علي إختياره، هل كان سليماً أم لا. و دعني أخبرك أني أظن أن فرصة فوزك ضئيلة للغاية، إذ أن جميع اللاعبين المحترفين سيكونوا ضدك و سيستميتوا في قتالك من أجل الفوز بالمكافأة. ولكنك ستقبل بالتأكيد. أنت ستضحي بحياتك من أجل فرصة و لو ضئيلة لإنقاذ تلك الفتاة".
    -"أأنت واثق الي هذه الدرجة"؟
    -"بالطبع، لدرجة أني أمرت قسم الإعلانات بصنع الإعلان عن المعركة القادمة و قد قاموا بصنعه بالفعل و سيبدأ بثه غداً. يمكنك أن تشاهده الآن.

    قالها و توجه الي أقصي الغرفة حيث توجد مكتبة الصغيرة بها جهاز فيديو و جهاز تليفزيون صغير. قام بوضع إسطوانة في جهاز الفيديو ثم قام بتشغيلها. علي شاشة التلفاز ظهر الإعلان .لم يكن مميزاً في شيء عن باقي الإعلانات المعتادة للمعارك، و لكني لاحظت أن الإعلان ذكر أني سأفوز بمبلغ ضخم من المال في حالة فوزي في هذه المعركة. لم يذكر رفاييل هذا في كلامه.

    بعد أن إنتهي الإعلان قلت له:

    -"أنا أقبل دخول هذه المعركة و لكنك مدين لي بإجابة بعض الأسئلة علي الأقل".

    عاد الي الجلوس في كرسي المكتب و قال:

    -"سل ما بدا لك".
    -"لماذا"؟

    نظر لي في تساؤل.

    -"لماذا تفعل كل هذا؟ لديك الكثير من اللاعبين المحترفين سواي فلماذا تفعل كل هذا لأن لاعباً واحداً فقط قرر الإعتزال"؟

    نظر الي دون أن ينطق لبضع ثوان ثم قال:

    -"هذا يحتاج الي شرح يطول بعض الشيء".
    -"أنا لست متعجلاً. يمكنني أن أستمع لك لساعات".

    أخذ نفساً عميقا كمن يستعد لمعركة ثم أخذ يتكلم دون إنقطاع:

    -"ليست المشكلة في أن لاعباً قد إعتزل. صحيح أنك أكثر اللاعبين تميزاً، و لكن هذه ليست المشكلة الكبري. المشكلة هي السبب الذي من أجله إعتزلت الألعاب. أنت إعتزلت الألعاب لأسباب دينية، و لأن شركة الألعاب شركة تثير أحط الغرائز في البشر و تستغلها الي آخر هذا الكلام....".
    -"أليس هذا حقاً؟ ثم إن هذا رأيي الشخصي. هل قمت بكل هذا لأن رأيي لا يروق لك".
    -"دعني أكمل كلامي للنهاية. بالطبع أنا لست أحمق لكي أثور أو أغضب لأن رأيك لا يروق لي. الموضوع أكبر من هذا. كنت قد حدثتك عن أن النفس البشرية بها تيارات متضادان، احدهما يرفض العنف و الآخر يتلذذ به. علينا أن نجعل الناس تحب العنف و تنسي كرهها له. يوجد مصطلح إعلامي يسمي (صناعة الإجماع Manufacturing Consent ) ، أي أننا نريد أن نصنع إجماعاً بين الناس علي شيء هم يرفضونه أصلاً. نريدهم أن يجمعوا علي أن العنف شيء رائع و مقبول. لكي نصنع هذا الإجماع لابد من إسكات الأصوات التي ترفض العنف. بالتدريج نجعل كل وسائل الإعلام – التي نمولها أو علي الأقل نمثل لها عميلاً إعلانياً- تروج للألعاب، نكثر من الدعاية للألعاب، ونتجاهل كل الأصوات أو الآراء التي ترفض الألعاب. تدريجياً، يجد كل من يرفض الألعاب نفسه وحيداً. هو ينظر حوله ولا يري إلا قبولاً للألعاب و ترحيباً بها من المجتمع كله، فيظن أنه الوحيد الذي يرفض الألعاب – علي الرغم من أن هناك آخرين مثله تماماً- و تدريجياً إما أن ينخرط في التيار السائد، أو ينطوي و يحتفظ بصوته الرافض للعنف داخل نفسه ولا يصرح به. هذا أسلوب قديم، كثيراً ما أستغل هذا الأسلوب بواسطة الإعلاميين للترويج للبرامج السياسية التي تلقي رفضاً من المجتمع".

    ثم بدأ صوته يضطرب و يسوده شيء من الإنفعال و الغضب:

    -"علي مر سنوات إجتهدت بكل السبل الممكنة كي أصنع هذا الإجماع. بدا لي أني قد نجحت الي أقصي درجة، إذ أنه علي مر سنوات، لم يظهر صوت واحد رافض للألعاب. و إذ بي أفاجأ ذات يوم بتصريح لك و تعلن فيه كل ما إجتهدت أنا في إخفاءه علي مر السنوات. و ما زاد الطين بلة أن الصوت الذي ظهر معلناً رفضه للألعاب هو صوت أشهر و أنجح اللاعبين. هذا يجعل التأثير مضاعفاً. كل من كان يظن أنه الوحيد الذي يرفض الألعاب أدرك الآن أنه لم يعد وحيداً، و أن هناك شخص آخر يري نفس رأيه، و هذا الآخر هو نجم شركة العاب الواقع، و أشهر اللاعبين. لن يمكنك أن تتخيل كم المقالات التي إنهالت في الأسبوع الأخير في الصحف ووسائل الإعلام، و المظاهرات الجماهيرية التي تنادي بوقف الألعاب، بل و تقديمي أنا و وائل الحديدي للمحاكمة. الأمر يشبه إنهيار السد الذي كان يمنع الفيضان. أنت دمرت ما إجتهدت أنا في بنائه علي مر سنوات".

    نظرت له و لم أرد. حقاً لم أفكر أن الأمر قد يصل الي هذه الدرجة. تذكرت موقفاً لا أنساه أبداً مر بيً في طفولتي حين كنت في المدرسة، إذ جاء أحد الأطفال الينا ليخبرنا أنه وجد قطة تحتضر أمام باب المدرسة. شاهدت في إندهاش كيف إندفع الأطفال ليشاهدوا الأمر في حماس شديد. كنت أظن أن في موقف مثل هذا سيذهبوا في حماس لينقذوا تلك القطة أو يساعدوها، و لكن ما أثار رعبي أنهم كانوا ذاهبين لكي يستمتعوا برؤية القطة و هي تحتضر. أحياناً قد يكون الأطفال ساديين الي درجة مرعبة.
    تبعتهم في خطوات مترددة و لم أنس المشهد حتي الآن. كانت القطة تنزف من مواضع متعددة في جسدها، يبدو أن سيارة قد داستها أو شيء من هذا القبيل. بالطبع كان المشهد مريعاً – أو علي الأقل هكذا بدا لي – و تمنيت أن أفعل شيئاً ما لأنقذها. لا أدري ما الذي كان يمكن لطفل لم يلبغ العاشرة من العمر أن يفعله في مثل هذا الموقف، و لكني لم أفكر في الأمر بمنطقية وقتها، كل ما كان لدي هو بعض المشاعر الثائرة في نفسي.
    علي الرغم من رغبتي في أن أساعد تلك القطة المحتضرة، إلا أني لم أجرؤ أن أعلن عن رغبتي تلك. كان كل الأطفال من حولي يشاهدون الأمر في سعادة واضحة، و كل منهم يلفت نظر الآخر الي شيء مثير في جسد القطة، مثل كسر في أحد ارجلها أو موضع ينزف في جسدها. بدا لي وقتها أني الوحيد الذي يريد أن يساعد هذه القطة. الآن حين أستعيد هذه الذكري أتفهم ما قاله رفاييل عن صناعة الإجماع. أن تشعر أنك علي صواب ولكن لا أحد غيرك يري ما تراه".

    بعد لحظات من التفكير قلت له:

    -"و لهذا تنتقم أنت مني بأن تجبرني علي الدخول في معركة فرصة فوزي فيها ضئيلة للغاية".
    -"ليس إنتقاماً شخصياً. أنا أقوم بهذا لغرض عملي بحت. يمكنك أن تفكر فيه علي أنه محاولة لإصلاح ما قمت أنت بإفساده. أنت ظهرت أمام الناس كبطل، يترك الألعاب و يتخذ إتجاهاً دينياً، بل و يرعي طفلة صغيرة أيضاً. لابد من أن تنهزم هذه الصورة. لابد من أن يهزم البطل. هذا يقلل كثيراً من بطولته و شعبيته و يساعد علي محو صورته من الأذهان. بالطبع هذا لن يصلح ما أفسدته أنت تماماً، ولكنه سيقلل من تأثير ما فعلته أنت".
    -"لدي سؤال آخر، أو هي بضعة أسئلة تتعلق بالمعركة القادمة. المشاهدين الذين سيشاهدوا بثاً حياً هنا من داخل مبني الألعاب، ما فائدة دفع مبلغ ضخم مادامت المعركة ستبث علي الهواء علي قناة الألعاب؟ ثم هل تظن أن الناس ستقبل أن يكون محور اللعبة حياة طفلة صغيرة؟ أعني أن هناك حداً للعنف لن يقبل الناس بتجاوزه. و هناك شيئاً آخر، مادامت فرصة فوزي محدودة، فما فائدة الرهان علي أني سأهزم أم لا؟ لابد أن المشاهدين جميعا سيراهنوا علي الإحتمال الأكبر و هو أني سأهزم، و بالتالي يتسبب هذا في خسارة لشركة الألعاب و هو .....".
    -"مهلاً مهلاً. تمهل قليلاً حتي يمكنني الرد علي أسئلتك. بالنسبة للمشاهدين الذين سيأتون الي هنا، فهم سيأتون لأنهم سيشعروا أنهم في قلب مكان المعركة. حين يسمعون صوت الرصاصات والصرخات يتردد من الطوابق التي تقع أسفل منهم، فإن هذا يعطيهم شعوراً أكثر بالواقعية. أما بالنسبة لأن تكون حياة طفلة صغيرة هو محور اللعبة، فهذا لا يهمهم. المهم بالنسبة لكل منهم هو أن تخسر أنت أيا ما كان الثمن، حتي لو كان هذا الثمن هو موت أمه ذاتها. بل إن البعض سيتلذذ بموت هذه الفتاة بالذات أكثر من أي شيء آخر".
    -"ولماذا يهمهم أن أخسر؟ ولماذا يتلذذون بموت سارة بالذات"؟
    -"لأنك أهنتهم. من سيحضرون العرض هنا هم الناس الأشد حماساً للألعاب. حين إعتزلت أنت، كانت الرسالة الصامتة التي وصلت اليهم هي ( أنا أفضل منكم يا من تتلذذون بسفك الدماء. أنا إتخذت إتجاهاً دينياً، و أرعي فتاة صغيرة). هم يعرفون ويشعرون بأن الألعاب شيء غير آدمي أو إنساني – هذا بديهي، لأن الصواب و الخطأ أشياء فطرية الي حد كبير- ولكنهم يتلذذون بالألعاب، و لن يتركوا متعتهم لأن الألعاب شيء غير آدمي. الآن تأتي أنت و تقدم علي الخطوة التي لم يستطع أي منهم أن يقوم بها. الآن كل منهم يتمني لك الفشل، و يا حبذا لو كان هذا الفشل مقروناً بموت الفتاة التي حاولت أنت أن تحميها و ترعاها. هذا يمثل بالنسبة لهم نوعاً من العقاب المزدوج لك لأنك حاولت أن ترتقي عليهم. أما بالنسبة للرهان، فإن قيمة الرهان بسيطة. إن فاز كل منهم بالرهان – و هو ما سيحدث غالباً- فسيفوز بمأتي جنيه، و هو مبلغ تافه بالنسبة لثمن التذكرة التي سيدفعها. الغرض من هذا الرهان ليس المكسب المادي. الغرض هو إشعارهم بالإنتصار عليك. حين تخسر أنت هذه المعركة – وهذا ما سيحدث لا محالة- فإن كل منهم سيشعر بأنه راهن علي فشلك، و قد فشلت بالفعل. أي رهان – مهما كانت قيمته- يثير في النفس الخوف و التوتر و الترقب. عندما تنهزم أنت يزول هذا التوتر و يحل محله شعور بالقوة و الإنتصار، و هذا الإنتصار سيكون مقرونا بهزيمتك. هذا سيشعرهم أنهم هم الذين فازوا عليك. هذا هام لإستعادة شعبية الألعاب و محو ما قمت أنت بفعله في نفسيتهم.

    هناك شيء خارق للطبيعة في هذا الرجل. إنه يتحدث عن التلاعب بحياة البشر و مشاعرهم بموضوعية شديدة و كأنما يتحدث عن دورة حياة دودة البلهاريسيا. لو كان هذا فيلماً سينمائياً لقلت أن هذا الرجل هو الشيطان و قد تجسد في صورة إنسان.

    -"و ماذا عن تلك المكافأة التي يذكرها الإعلان، و التي أنالها إن فزت في المعركة؟ أنا لم أطلب مكافآت و كل ما يهمني هو أن أنقذ سارة، فلماذا تدفع شركة الألعاب شيئاً لا أريده ولم أطلبه؟ لا أظن أنكم علي هذه الدرجة من الكرم".
    -"ليس كرماً، فقط أحاول أن أقلل من قدرك لدي الناس. ها هو خالد حسني يقوم بمغامرة من أجل المال مرة أخري. هذا يشعر الناس أنك الي حد ما حقير مثلهم، و لست علي هذه الدرجة من النبل التي يظنوها".
    -"نعم، إنها تلك السياسة الإعلامية القديمة، سياسة جوبلز وزير الدعاية النازي: إكذب كذبة كبيرة يصدقك الناس بسهولة".

    إبتسم و قال بلهجة المعلم الذي يحدث تلميذه النجيب:

    -"كلا، لقد أخطأت هذه المرة. لقد كان جوبلز حماراً كبيراً. من السهل دوماً إكتشاف الكذب حين يكون كذباً خالصاً.مثلاً لقد ظل جوبلز يكذب عن إنتصارات الجيش الألماني علي الجبهة الروسية علي الرغم من الهزائم التي كانت تلاحق الألمان وسط الجليد الروسي، فماذا حدث بعدها؟ ما أن بدأ جوبلز حملة من أجل التبرع للجيش الألماني بالمعاطف، حتي شعر الناس أن هناك شيء ما خطأ، و أن الجيش لا يحرز تلك الإنتصارات المزعومة، علي الرغم من إستمرار الأكاذيب الإعلامية بإنتصارات الجيش الألماني. أسلوب جوبلز هذا أثبت فشله أكثر من مرة. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهر أسلوب إعلامي جديد في الترويج للأكاذيب، هو مزج الحقائق بالأكاذيب. لو كنا نطبق سياسة جوبلز الإعلامية كما تقول أنت، لقلنا أن خالد حسني سيدخل المعركة من أجل المكافأة المالية فقط دون أن نذكر سارة من الأساس، ولكن الناس لن يصدقوا هذه الكذبة، و سيسهل كشفها. أما أن نقول أن خالد حسني سيدخل المعركة من أجل الفتاة بالإضافة الي المكافأة المالية، فهذا أمر يختلف. الناس تعلم بالفعل أنك ترعي هذه الفتاة. هذا سيجعل موضوع دخول المعركة من أجلها مقبولاً بالنسبة لهم. و مادام الجزء الأول حقيقياً، فالجزء الثاني أيضاً حقيقي، و هو أنك تدخل المعركة من أجل المال أيضاً. حين تمزج الحقائق بالأكاذيب، يغدو من الصعب فصل الحقائق عن الأكاذيب إلا لشخص باحث مدقق، و أغلبية الناس بالطبع ليسوا كذلك".

    أطرقت و شردت بأفكاري و أخذت أفكر في هذا الكلام.


    وظيفة الصحف هو الإشارة الي الخبر و ليس تقديمه في صورة كاملة تثير أي رد فعل لدي القاريء.
    والتر ليبمان- عميد الصحفيين الأمريكيين سابقاً

    ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ . وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
    سورة البقرة. الآيات 40-42

    هذا الرجل يحاول أن يتفنن في طرق القتل. و كأنما لا يكفيه ان يموت الناس، بل لابد أن يعانوا قبل الموت. علي قدر علمي هو أول من يفكر بهذه الطريقة علي مر التاريخ... لا ليس أول من يفعل. أذكر أني قرأت أن الإسرائيليين فعلوا هذا حين كانت عصاباتهم تجتاح القري الفلسطينية في أربعينيات القرن العشرين. كانوا يستخدمون السونكي ضد الأهالي العزل لأنه أكثر ترويعاً و تأثيراً في النفس.

    رفعت عيني اليه و قلت له:

    -"أنت يهودي، اليس كذلك"؟

    نظر الي دون أن ينطق و دون أي تعبير من إنفعال علي وجهه. أكملت أنا كلامي:

    -"كان يجب علي أن أنتبه الي إسمك، إن به رنيناً يهودياً لا تخطئه الأذن. ولكني لم أنتبه الي هذا قبل الآن، قبل حديثك عن تلك السياسة الإعلامية، و التي نسيت أنت – أو تناسيت عمداً- أن تقول أن اليهود هم الذين قاموا بصنعها و نشرها في الإعلام الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال سيطرتهم علي معظم وسائل الإعلام من سينما و صحف و محطات إذاعية و دور النشر. في الواقع هو أسلوب تفكير يهودي قديم قدم التاريخ، ذكره القرآن منذ آلآف السنين".

    ظل رفاييل علي صمته ثم قال في النهاية بعد صمت بدا و كأنه سيستمر الي الأبد:

    -"ربما كان جوبلز أحمقاً كبيراً، و لكن هناك من هو أكثر منه حماقة و غباء، أتدري من هذا"؟

    ثم قال دون أن ينتظر ردي:

    -"إنه أنا".

    قالها بلهجة حادة غاضبة.

    -" لقد كان جوبلز يخشي الثقافة و الذكاء. كانت له كلمة شهيرة هي "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي". كل النظم السياسية الديكتاتورية علي مر التاريخ كانت
    تخشي هذه النقطة و تراقبها في حذر، في حين لم أنتبه اليها أنا. لقد كنت أراقب ثقافتك و ذكاءك و أسلوب تفكيرك المتميز و أنا في غاية السعادة لأن هناك اللاعب الذي يملك القدرات الجسدية بالإضافة الي القدرات العقلية. كان لابد أن أعلم أن هذه الثقافة و هذا التفكير المتميز خطر لابد من إقصاءه. في النهاية ما فعلته أنت هو خطئي انا قبل أن يكون خطأ أي شخص آخر".

    ثم تنهد و قال:

    -"عموماً لا فائدة من البكاء علي اللبن المسكوب. المعركة القادمة ستكون يوم الإثنين القادم، أي بعد أربعة أيام من الآن. المعركة ستبدأ في تمام الساعة العاشرة صباحاً. سيبدأ العد التنازلي من الساعة العاشرة صباحاً حتي لو تأخرت. يمكنك أن تمر علي قسم التدريبات في أي يوم خلال الفترة القادمة لتنتقي الأسلحة التي تروق لك".

    لم أرد عليه، فقط قمت و توجهت الي الباب منصرفاً. قبل أن أخرج قال رفاييل:

    -"نسيت أن أخبرك شيئاً".

    إلتفت اليه منتظراً ما سيقوله. قال و في عينيه نظرة متشفية:

    -"الفريق المنافس لك سيقوده أيمن مختار".

    أيمن مختار هو النجم الثاني لشركة العاب الواقع. قيادة شخص مثله للفريق ستجعل الأمر أكثر صعوبة. الآن سيكون لهذا الفريق المشتت قائد يوجهه، و هو قائد له عقلية لا بأس بها.

    -"ولماذا تقبل الآن أن يقاتلني أيمن مختار؟ لقد عُرض الأمر عليك كثيراً من قبل و لكنك كنت ترفض بحجة أن موت أي منا يمثل خسارة ضخمة لشركة الألعاب. بالطبع لن يمثل موتي فارقاً لأني إعتزلت الألعاب، ولكن ألا تخشي أن أقتل أيمن في هذه المعركة، و عندها تخسر شركة الألعاب لاعباً متميزاً آخر"؟
    -"ألا تفهمني؟ لابد من أن تخسر هذه المعركة مهما كان الثمن ومهما كانت المخاطرة. لو كنت أستطيع أنا أن أقاتلك لأشتركت بنفسي في القتال".

    أنت تفعل ما هو أشد من القتال. أنت الذي يخلق الحرب من البداية، ثم يلقي بي و بالآخرين فيها. فليساعدني الله.

    قلت له و أنا أفتح الباب:

    -"سيكون عليك تسوية الأمر مع الشرطة لكي يؤجلوا القبض عليّ لأربعة أيام ريثما أخوض هذه المعركة. يمكنك أن تجعل وائل الحديدي يفعل هذا، فله الكثير من المعارف و النفوذ، أو إختر الطريقة التي تناسبك. أنا أعلم أنك قادر علي هذا. هذا بالطبع إن كانت الشرطة ستهتم من الأساس بمقتل مدمن من الجانب الشرقي للمدينة.

    و خرجت من المكتب متوجهاً الي البيت.







  5. #15
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -13-

    حين عدت الي البيت وجدت أكرم مازال في إنتظاري. لقد نسيته تماماً كان جالساً أمام جهاز التليفزيون ولكنه كان شارداً لا يتابع شيئاً مما يدور علي شاشته. ما أن دخلت الي البيت حتي قفز من كرسيه و قال بلهفة:

    -"ما الذي توصلت اليه؟ هل إستطعت أن تسوي الأمر مع والد سارة "؟

    قلت بلهجة ساخرة:

    -"نعم، لقد سويت الأمر معه تسوية نهائية. لن يقوم بأي أعمال حمقاء بعد اليوم، و الي الأبد".

    لم ينتبه أكرم الي لهجة السخرية في صوتي. قال و قد تهلل وجهه:

    -"إذا لن تدخل سارة تلك المعركة"؟

    نظرت له نظرة مشفقة و قلت له:

    -"لقد قتلت أباها".

    نظر الي بذهول و كأنما لم يستوعب الأمر. بعد ثوان من التحديق في وجهي قال في تردد:

    -"أنت تمزح، اليس كذلك"؟
    -"كلا لست أمزح. لقد ذهبت إليه و أوسعته ضربا حتي مات".ً

    نظر الي و كأنما يحاول أن يستوعب الأمر و يتأكد من أني لا أمزح. بالتأكيد سيعطيني محاضرة لا بأس. كلا أرجوك يا أكرم، ليس الآن. إختر وقتاً آخر.
    بعد لحظات من الصمت قال في لهجة خافتة:

    -"لا بأس. هو يستحق ما هو أكثر إن أردت رأيي".

    نظرت له مندهشاً. هذا آخر شيء كنت أتوقعه من أكرم. نظر الي و قد شعر بإندهاشي من تصرفه. قال في لهجة مترددة:

    -"لقد ضحي بحياة إبنته في مقابل المال. أعتقد أنه يستحق القتل...اليس كذلك"؟

    لم أرد علي سؤاله.بالنسبة لي، فلو كنت أستطيع لقتلته مائة مرة علي الأقل.
    في كلمات موجزة أخبرت أكرم بما تم بيني و بين رفاييل، و الإتفاق الذي أجبرني علي التورط فيه. بعد أن إنتهيت أطرق برأسه لدقيقة، ثم قال:

    -"ولكن هذه مخاطرة و في النهاية أنت لا تضمن أن تنقذ سارة".
    -"إن كان هناك إحتمال أن أنقذها حتي لو كان واحد بالمائة فسأقبل المخاطرة. لا أستطيع أن أجلس هنا و أشاهدها علي شاشة التليفزيون و هي تموت أمام عيني".

    شردت بأفكاري قليلاً. لابد من أبدأ الإعداد لهذه المعركة. لن يمكن الإعتماد علي القوة في هذه المعركة. لابد من الحيل. الكثير منها. أغمضت عيني و أخذت أفكر في ترتيبات المعركة القادمة، بينما أكرم يجلس صامتاً بجواري. لا أعلم ما الذي دار بخلده وقتها.
    بعد أن مرت ساعة كاملة و نحن علي هذا الوضع، كنت قد وضعت تصوراً لا بأس به للأمر. صعدت الي غرفتي و أخذت مبلغاً ضخماً من المال من خزينة الثياب – حيث أحتفظ ببعض المال – دسست مسدسي – بعد أن تأكدت من حشوه بالرصاصات- في جراب أنيق حول وسطي ثم نزلت الي الطابق الأرضي.
    قلت لأكرم:

    -"هيا بنا، سأوصلك الي منزلك".
    -"لن أتركك و أنت علي هذه الحالة. سأتصل بحنان تليفونياً لاخبرها أن....".
    -"لا داعي لكل هذا. أنا بخير حال. هيا بنا الآن".

    نظر الي مرتاباً و قد شعر أني أحاول التخلص منه بشكل أو بآخر، و لم يكن مخطئاً الي حد كبير. قال بلهجة مترددة:

    -"لا داعي لأن توصلني أنت، سأذهب أنا بنفسي".
    -"كلا سأوصلك أنا".

    قلتها بلهجة قاطعة محاولاً أن أنهي هذا النقاش الذي لا داعي له. حين أفكر لا أحب أن يخرجني أحد من أفكاري.بالنسبة لي، الأمر يشبه أن تحاول الإستماع الي خبر هام في التلفاز بينما رنين التليفون لا ينقطع. لابد من نزع سلك التليفون في هذه الحالة. هذا هو ما أفعله مع أكرم الآن، أنزع سلكه لكي يتوقف عن الرنين.
    ركبنا سيارتي و توجهت الي الجانب الشرقي من المدينة. وصلنا الي منزل أكرم دون أن نتبادل حرفاً واحداً طوال الطريق، فقد كنت شارداً. عندما وصلنا الي منزله قال و هو علي وشك النزول من السيارة:

    -"سأتصل بك في قبل أن أنام لكي.....".

    قاطعته دون أن أكترث لعبارته:

    -"أنت تعرف كيف تقود سيارة، اليس كذلك"؟

    حملق في وجهي قليلاً ثم قال في حذر:

    -"نعم، فقد تلقيت دورة في قيادة السيارات ولكني لا أملك سيارة".
    -"عظيم. والآن الي اللقاء".

    قلتها و كأني أطلب منه أن يترك السيارة. ما أن نزل من السيارة، و أغلق الباب حتي إنطلقت بالسيارة. توجهت الي أعماق الجانب الشرقي من المدينة حيث أوكار تجمع العصابات. هنا يمكنك شراء كل السلع الممنوعة، و الحصول علي جميع الخدمات غير القانونية، بدءاً بتزويير الوثائق و إنتهاء بإستجار قاتل محترف.
    كنت بحاجة الي شراء سلاح. لم آخذ سلاحاً من صالة التدريب الموجودة في شركة الألعاب، لأني لا أريد ان يعلم أيمن مختار نوعية الأسلحة التي سأستخدمها في هذه المعركة. بالأخص لا أريده أن يعرف أني أنوي إستخدام بندقية قناصة في هذه المعركة.
    عندما وصلت الي المنطقة التي كنت أنشدها، ترجلت و تركت السيارة.
    كان هناك مجموعة من الشباب يبدو عليهم التشرد و الإجرام واقفين يتبادلون المزاح البذيء سوياً، فلو كنت رئيس الشرطة في هذه المدينة لألقيت القبض عليهم دون تهمة محددة. إن منظرهم في حد ذاته هو تهمة لا بأس بها. وجوه يبدو عليها الإدمان و التشرد، بعضهم يطيل شعر رأسه حتي يصل الي كتفيه, و في عيونهم نظرة عدوانية لا مبرر لها. لاحظت أن في جيوب معظمهم بروز صغير أسطواني الشكل. لابد أنها المطواة التي يحملها كل منهم. رعاع. هذه هي الكلمة المناسبة لوصفهم.
    توجهت اليهم و دون أن ألقي عليهم تحية قلت لهم:

    -"أريد شخصاً يبيع سلاحاًً".

    نظروا الي في سخرية ثم قال أحدهم:

    -"و ما نوع السلاح الذي تريده أيها البطل".

    يا للملل. لابد من محاولات إثبات القوة التي لا بأس بها. لقد وجدوا شخصاً أنيقاً يبدو عليه الإحترام، و بالتالي فهو ضعيف مهذب. لا بأس من ان يثبتوا رجولتهم إذاً و يظهروا له كم هم أقوياء شجعان و كم هو ضعيف جبان.

    -"بالتأكيد أريد سلاحاً حقيقياً، و ليس مطواة بلهاء مثل التي تحملها".

    إلتمعت في عينيه نظرة غاضبة شرسة و أخرج مطواته و لوح بها أمام وجهه.

    -"أتريد أن تجرب هذه المطواة البلهاء"؟

    دون أن أرد أشرت الي جانبي الأيسر حيث يتدلي مسدسي. نظر اليه في توتر، فهو لم يلحظ أني أحمل مسدساً في البداية و تراجع الي الوراء قليلاً. أبعدت عيني عنه و توجهت الي الآخرين بالسؤال:

    -"والآن هل يمكن أن يقودني أحدكم الي من يبيع سلاحاً هنا؟ أريد من يبيع أسلحة متقدمة غالية الثمن، و ليست مثل هذا المسدس البسيط الذي احمله".

    قادني أحدهم عبر الشوارع الضيقة الي منزل صغيرمن طابقين. طلب مني ان أنتظره علي باب المنزل و دلف الي الداخل. بعد لحظات جاء و بصحبته رجل في الأربعينات من العمر، قصير القامة، يرتدي عوينات مطلية بطلاء ذهبي متآكل، و زياً بسيطاً. كانت تبدو عليه بعض إمارات التهذيب و الرقي – أقول بعض، الرجل لم يكن أرشيدوق النمسا مثلاً. دون أن أتبادل معه كلمة تحية قلت له:

    -"أريد مدفعاً رشاشاً".
    -"أتريد طرازاً معيناً".
    -"أريد ان أري الطرازات التي لديك".
    -"الأنواع التي لدي محدودة، ولكن إن كنت تطلب طرازاً معينا، يمكنني أن اوفر كل أي طراز تطلبه في خلال أسبوعين".

    ضحكت و قلت:

    -"أسبوعين؟ أنا أريده الآن في التو و اللحظة".

    فكر الرجل قليلاً ثم قال لي:

    "إتبعني".

    و أشار الي ذلك الشاب الذي صحبني إشارة معناها أن (إنصرف أنت الآن).
    تبعته الي داخل المنزل. دخل الي غرفة صغيرة بها الكثير من صناديق مغلقة، و الأشياء المهملة مثل إطارات سيارات قديمة و قطع قماش قذرة ممزقة. فتح أحد الصناديق و ناولني منه مدفعاً رشاشاً. تفحصته قليلاً ثم قلت له:

    -"ألديك أية طرازات أخري غير هذا الطراز"؟
    -"هذا المدفع رائع. إن مداه يبلغ ثمانمائة متر، و يمكن أن....".

    يا للملل. أنا لست في حالة نفسية أو عصبية تسمح لي بسماع مثل هذه النشرات الإعلانية.

    -"هذا مدفع رخيص، مداه لا يزيد عن الأربعمائة متر. إن أصابت رصاصة منه شخصاً علي مسافة تزيد عن هذا فسترتطم بجسده ثم تسقط أرضاً دون أن تؤذيه. ثم إن دقة إصابة هذا المدفع محدودة. لن تستطيع أن تصيب به هدفاً بدقة علي مسافة تزيد عن مائتي متر. هذا بالإضافة الي أنه ثقيل و كبير الحجم".

    إرتسمت في عينيه نظرة مذعورة و قد فوجيء بمعرفتي هذه المعلومات. كان منظره مضحكاً. قال في تردد و قد بدا عليه أنه تعرف شخصيتي:

    -"أنت..".
    -"لا يهم من أكون، فقط أريدك أن تعرض عليّ ما لديك دون أن تلعب دور فتاة الإعلان".

    دون كلمة إضافية، قام بفتح ثلاث صناديق أمامي. كل صندوق به ما يقرب من عشرين مدفعاً رشاشاً، و كل صندوق به طراز معين من المدافع الرشاشة. إنقيت أحد الطرازات الثلاثة و تفحصته. أخيراً وجدت ما كنت أنشده.
    المعركة القادمة من طراز المعارك التي يطلق عليها (معارك الأماكن المتلاصقة Close Quarters battle )، حيث يكون القتال بين أفراد قريبين نسبياً، و يكون مدي الرؤية محدوداً، مما يعني أني لا أحتاج سلاحاً بعيد المدي، بل أحتاج سلاحاً قويا خفيف الوزن صغير الحجم يسمح لي بقدر كبير من حرية الحركة. هناك نقطة أخري، هي اني سأواجه عدداً كبيراً من المقاتلين، مما يعني أني أحتاج الي سلاح يمكنه إصابة عدد كبير من المهاجمين بسهولة.
    كان السلاح الذي وقع عليه إختياري مدفعاً رشاشاً يمكنه إطلاق النار بمعدل 700 رصاصة في الدقيقة، يسمح بالتحكم في معدل إطلاق الرصاصات، صغير خفيف الوزن نسبياً، به قاذف صغير للقنابل. السلاح المثالي لمثل هذه المعركة.
    بالإضافة الي هذا، فإن المدفع به منظار لإصابة الأهداف البعيدة. هذا المنظار المقرب يسمح بإصابة الهدف بدقة علي مسافة أربعمائة متر. هي ليست ميزة هامة لمثل هذه المعركة، أقصي ما أحتاجه هو دقة إصابة علي مسافة مائتي متر، و لكنها ميزة لا بأس بها تضاف الي مزايا هذا السلاح.
    التفت الي ذلك الرجل القصير – لا أعلم إسمه حتي الآن- و قلت له:

    -"سآخذ هذا. أريد ايضاً بندقية قناصة".

    توجه الي ركن الغرفة و أزال بعض من المهملات التي تملأها و أخرج من تحتها صندوقاً يقارب في الحجم البندقية التي كانت بداخله. أخرج القصير تلك البندقية و ناولها لي. تفحصتها بسرعة و قلت له:

    -"ألديك طرازات أخري"؟
    -"ليس لدي سوي هذا الطراز في الوقت الحالي".

    كانت بندقية قصيرة المدي - مقارنة ببنادق القناصة، حيث يبلغ مدي فاعليتها ثمانمائة متر. عموماً، لم تكن قطعة فنية أو شيئاً خارقاً في فئتها، ولكن ليس أمامي خيار سواها.

    -"أريد أيضا سترة مضادة للرصاصات".

    أحضر لي سترة بدون أكمام مصنوعة من الكيفلار. لا بأس بها، و إن كنت أريد زياً كاملاً يغطي جسدي كله، و لكني لن أجد مثل هذا الزي هنا بالتأكيد. ليس مسموحاً بإرتداء السترات المضادة للرصاصات في العاب الواقع، و لكني لا أبالي. أنا لا أنوي أن ألعب دور البطل المغوار هنا و لا أريد أن أفوز بشيء، كل ما أريده هو أن أحرر سارة، و سأقوم بإستخدام كل ما يمكنني من تحريرها، ولتذهب شركة الألعاب و قواعدها الي الجحيم. في النهاية هي ليست تشريعات منزلة من السماء.
    دفعت ثمن قطعتي السلاح و السترة المضادة للرصاصات، بالإضافة الي الكثير من الرصاصات و القنابل الصغيرة و كاتم صوت للمدفع الرشاش و آخر للبندقية. كانت البندقية غالية الثمن للغاية. كنت أتوقع هذا، لا أحد يطلب بندقية قناصة إلا لأغراض محددة، و بالتالي يرتفع ثمنها. بالنسبة لي، هذه البندقية لا غرض لها سوي قتل شخص واحد فقط.

    قبل أن أنصرف قلت لذلك القصير:

    -"أحتاج الي قنابل تنفجر بجهاز تحكم عن بعد، أيمكنك توفيرها؟

    فكر قليلاً ثم قال:

    -"ما هي شدة التفجير التي تحتاجها"؟

    لو لم يسأل هذا السؤال لما إشتريت منه هذه القنابل. ليس من السهل الحصول علي هذا النوع من القنابل، غالباً ما يتم صنعها يدوياً.هي قنابل سهلة الصنع نسبياً، ولكني لا أستطيع أن أعتمد علي هاو ليقوم بهذا العمل. السؤال الذي سأله يدل علي أنه يعرف ما يتكلم عنه و ليس أحد الهواة الذين يصنعون القنابل بإستخدام بعض المعلومات المنشورة علي الإنترنت ثم تنفجر القنبلة في وجوههم في النهاية.

    -"أريدها أن تقتل أي شخص في دائرة نصف قطرها ثلاثة أمتار و ليس أكثر من هذا. لا أريد أن يكون تأثيرها شديداً علي الخرسانة، فقط الأشخاص. أتعرف كيف تصنع مثل هذه القنبلة"؟

    فكر قليلاً ثم قال:

    -"كمية بسيطة من متفجرات البلاستيك تحيط بها أجسام معدنية مدببة صغيرة. حين ينفجر البلاستيك تتطاير هذه الأجسام المعدنية في كل صوب لتقتل البشر في دائرة قد يصل نصف قطرها الي عشرة أمتار، دون أن يؤذي الإنفجار المبني نفسه فلا ينهار، أما الدائرة الإلكترونية المسئولة عن التفجير، فمن السهل الحصول عليها دون عناء كبير. اليس هذا ما تريده"؟
    -"نعم، هذا هو ما أريده".

    في الحقيقة انا لم أفكر في هذه الفكرة. كل ما فكرت فيه هو إنفجار محدود لا يؤثر علي الخرسانة ،فأنا لا أريد أن ينهار المبني إن إستخدمت إحدي هذه القنابل – أو ينهار جزء منه مثل سقف أو أحد الأعمدة- فيقتلني أو يقتل سارة، ولكن فكرة إستخدام الأجسام المعدنية داخل القنبلة لم تخطر ببالي من قبل. من الواضح أن الرجل له باع في تصنيع وبيع الأسلحة علي نطاق أكبر من عصابات الشوارع. يبدو أن مستوي الفساد هنا أكبر مما كنت أظن. ولكن أحياناً ما يكون الفساد مفيداً، لولاه لما وجدت من يمكنه بيع مثل هذه الأسلحة أو تصنيع هذه القنابل أو....
    أو ربما هو توفيق الله لي؟ الكلام عن الأسلحة و طرق القتل يثير في النفس – النفس السوية- إنقباضاً و رهبة، ولكن يعلم الله أني لا أريد من هذا سوي أن أنقذ هذه الفتاة البريئة التي صارت حياتها لعبة في يدي شيطان آدمي. هذه هي أول مرة في حياتي أخطط فيها لمعركة ما لهدف جدير بالإحترام.
    إتفقت مع القصير علي أن أمر عليه لآخذ القنابل في اليوم السابق للمعركة، و دفعت له مبلغاً مقدماً من المال.

    بعد أن أخذت منه الأسلحة وضعتها في حقيبة السيارة ثم ركبتها و إتجهت الي المنطقة المحيطة بمبني شركة الألعاب. أقرب مبني الي شركة الألعاب يقع علي مسافة تزيد عن الخمسمائة متر، إذ أن الشركة تملك أرضاً ضخمة المساحة علي أطراف المدينة، يقود اليها طريق خاص متفرع من أحد الطرق الرئيسية في المدينة. إستأجرت شقة في المنطقة المحيطة بشركة الألعاب. الشقة تقع في الطابق السادس و لها نافذة تطل علي البوابة الرئيسية لشركة الألعاب، و يمكن منها رؤية النوافذ الرئيسية للمبني.

    بعد أن إستأجرت تلك الشقة، عدت الي البيت بالأشياء التي إشتريتها و نزلت الي ساحة التدريب الموجودة أسفل الفيلا. في الأيام المقبلة، لن يكون لي شاغل سوي أن أقضي الوقت في التدريب علي إستخدام هذه الأسلحة. للأسف لا توجد وسيلة للتدريب علي إصابة الأهداف البعيدة هنا في ساحة التدريب حيث أنها صغيرة نسبياً.

    اللهم وفقني.







  6. #16
    كــآســر آلهــم
    الصورة الرمزية amir257
    الحالة : amir257 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 101
    تاريخ التسجيل : 11-01-08
    الدولة : امآرآتي و آفتخر .
    الجنـس : ذكـر
    المشاركات : 9,767
    التقييم : 1974
    Array
    MY SMS:

    كل إنسان معطاء .. هو إنسان محب

    افتراضي رد: إجماع علي القتل


    -14-

    في يوم السابق للمعركة، ذهبت الي ذلك القصير حيث إستلمت منه القنابل و نقدته باقي المبلغ الذي إتفقنا عليه، ثم ذهبت الي بيت أكرم. ضغطت زر الجرس ففتح لي أكرم الباب.
    -"مرحباً بك يا خالد. تفضل بالدخول".

    دلفت الي منزله، و بعد أن جلست، قال أكرم:

    -"لحظة واحدة سأذهب ل...."
    -"لا داعي لأي شيء تنوي أن تقدمه، فأنا سأنصرف في خلال لحظات. فقط أريد أن أطلب منك شيئاً".

    جلس دون أدني إعتراض. قلت له و أنا أحاول أن أتجاهل نظرات الشفقة التي بدت علي وجهه:

    -"هذا مفتاح إحدي سياراتي و هذا مفتاح المرآب. أنت أخبرتني أنك تجيد قيادة السيارات من قبل اليس كذلك؟"
    -"بلي".
    -"عظيم.أريدك أن تأتي الي الفيلا غداً في الصباح و تستقل السيارة و تنتظرني فيها أمام البوابة الرئيسية لشركة الألعاب في تمام الساعة العاشرة و الربع. أنت تعلم أين تقع شركة الألعاب، اليس كذلك"؟
    -"بلي ولكن لماذا"؟
    -"لكي تنقلني أنا و سارة– إن نجحت في تحريرها- بعد إنتهاء المعركة لأني لا أضمن أن أكون في حالة تسمح لي بقيادة السيارة".

    بدت علي وجهه علامات الإنزعاج.

    -"هل يمكنني أن أعتمد عليك في هذا"؟
    -"بالتأكيد".
    -"حسناً. سأنصرف الآن. وداعاً".

    قلتها و قمت لكي أنصرف. قال أكرم في تأثر:

    -"خالد. أنا....".

    ثم إنفجر في البكاء و إحتضنني بشدة. ربت علي كتفه و لم أقل شيئاً. لا يوجد ما يمكن أن يقال في مثل هذا الموقف.

    في اليوم التالي إستيقظت مبكراً، صليت ثم إرتديت ثوباً رمادي اللون و إرتديت تحته السترة المضادة للرصاصات. قمت بتثبيت خنجر صغير في جراب صغير حول ساقي اليسري، و ثبت مسدساً في جراب آخر حول ساقي اليمني. ركبت سيارتي و إنطلقت بها. لم أذهب بها الي مبني الألعاب مباشرة، بل ذهبت تلك الشقة التي إستأجرتها و التي تطل علي مبني الألعاب.
    أخذت البندقية من حقيبة السيارة، و أخذت منظاراً مقرباً، و صعدت الي الشقة. لحسن الحظ لم أقابل أحداً من سكان المبني في طريقي الي الشقة. الساعة الآن الثامنة صباحاً. هذا يعني أن أمامي ساعتين قبل أن يبدأ القتال.
    أخذت أراقب الإستعدادات التي كانت تجري في المكان بإستخدام المنظار المقرب. بالطبع في هذا اليوم تم إخلاء المبني من العاملين جميعاً.فقط المشاهدين، اللاعبين، و رفاييل و مساعديه. لاحظت أن المشاهدين قد بدأو بالفعل في التوافد الي المبني بأعداد كبيرة علي الرغم من أن الوقت ما زال مبكراً. بالطبع كانت تلك تعليمات لهم، لكي يمكن أخذ كل مشاهد الي كرسيه و لكي يتفرغوا لإستعدادات القتال.
    الصفة المشتركة بين كل هؤلاء المشاهدين هو أنهم يثيرون في النفس شعوراً بعدم الإرتياح. بالطبع هم أثرياء، يمكن ملاحظة هذا من ثيابهم- و التي لم تكن كلها جيدة الذوق ولكنها غالية الثمن- و من السيارات التي جاءوا بها، و لكن بالإضافة الي ثرائهم، هم يتعاملون مع الأمر بحماس ممزوج بشيء من التوتر. الأمر بالنسبة لهم ليست مجرد معركة عادية، بل هي شيء يتحدد علي أساسه شيء مصيري بالنسبة لهم.


    حين تخسر أنت هذه المعركة – وهذا ما سيحدث لا محالة- فإن كل منهم سيشعر بأنه راهن علي فشلك، و قد فشلت بالفعل. أي رهان – مهما كانت قيمته- يثير في النفس الخوف و التوتر و الترقب. عندما تنهزم أنت يزول هذا التوتر و يحل محله شعور بالقوة و الإنتصار، و هذا الإنتصار سيكون مقرونا بهزيمتك. هذا سيشعرهم أنهم هم الذين فازوا عليك


    بعد ما يقرب من النصف ساعة كان جميع المشاهدين قد دخلوا المبني و بدأت الإستعدادات النهائية للقتال. جاء رفاييل و معه وائل الحديدي، و دلفوا مباشرة الي المبني، ثم جاء أيمن مختار في تمام الساعة التاسعة. أخذ أيمن يعطي تعليماته للمقاتلين في الساحة المواجهة لمدخل المبني. أحصيت عددهم فوجدتهم خمسة و عشرين مقاتلا، يحمل كل منهم مدفعاً رشاشاً و حزاماً في مسدسهً. تفقدت وجوههم بالمنظار المقرب. علامات الإنصات و التركيز الشديد تبدو واضحة علي وجوههم. هم يثقون بأيمن الي أقصي درجة. توقعت هذا. هم علي وشك مواجهة خالد حسني، الملك الغير متوج لعالم ألعاب الوقع. علي الرغم من كثرة عددهم إلا أن سمعتي و شهرتي تثير في نفوسهم قدراً لا بأس به من الرهبة. كل منهم يفكر في أنه سيواجه خالد حسني. هو لا يهتم بأن يقتل خالد حسني قدر إهتمامه بأن لا يقتله خالد حسني. لن يكسب أحدهم شيئاً إن قتلته أنا ثم هزمني باقي الفريق.
    أيمن يمثل لهم درعاً نفسياً لا بأس به. إن كان خالد حسني شهيراً معروفا بمهارتهً، فلدينا من يقاربه شهرة و مهارة. هذا يعطيهم قدر لا بأس به من الثقة. لا شك أن رفاييل يعلم هذا و لهذا إختار أيمن مختار بالذات ليقودهم.هذه إحدي النقاط التي أخطط لأن أستغلها.
    مشكلة الإعتماد الشديد علي شخص واحد هي أن فقدانه يمثل خسارة كبيرة للفريق. أيمن لا يستخدم مساعد له في هذه المعركة لحسن الحظ. هو يدلي بتعلماته للمقاتلين و كلهم يصغون اليه دون أدني سؤال أو إعتراض. هذا يعني أن كل منهم قد توقف عن إستخدام عقله و إكتفي بعقل أيمن. هذا يعني أنه إن أمكن إزالة أيمن فإن هذا يعني قتال مجموعة من الناس المهشمة نفسياً و عقلياً.
    المشكلة هي كيف يمكن الوصول الي أيمن؟ أيمن ليس أبلهاً، بالتأكيد هو يعلم أهميته في مثل هذه المعركة، و بالتالي فلن أجده واقفا علي بوابة المبني حين أدخله، فأطلق عليه بعض الرصاصات و ينتهي الأمر. بالتأكيد سيبتعد عن أماكن القتال المباشر، غالباً سيقود المعركة من إحدي الغرف التي لا حصر لها في المبني، و سيتابع القتال من خلال نظام الكاميرات الذي تم تركيبه في المبني في الأيام السابقة من أجل بث المعركة للمشاهدين في الطابقين العلويين، وعلي الهواء.

    بعد أن أعطي أيمن تعليماته لهم قام أحدهم بتوزيع أدوات إتصال عليهم قاموا بتثبيتها خلف رؤسهم. كانت أداة الإتصال عبارة عن جهاز لاسلكي صغير تخرج منه سماعة توضع في الأذن، ويتصل بها مايكروفون صغير يثبت أمام فم كل منهم. هذه إذاً هي الوسيلة التي ينوي أيمن أن يستخدمها لينقل لهم تعليماته.
    بعد أن تأكدوا من سلامة أجهزة الإتصال بدأو جميعاً في الإنتشار في المبني، و إنتشر بعضهم في الساحات و الحدائق المحيطة بالمبني، و بعد لحظات شاهدت أيمن واقفاً أمام إحدي النوافذ في الطابع السابع التي تطل علي البوابة الرئيسية للمبني. هذا ما كنت أتمناه، أن يراقب البوابة الرئيسية منتظراً لحظة مجيئي أمام النافذة.
    تفقدت باقي نوافذ المبني بالمنظار، فوجدت إثنين من المقاتلين كل منهم يقف أمام إحدي نوافذ المبني و كل منهم ينظر الي البوابة في ترقب. أحدهم كان في الطابق الخامس و الآخر كان في الطابق الرابع.

    أخذت أراقب المبني حتي جاءت الساعة العاشرة تماماً. المفروض أن المعركة بدأت الآن.
    وضعت المنظار المقرب جانباً و أمسكت بالبندقية و ركبت بها كاتم الصوت ثم وضعتها علي كتفي. نظرت من خلال منظار البندقية فوجدت أيمن مازال واقفاً أمام النافذة دون حراك. لم يكن هناك أحد معه في الغرفة. قمت بتسديد البندقية بحيث صارت نقطة تقاطع الخطين الأحمرين في منظار البندقية علي عنق أيمن. المسافة بعيدة لذا لابد من وضع هذه النقطة في الإعتبار عند تقدير نسبة الخطأ التي ستنتج عن إرتداد البندقية، خاصة أن قوة إرتداد هذه البندقية أكبر من سواها من البنادق ذات التصميم الجيد. و بهدوء شديد ضغطت الزناد.
    أصابت الرصاصة أيمن في منتصف جبهته تماماً. لقد فقد الفريق نصف قوته تقريباً. القتال سيكون أشبه بقتال عصابات الشوارع بدلاً من أن يكون قتال خبراء معارك. علي أن أتحرك بسرعة قبل أن يكتشف أحدهم مقتل أيمن. دون أن أنتظر وجهت البندقية الي اللاعب الواقف أمام النافذة التي في الطابق الخامس. قتلته سريعاً هو الآخر ثم قتلت اللاعب الواقف أمام النافذة التي في الطابق الرابع.

    وجهت البندقية الي الحديقة بهدف إصتياد أحد اللاعبين المنتشرين بها، إلا أني لاحظت أن حالة من التخبط و الذعر بدأت في الإنتشار بين اللاعبين المنتشرين في الحديقة، و بدأو جميعاً في التحرك في توتر بإتجاه مبني الألعاب. كيف إستطاعوا أن يعرفوا بالأمر؟ آه إنه رفاييل. لم أضع هذا في إعتباري. لابد أن إحدي الغرف التي قتل بها أيمن أو أحد اللاعبين بها كاميرا نقلت الأمر الي رفاييل. لابد أنه يستطيع الإتصال باللاعبين بشكل ما.
    حاولت إصتياد أحد اللاعبين إلا أن الرصاصة لم تصب رأسه بسبب حركته، بل أصابت كتفه من الخلف. سقط أرضاً و صرخ ثم قام واقفاً و أخذ يعدو بقدر المستطاع بإتجاه المبني. عندها تحولت الحركة المتوترة بين اللاعبين الي عدو صريح بإتجاه المبني.
    بدأت تحركي في الحال، فالوقت له أهمية قصوي هنا. القيت البندقية جانباً، فلم يعد لها نفع الآن. كل ما كنت آمله هو أن أقتل أيمن بها فإذا بي أقتله و أقتل لاعبين آخرين و أصيب لاعب ثالث.
    نزلت السلالم بسرعة و أنا أفكر. تبقي الآن واحد وعشرون مقاتلاً. لا بأس بسير المعركة حتي الآن. بالإضافة الي الذعر و التخبط الذي سببه إكتشاف مقتل أيمن، فإني أحدثت لديهم ذعراً بإستخدامي لسلاح لم يتوقعوه. الآن هم يمضغون أعصابهم بكل ما في الكلمة من معني.
    ركبت سيارتي و إنطلقت بها مسرعاً. بالإضافة الي الذعر و التوتر الذي أصاب اللاعبين، فلقد إبتعدوا عن الحديقة و النوافذ. لا أريد أن أدخل من البوابة الرئيسية لأجد ما يزيد عن العشر مقاتلين، كل منهم قد إتخذ موقعا متميزاً ووجه سلاحه الي الجهة التي يتوقع مجيئي منها. الآن كل منهم يتخذ وضعاً عشوائياً داخل المبني دون أدني تخطيط أو تنظيم.
    توجهت بالسيارة الي الجانب الشرقي من السور. علي الرغم من أنهم جميعاً تركوا الحديقة و النوافذ، إلا أني لا اريد أن أخاطر بالدخول من البوابة الرئيسية حيث يتوقع الجميع.
    نزلت من السيارة و أخرجت من الحقيبة الخلفية المدفع الرشاش الذي قمت بحشوه بالرصاصات و القنابل و ركبت كاتم الصوت له. علقته علي كتفي ووضعت حول جسدي حزام به الرصاصات والقنابل. بالمدفع الرشاش و حزام الرصاصات و الخنجر حول ساقي اليسري و المسدس حول ساقي اليمني، لابد مظهري يبدو مثل أبطال أفلام الحركة أو.... يبدو مثل نجوم ألعاب الواقع.

    أخرجت من حقيبة السيارة حبلاً به عقد علي إمتداده، و في أخره خطاف. القيت الحبل علي السور و جذبته لأتأكد أنه قد ثبت جيداً في مكانه، ثم إستخدمته لأتجاوز السور الذي كان إرتفاعه لا يزيد عن أربعة أمتار لحسن الحظ. الآن انا في الحديقة المحيطة بالمبني. علي الآن أن أعرف في أي مكان بالمبني توجد سارة. نظرت الي ساعتي فوجدت الساعة الآن العاشرة و خمس دقائق. لا بأس، مازال أمامي بعض الوقت. أمسكت بالمنظار المقرب و تفحت المكان. لا توجد كاميرات مراقبة. المفترض طبقاً لقوانين الألعاب أن هذه الكاميرات تستخدم فقط لنقل المعركة للجمهور دون أن يتدخل المخرج لصالح أي من الاعبين، ولكن لا يمكن الإعتماد علي هذه النقطة. بالتأكيد رفاييل سيخبر المقاتلين بمكاني. الغش هو إسم اللعبة اليوم.


    -"لابد من أن تخسر هذه المعركة مهما كان الثمن ومهما كانت المخاطرة. لو كنت أستطيع أنا أن أقاتلك لأشتركت بنفسي في القتال"


    إنبطحت ارضاً و إقتربت زاحفاً من المبني. توجد بوابة في الجانب الشرقي من المبني تقود الي الردهة الرئيسية الموجودة في الطابق الأرضي. يمكنني أن أري خمسة من اللاعبين و قد تجمعوا في وسط الردهة. بالتأكيد هم يحاولون الإبتعاد عن النوافذ قدر الإمكان.
    هنا لاحظت خطئاً لا بأس به. كانوا جميعاً ينظرون عبر الباب الشمالي للمبني، والذي يواجه البوابة الرئيسية. بالطبع أي طفل يتابع أفلام الحركة يعلم أن المقاتلين يتجمعون في دائرة دوماً و قد ألصق كل منهم ظهره بالآخر لتغطية جميع الجبهات، و لكن الذعر بلغ بهم مبلغاً كبيراً لم أتوقعه. الآن هم يتصرفون بالغرائز فقط دون أدني إستخدام للعقل. الآن يمكنني أن أرفع قامتي قليلاً من الأرض و أستخدم أسلحتي بحرية أكبر.
    أحكمت تصويب قاذف القنابل الملحق بالمدفع الرشاش ثم جذبت زناد الإطلاق. هبطت القنبلة امامهم تماماً و إنفجرت. كان الإنفجار صغيراً طبعاً، في النهاية هي مجرد قنبلة صغيرة، إلا أن تجمعهم في مكان واحد سمح لي بإصابتهم جميعاً بقنبلة واحدة. لا أعلم إن كان الإنفجار قد قتلهم أم أنه أصابهم فقط. لا يهمني إن قتلهم الإنفجار أو لم يقتلهم، فقط أريد أن أبعدهم عن طريقي، أن أجعلهم غير قادرين علي القتال. في عالم القتال تستخدم كلمة لوصف هذا الغرض هي (تحييد العدوEnemy Neutralizing ). تبقي الآن ستة عشر مقاتلاً.
    بعد أن إنقشع الدخان الناجم عن الإنفجار دخلت الي الردهة الرئيسية في حذر. كان المقاتلين الخمسة منطرحين أرضاً دون حراك.درت بعيني في المكان فرأيت ثلاث كاميرات إحداها كانت قريبة من مكان الإنفجار فتحطمت. أري رفاييل بعين الخيال يخبر المقاتلين أن خالد حسني يحمل أيضاً قاذف قنابل. لابد أنهم علي وشك الإصابة بإنهيار عصبي بعد هذا ال....
    سمعت صوت خطوات يأتي من أحد الممرات التي تقود الي الردهة. إختبأت بجوار الممر. بعد ثوان رأيت أحد اللاعبين و قد إندفع خارجاً من الممر. لابد أن صوت الإنفجار أطار صوابه، فهم لم يتوقعوا أن يصل الأمر الي إستخدام القنابل. لم ينتبه الي وجودي.
    باغته من الخلف و أسقطته أرضاً ثم ركلت المدفع من يده فطار بعيداً، ثم صوبت اليه مدفعي الرشاش. نظر الي في توتر و هو ساقط علي الأرض. لا تخف يا هذا، أنا أريدك حيا.

    -"أين الفتاة. حاول أن تجعل الموضوع سهلاً بالنسبة لنفسك بدلاً من أن يكون هناك الكثير من الألم".

    لم ينطق و ظل علي صمته. لا بأس. حولت المدفع الرشاش الي نظام الإطلاق الذي يطلق الرصاصات منفردة بدلاً من الإطلاق المتتالي- ثم أطلقت رصاصة الي قدمه. صرخ من شدة الألم. عسي أن يستمتع جمهورك العزيز يا رفاييل.

    -"والآن أين الفتاة"؟

    قال وسط تأوهاته:

    -"لن أخبرك".

    لم أتصور أن يبلغ تمسكهم بالمكافأة المالية الي هذه الدرجة. في البداية ظننت أنه يعتمد علي ما نقل عني في الأخبار من أني صرت أكره العنف، ولكن الآن بعد أن أثبت له أني لن أتواني عن أن أحرر سارة بأي ثمن، فإن المبرر الوحيد الذي أراه هو التمسك الشديد بهزيمتي لكي يفوز بالمكافأة المالية.

    -"الرصاصة القادمة ستكون في فخذك. كسر في عظمة الفخذ قد يسبب صدمة عصبية قاتلة، بمعني أن الألم قد يقتلك هذه المرة".
    -"إذهب الي الجحيم".

    صوبت المدفع الرشاش الي فخذه و أطلقت النار. هذه المرة كاد صراخه أن يصم الآذان.

    -"أنا لن أتواني عن أن أمزققك إرباً أنت و جميع اللاعبين من أجل تحرير هذه الفتاة. أنا لست بطلاً ولا أريد أن أكون بطلاً. كل ما أريده هو تلك الفتاة الصغيرة".

    قال و الدموع تسيل من عينيه:

    -"الفتاة في الطابق السابع في غرفة في نهاية الممر الشرقي".
    -"وأين غرفة رفاييل"؟
    -"في الطابق الثامن، و معه وائل الحديدي في نفس الغرفة، و المشاهدين في الطابقين التاسع و العاشر".

    نظرت في ساعتي. الساعة الآن العاشرة و عشر دقائق. الوقت يمر سريعاً. إستدرت و إبتعدت عنه. ما أن سرت لخطوات قليلة حتي شعرت بألم شديد في ظهري مقروناً بصوت عال. إستدرت الي فوجدت في يده مسدساً...


    أحصيت عددهم فوجدتهم خمسة و عشرين مقاتلا، يحمل كل منهم مدفعاً رشاشاً و حزاماً في مسدسهً.


    يا لتسرعي. في غمرة إندفاعي لكي أنقذ سارة قبل فوات الوقت لم أنتبه الي أن الوغد ما زال لديه مسدسه. لحسن الحظ أني ارتدي السترة المضادة للرصاصات و إلا كنت ميتاً الأن. صوبت اليه المدفع الرشاش بعد أن حولت نظام الإطلاق الي الإطلاق المتتالي للرصاصات و قتلته.
    خطرت ببالي فكرة. توجهت الي جثته و أخذت جهاز الإتصال من خلف رأسه ووضعته خلف رأسي، ووضعت السماعة داخل أذني. ما أن فعلت هذا حتي سمعت صوت رفاييل الغاضب:

    -"ليس مسموحاً بإستخدام السترات المضادة للرصاصات يا خالد و أنت تعلم هذا.أيضاً لم نتفق علي إستخدام القنابل و بنادق القناصة".

    كيف عرف أني إرتديت الجهاز الآن. نظرت حولي فوجدت إحدي كاميرات المراقبة. لقد نسيتها. بالطبع كنت محقاً في أنه يساعد اللاعبين بما يراه عبر الكاميرات.
    لم أرد عليه و أخذت أفكر. لابد من أن أفقده نقطة تميزه هذه أو علي الأقل أنال مثلها, و لكن كيف؟
    خطرت ببالي فكرة جيدة بدأت تنفيذها في الحال. توجهت الي غرفة الأمن الخاصة بالمبني، والتي تقع في نهاية أحد الممرات التي تتفرع من الردهة التي أقف فيها. في غرفة الأمن بالتأكيد يمكن متابعة كل ما تنقله كاميرات المراقبة في المبني.
    وجدت غرفة الأمن دون عناء كبير. قمت بتشغيل شاشات المراقبة و أخذت أري ما تنقله. معظم اللاعبين كانوا متجمعين في الطابق الأول قرب السلم، بينما باقي الطوابق بها عدد محدود من اللاعبين. الطابق السابع لم يكن به أي لاعب إطلاقاً، علي الرغم من أن هذا الطابق الذي توجد به سارة. بالتأكيد هم ينتظرون صعودي لهم في الطابق الأول و كل منهم يريد ان يقتلني لكي يفوز هو بالمكافأة الإضافية. هذه نقطة أخطأ فيها رفاييل. لقد جعل مكافأة خاصة لمن يقتلني، و بالتالي كل منهم يريد أن يقتلني هو بدلاً من أن يتعاونوا لقتلي. بالطبع تسبب غياب أيمن مختار في زيادة الطين بلة. الآن يمكنني أن...
    هنا خطرت ببالي فكرة رائعة. يمكن في مبني الألعاب عزل أي قطاع من المبني بأبواب من الزجاج المضاد للرصاصات. لقد سمعت بهذا الأمر يوما ما. الفكرة أن شركة الألعاب أرباحها خرافية، بمعني أن كمية السيولة النقدية التي يتم جمعها في شركة الألعاب من المشتركين و من الإعلانات و باقي مصادر الكسب مهولة. هذه السيولة النقدية يتم تحويلها الي البنوك يومياً، و لكن وجود مثل هذه السيولة النقدية يجعل الشركة عرضة للسرقة. لهذا تم وضع نظام أمان يسمح بعزل أي قطاع من المبني بأبواب من الزجاج المضاد للرصاصات من أجل منع أي لص من الهرب إن تم إكتشافه.
    بحتث قليلاً في كمبيوتر الأمن حتي وجدت الوسيلة التي أفعل بها ما أردت. كل طابق في المبني عبارة عن ممر شرقي و آخر غربي، يلتقي كل منهما عن السلم الرئيسي للمبني. عند عزل الطوابق، تهبط أبواب من الزجاج المضاد للرصاصات لعزل الجانب الشرقي و الغربي من كل طابق، بينما السلم يمكن رجال الأمن من الصعود الي الطوابق الغير معزولة.
    عزلت جميع الطوابق ما عدا الطابق السابع. حتي الطابق الثامن الذي به رفاييل و وائل الحديدي و الطوابق العلوية التي بها المشاهدين عزلتها، ثم صعدت الي الطابق السابع. في الطابق الأول رأيت المقاتلين و قد تجمعوا لدي الأبواب الزجاجية و قد أخذوا يطرقوها بشدة بأيديهم و يصيحون، و قد بلغ بهم الغضب مبلغه. حاول أحدهم أن يطلق النار علي الباب و لكن الرصاصة إرتدت لتصيب لاعباً آخر. سقط هذا الأخير بينما أكملت صعودي دون أن التفت اليهم.

    في الطابق الرابع رأيت أحد المقاتلين. لم يكن معزولاً خلف الأبواب الزجاجية. لابد أن الأبواب هبطت بينما هو علي السلم. رفعت مدفعي الرشاش و أطلقت عليه النار و فعل هو المثل أيضاً. أصابته رصاصاتي بينما تلقت السترة المضادة للرصاصات التي أرتديها رصاصاته. بالطبع شعرت بالألم الناجم عن إرتطام الرصاصات بالسترة الملاصقة لجسدي، إلا أن هذا الألم أفضل من أن تخترق الرصاصات جسدي بالتأكيد. نظرت في ساعتي. الساعة الآن العاشرة و الربع. لا بأس علي الإطلاق.
    جاءني صوت رفاييل من خلال جهاز الإتصال. كانت السعادة تشوب صوته مما أشعرني بالقلق:

    -"خالد. كلامي الذي أقوله الآن يبث للمشاهدين هنا في المبني و علي الهواء. لقد إنتهي الوقت".
    -"أي وقت هذا الذي إنتهي؟ لا يزال امامي ربع ساعة كاملة".
    -"الوقت الذي أخبرتك به هو نصف ساعة، هذا صحيح. ولكننا قررنا أن نجعل الوقت ربع ساعة فقط، و ألا يعلم أحد بهذا سوي مشاهدينا....".


    الآن كل منهم يتمني لك الفشل، و يا حبذا لو كان هذا الفشل مقروناً بموت الفتاة التي حاولت أنت أن تحميها و ترعاها. هذا يمثل بالنسبة لهم نوعاً من العقاب المزدوج لك لأنك حاولت أن ترتقي عليهم.


    أخذت أصعد درجات السلم كالمجنون بينما رفاييل يتابع حديثه البغيض:

    -"...بينما كنت تخطط أنت واضعاً في حسابك أن الوقت نصف ساعة، كان الجميع علي علم بأن الوقت ربع ساعة. و الآن الرتاج الأوتوماتيكي للغرفة التي بها سارة علي وشك أن يفتح و هناك لاعب علي وشك أن يقتلها. أنت لم تنتبه اليه لأنه كان في إحدي الغرف التي لم يكن بها كاميرا مراقبة".

    وصلت الي الطابق السابع. توجهت الي الممر الشرقي و شعرت أن الأمر يتخذ طابعاً كابوسياً مرعباً. الممر طويل، طوله لا يقل عن الأربعين متراً، في آخره غرفة بدأ بابها يفتح بصورة أوتوماتيكية و علي بابها أحد اللاعبين مستعداً لدخولها. أطلقت عليه النار و أنا أعدو بإتجاهه فصرخ و أمسك ذراعه الأيمن. إنفتح الباب فرأيت سارة جالسة علي الأرض في غرفة جرداء عارية من الأثاث، مرتدية نفس الثوب الذي كانت ترتديه حين أخذها أبيها من بيتي. ما أن رأتني حتي هتفت:

    -"عم خالد...".

    سارة تبتر عبارتها حين تري الوغد الواقف لدي الباب بذراعه المصابة. الدموع تسيل علي وجهي من فرط الإنفعال و أنا أعدو بإتجاهها، بينما الوغد يحاول أن يرفع مدفعه الرشاش و يطلق النار تجاهها. الرصاصات تطيش. فوهة المدفع الرشاش لم ترتفع عن الأرض أصلاً. لابد أن عضلاته ذراعه قد تمزقت.
    أدرك الوغد أنه لن يمكنه إطلاق الرصاص بذراع مصابة بأكثر من رصاصة فألقي المدفع و أستل بيده اليسري مدية من جيبه. هنا صرخت بشدة و رفت مدفعي تجاهه و أطلقت النار بينما سارة تصرخ بشدة. أصابته الرصاصات في أماكن متفرقة من ظهره و القته عبر الغرفة بجوار سارة. تحامل الوغد علي نفسه و رفع المدية الي أعلي. صرخت سارة في رعب بينما أنا علي باب الغرفة. هوي الوغد بالمدية علي سارة. في الواقع هو لم يهو بها، بل سقطت يده بالمدية بعد أن فقد قدرته أصلا علي رفع ذراعه لتصيب سارة في جانبها الأيسر.
    الدماء تتفجر من جسد سارة بينما أنا القي المدفع من يدي وأصرخ كالمجنون و أحتضن جسد سارة. صراخ المشاهدين يصم الآذان بينما صوت رفاييل البغيض يقول في سعادة:

    -" و الآن أعزائي المشاهدين ينتهي القتال بمقتل الرهينة و هزيمة خالد حسني و فوز فريق شركة الألعاب. تهنئاتي لجميع المشاهدين الذين راهنوا علي هذه النتيجة التي.....".

    تفحصت الجرح في جسد سارة بيد مرتجفة. الجرح في جانبها الأيسر. لم أستطع أن أحدد هل هو جرح خطير أم لا، هل عميق أم لا. كنت أشعر أني تحت تأثير عقار الهلوسة. لابد أن هذا ليس حقيقياً. لا يمكن أن تصل القسوة الي هذه الدرجة. لا يمكن أن تصل بهم السعادة الي هذه الدرجة التي تجعل صوتهم كهدير الشلالات لأن طفلة رقيقة في الرابعة من العمر قد أصيبت. لا يمكن أن يصل الطمع بشخص أن يكون الشيء الوحيد الذي يستميت للقيام به و هو يحتضر هو قتل طفلة صغيرة. هناك شيء غير آدمي خارق للطبيعة في هذا.
    أغلقت جهاز الإتصال لكي لا أستمع الي صوت رفاييل البغيض ، وحملت سارة علي كتفي الأيسر و نزلت بها السلالم مسرعاً. بينما أنا في الطابق الأرضي فوجئت بأحد الاعبين أمامي. لم أدر من أين جاء هذا.لابد أنه كان في إحدي الغرف في الطابق الأرضي، فأنا لم أقم بتفتيش الغرف. كان جالساً علي الأرض و قد وضع مدفعه الرشاش علي مسافة لا بأس بها و ثبت السماعة جيداً علي أذنه لكي يستمع لما يذيعه رفاييل وسط ضجيج الجماهير. إنه يتأكد من أن الفتاة قد ماتت و أنه الآن يستحق نصيباً من الجائزة. ما أن رآني حتي قام مسرعاً بإتجاهي. كان المدفع بعيداً عنه، لذا إستل مدية مشابهة لتلك التي أصابت سارة و إتجه بها الي، و طوح بمديته محاولاً أن يصيب سارة. لابد أن يتأكد من أنها قتلت، ربما جعل له هذا نصيباً في المكافآة.
    إستدرت بجسدي لكي أتلقي أنا الطعنة بدلاً من سارة. لم يكن في يدي سلاح، فلقد تركت المدفع الرشاش في الغرفة التي في الطابق السابع.
    أصابتني المدية أسفل إبطي الأيمن. تفجر الدم غزيراً بينما إستللت مسدسي بيدي اليمني و أطلقت عليه ثلاث رصاصات.

    سقط الوغد قتيلاً بينما نظرت انا الي ذراعي. كانت الدماء تسيل كالشلال. لقد قطع الوغد الشريان العضدي Brachial artery . هذا الشريان يعتبر أحد شرايين الجسد الرئيسية. هذا النزيف يمكنه أن يقتلني في خلال ثلاث دقائق. لم أبالي و حملت سارة و إتجهت الي البوابة الرئيسية لشركة الألعاب. كان أكرم هناك واقفاً و علي وجهه توتر رهيب. ما أن رآني و رأي سارة و الدماء تغرقنا حتي شهق و جري بإتجاهي. أعطيته سارة و قلت له:

    -"توجه بها الي المستشفي حالأً".
    -"و أنت".
    -"لن يمكن إسعافي في هذا الوقت. أسرع بالتحرك يا أكرم ولا تناقشني. فقط عدني أن تراعي أنت سارة من بعدي".

    حاول أن يتكلم ولكن صوته إختنق بالدموع. حمل سارة و وضعها في السيارة ثم إنطلق بها.
    نزعت أنا الجزء العلوي من ثيابي و ربطت به ذراعي. لم يوقف النزيف، فهذا الرباط البائس لا يمكنه أن يوقف نزيف شريان مثل هذا، ولكنه سيقلله بعض الشيء. سيعطيني بضع دقائق إضافية.

    الآن فكرة واحدة تسيطر علي كياني. لابد من أن يموت كل من ساهم في هذا. لابد أن يموت رفاييل ووائل الحديدي و أولئك المشاهدين واللاعبين. أن تقتل فتاة صغيرة دون ذنب جنته فهذا يجعلك سفاحاً، أما أن تنظم أنت كل هذا و تدفع المال و تضع الترتيبات لضمان قتلها، فهذا يجعل منك شيئاً خارقاً للطبيعة يتضاءل بجواره كل ما أنتجته قرائح أدباء الرعب.
    هؤلاء المشاهدين صرخوا في حماس عندما أصابت تلك المدية سارة. صرخوا و كأنما نال كل منهم كل ما كان يتمناه منذ سنين، دون أن يتوقفوا لحظة واحدة ليفكروا أن تلك التي أصيبت هي مجرد فتاة رقيقة في الرابعة من العمر إجتمع عليها سوء رعاية الوالدين و الفقر و المجتمع الذي أثار شيطان آدمي أحط غرائزه فصار كالحيوانات التي تهيجها رائحة الدماء.
    الرؤية بدأت تتشوش أمامي و بدأت أترنح. علي أن أعمل سريعاً.إتجهت الي المرآب الذي يقع أسفل المبني. المرآب من طابقين، و به الكثير من السيارات، معظمها سيارات فاخرة. إنها سيارات المشاهدين بالطبع. إنتزعت القنابل الصغيرة التي تستخدم في قاذف القنابل ثم القيتها بدون إكتراث في أنحاء المرآب، كطفل يلقي بالأحجار في النهر، و كذلك فعلت بالقنابل التي تنفجر بجهاز تفجير عن بعد. لم أستخدم هذه الأخيرة كما كنت أنوي اليوم. لا بأس، سأستخدمها الآن.

    صعدت الي الطابق الأرضي من المبني و خرجت الي الحديقة المحيطة بالمبني ثم ضغطت زر جهاز التفجير عن بعد. هز إنفجار مدو المبني ثم تبعته سلسلة طويلة من الإنفجارات. إن القنابل تنفجر و معها تنفجر خزانات الوقود في السيارات.
    هنا إنتهت قدرتي علي الوقوف علي ساقي. الرؤية شبه منعدمة أمام عيني أيضاً. فتحت جهاز الإتصال بيد مرتجفة و بصوت خافت متقطع قلت:

    -"رفاييل... هل تسمعني"؟
    -"نعم أسمعك. ما الذي قمت به في المرآب؟ هل قمت بتفجير السيارات؟ هذا لن يجعلك تفوز. أنت خسرت المعركة التي.....".
    -"الخرسانة....".
    -"أي خرسانة؟ ما الذي تتحدث عنه؟"
    -"الخرسانة لا تحتمل الحرارة..... أعمدة المبني في المرآب...".

    لم أستطع أن أكمل عباراتي و لكنه فهم ما أقصده. صرخ في إضطراب:

    -"مستحيل. أنت لا يمكنك أن .... إن هذا غير..".

    أغلقت جهاز الإتصال. صوت صراخ المشاهدين من الطوابق العلوية يتعالي بينما الإنفجارات مازالت تتوالي. لابد أن رفاييل قد نسي أن يوقف بث الحديث لهم. أو لعله تعمد أن يجعلهم يسمعون كلامي علي أمل أن يجدوا فيه نبرة من الحزن و الأسي. هذا سيزيد من شعبية الألعاب و من شعور المشاهدين بإنتصارهم عليّ. الآن هم لا يجدون الموت شيئاً مبهجاً حين يتعلق بهم.

    تري هل ينجح أكرم في أنقاذ سارة؟ هل تلاقي سارة علي يدي أكرم و زوجته الحنان والعطف التي هي جديرة بهما الي أقصي حد؟ هل تنسي القسوة والوحشية التي تعرضت؟ هل تنسي أن أباها و أمها و المجتمع كله قد أجمع يوماً ما علي قتلها فقط ليرضوا العنف المتأًصل في نفوسهم؟ تري هل يأتي اليوم الذي تصير في شابة ناضجة ناجحة تثير إعجاب كل من يعرفها؟ لكم تمنيت أن أري هذا اليوم، و لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. حسبي أني قد حاولت قدر إستطاعتي أن أجعل هذا الحلم قابلاً للتحقيق.
    تري هل تذكرني سارة حين تكبر؟ هل تذكر أن هناك رجلاً حاول يوماً ما أن يراعيها و يحنو عليها و يعطيها الحنان الذي تستحقه و الذي إتحد المجتمع كله لحرمانها منه؟ هل تذكر أنها عاشت في بيت هذا الرجل شهراً كان أجمل أيام حياته؟ هل تصير في يوماً ما أماً رائعة تحكي لأبنائها عن الرجل الذي دخلت حياته فلم تعد حياته مثلما كانت؟
    وعيي يتسرب مني تدريجياً و علي الرغم من هذا لا تتوقف الأفكار في رأسي.
    تري هل تتوقف الألعاب؟ هل يتوقف تيار الدم هذا بقتل صاحب شركة الألعاب و قتل أولئك المشاهدين و قتل رفاييل؟ أتمني أن يثير الأمر تفكير الناس قليلاً، حين يروا أن المشاهدين قد صاروا أيضا ضحية للألعاب. بالتأكيد لن تقوم الألعاب بسهولة من جديد، و حتي إن قامت فلن يكون هذا قبل وقت طويل. ربما بهذا الوقت أمنح فرصة لسارة و من هم مثلها كي يعيشوا الحياة التي يستحقونها. كل يوم لا توجد فيه الألعاب هو يوم يضاف الي حياة إنسان.
    و رفاييل. إن قتل رفاييل لهو شيء لا يستهان به. أنت لا تجد شخصاً يجمع كل هذا الكم من العلم و الذكاء و الشر الصافي الخالص كل يوم. حتي إن قامت الألعاب فلن تجد شخصاً مثل رفاييل بسهولة.
    تري هل يغفر لي الله ما قمت به؟ هل يتجاوز عن القتل الذي قمت به و الدور الذي ساهمت به في الألعاب؟ هل يتقبل الله مني رعايتي لهذه الطفلة الصغيرة و تضحيتي بحياتي من أجلها؟
    الدنيا تظلم من حولي تماماً ووعيي يغيييييييب......



    الآن صار لي هدف أتخيله و أسعي اليه، هو أن أري سارة و قد صارت فتاة ناضجة متميزة. متميزة علي الصعيد الشخصي، الديني، الخلقي و العقلي أيضاً. هي صورة مبهمة ليست محددة الملامح، و لكنه صار هدفاً يملأني بشدة.


    الآن لدي بالفعل حياة جميلة أرغب في أن أعيش كل لحظة منها. لدي هدف أسعي لأن أحققه، و علي أن أقضي ما بقي من عمري في طلب المغفرة من الله لكل ما إرتكبت في من جرائم. الآن صارت كل لحظة في الحياة غالية. فكرة أن أموت في المعركة القادمة تبدو الآن فكرة مرعبة، حتي لو كان إحتمال موتي في المعركة القادمة إحتمالاً ضئيلاً للغاية.


    محمد عادل عبد الرازق
    أبريل 2006







صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. نجاة ربة منزل سعودية من القتل من قبل خادمتها
    بواسطة عنود الامارات في المنتدى المنتدى العام General Forum
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 14-07-30, 04:21 PM
  2. إجماع من «العلمي» و «الأدبي» على سهولة «الإنجليزية»
    بواسطة mahamuwafi في المنتدى المنتدى العام General Forum
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-03-28, 06:51 AM
  3. ~ دعوة للسرقة ~ الإدمان ~ القتل ~
    بواسطة رنا زايد في المنتدى المنتدى العام General Forum
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 12-02-29, 08:36 PM
  4. القبض على لاعب إماراتي شهير بتهمة القتل
    بواسطة حمادي طرر في المنتدى المنتدى العام General Forum
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 08-08-05, 11:41 AM
  5. القتل بالكلام كالقــــــــــــــــــــــــــــــــتل بالرصاصة
    بواسطة وصلاوي وكلي فخر في المنتدى المنتدى العام General Forum
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-08-02, 03:37 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •