1ــ منهج كوداي KODALY
ولد زُلطان كوداي في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 1882 في هنغاريا الوسطى، وتوفي في بودابست في السادس من آذار/ مارس من عام 1967. تخرج من جامعة بودابست في عام 1905، وبدأ مع صديقه المؤلف الموسيقي الهنغاري بيلا بارتوك تعميم نشر الموسيقا التراثية الفلكلورية الهنغارية ولم تكن حتى ذلك الحين قد جُمعت ودُرست دراسة معمقة تليق بها وبمكانتها في هنغاريا. وقد أفاد كوداي من هذه الموسيقا الفلكلورية الهنغارية في مؤلفاته الموسيقية مستلهماً من أشكالها وقوالبها وإيقاعاتها وموضوعاتها اللحنية. وابتداءً من عام 1945 عكف على تصميم منهج تربوي موسيقي ليدرَّس في المدارس الحكومية الهنغارية.
منذ عام 1905 بدأ كوداي مع بيلا بارتوك جولة في بقاع هنغاريا يجمعان خلالها الأغنيات الشعبية الفلكلورية الهنغارية من منابعها. وقد توصلا كلاهما من خلال جولاتهما وما جمعا فيها من تراث شعبي غنائي أن أساس أي ثقافة موسيقية أصيلة إنما يبدأ حصراً من معرفة فلكلور البلد الذي هو نتاج أمة وميراثها وملك أبنائها كافة لا تختص به فئة أو مجموعة أو نخبة.
وبعد أن جمع كوداي مع بارتوك مخزون البلاد من الأغنيات الشعبية عمد إلى تصنيفها ليصنع منها منهجاً تعليمياً موسيقياً تربوياً متماسكاً متدرجاً، أرفقه بتوصيات وتوجيهات وتدريبات غنائية للمراحل المدرسية المختلفة لصوت إفرادي ولصوتين ولثلاثة أصوات وقد أضاف إليها بعضاً من مؤلفاته صاغها على النسق الفلكلوري نفسه والروح نفسها.
وقد خلص كوداي من حصيلة عمله إلى مايلي:
ــ تنمي التربية الموسيقية عند الطفل ملكات ومهارات فنية وذوقية وجمالية وحسية تتصل بشخصيته وتنعكس إيجابياً على أدائه المدرسي التربوي العام.
ــ يجب أن يترافق تعلُّم التلميذ لغة بلاده وتعلّم موسيقاها الشعبية بآنٍ معاً، وتعلُّمه الأغنيات الشعبية التي تتناسب وشريحة عمره. وحبذا لو ترافق تعلُّمه الغناء بحركات جسدية.
ــ يجب أن تبدأ هذه العملية التربوية الموسيقية من الحضانة حصراً، وأي تأخير فيها يُعد وقتاً ضائعاً يفوّت على التلميذ الإفادة المرجوة منها لاحقاً لو تعلمها في شريحة عمرية متقدمة.
ــ ليس بالضرورة أن يقترن تعلم الموسيقا عند التلاميذ بتعلم العزف على آلةٍ موسيقية، فقد يتعذر ذلك، وسيتعذر حتماً، لأسباب عديدة منها ما يتصل باستعدادات التلاميذ الفطرية لذلك، ويتصل بعضها بالإمكانات المادية واللوجستية المتوفرة في المدرسة وفي عائلة الطفل بآنٍ معاً. لهذا كله يُعد الغناء أنجح الوسائل وأقلها تكلفة وهو أساس الثقافة الموسيقية المعمقة القابلة للتطوّر تدريساً وتعلماً.
مبادئ منهج كوداي
انطلق كوداي في منهجه من مبدأ أن الطفل يتعلم لغته الأم قبل أن يتعلم لغة أجنبية وبالتالي على الطفل تعلم موسيقاه الوطنية الشعبية الفلكلورية التراثية قبل أن يتعلم الموسيقا الأجنبية: موسيقا الآخر.
ولا يتوقف الأمر عند كوداي عند هذا الحد، بل إنه يجد أمراً ضرورياً حتمياً أن يبدأ كل موسيقي مثقف بمعرفة موسيقا بلاده معرفة عميقة فهي لغته الأم الموسيقية. من هنا نجد أن منهج كوداي اعتمد على دراسة الفلكلور الهنغاري الفني وتطبيقه وتعلمه، وما دام قد افترض، وهو محق في افتراضه، أن الموسيقا للجميع، والجميع هنا بمعنى للناس أجمعين في شتى مواطنهم الجغرافية، فقد فكر في نظام تربية موسيقية يتوجه إلى العامة، إلى الشريحة الكبيرة في المجتمع، على أساس أن الموسيقا في نظره تهذب نفس الإنسان وتصقلها وتجوّد من أداء الطفل في تحصيله المدرسي التعليمي وتمتن صلته بمدرسته وتجمع الأمة وتوحدها. يتصف منهج كوداي بأنه منهج شامل يتطلب عملاً دؤوباً بطيئاً يمتد سحابة طويلة من الزمن نسبياً: من غناء واستماع وتذوُّق وقراءة نوته وتدريب على كتابتها لتشكل هذه المراحل والعمليات فيما بينها كلاً واحداً.
مبادئ رئيسية في منهج كوداي
أولاً: الإيقاع
استند كوداي في باب الإيقاع في منهجه على بحوث جاك دالكروز (1865ــ1950) في عناصر الإيقاع المختلفة: سرعة الخطو، المشي، ضرب الإيقاع على مستوى المقياس (الميزور) الواحد في المدونة، التصفيق، وهي جميعها
إيقاعات طبيعية يقوم بها الإنسان ويصدرها بنفسه دون اللجوء إلى آلة إيقاعية، يمكن للطفل بعد ذلك تطبيقها بمتعة، بعد أن يتمكن من أدائها، على آلة من الآلات الإيقاعية. ترتبط التدريبات الإيقاعية بالغناء لتكون الفائدة منها أعم وأشمل، وتكون بإشراف المعلم خلال الدرس. وتفرق تطبيقات دالكروز الإيقاعية عن مثيلاتها عند كوداي في أن الأول جعلها بمصاحبة آلة البيانو في حين استغنى كوداي في تطبيقها عن مصاحبة أي آلة موسيقية.
يعتمد كوداي في منهجه على قراءة الإيقاع مقطعياً على النحو التالي:
- سوداء (زمن) تا.
[IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.jpg[/IMG][IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image004.jpg[/IMG][IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image006.jpg[/IMG]- ذات السن (2/1 زمن) تي. ‌‌
- ذات السنين (4/1 زمن) تي ري.
بناءً على ما تقدم نقرأ التمرين الإيقاعي التالي من اليسار إلى اليمين:

[IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image008.gif[/IMG]


ta ti ta-a ti ti ti ta-ï ti ti ta ti ti ri ti ri
في كتاب تمرينات الغناء صنف كوداي العناصر الإيقاعية واللحنية تصنيفاً تصاعدياً. ودرّس الإيقاع للأطفال عن طريق غناء الألحان الهنغارية الشعبية : وقد بدأ بالسوداء ثم بذات السن ثم بالسكتة، ثم بالمقياس 4/2، ثم بالمقياس 4/4، ثم بالمقياس 4/3 ثم بمؤخر النبر (سنكوب) 4/2، ثم بالسوداء المنقوطة أما القيم الإيقاعية الأخرى فقد أخّر تعليمها للأطفال في موضع لاحق.
[IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG][IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image011.jpg[/IMG][IMG]file:///C:/Users/A7MIDA~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image004.jpg[/IMG]ثانياً : السُلّم الخماسي
اقترح كوداي في منهجه التربوي الموسيقي التعليمي البدء بتعليم الأطفال غناء السلّم الخماسي، وسبب ذلك أن الأغنيات الشعبية الهنغارية مبنية في معظمها على هذا السُلّم، وهي تعد في هذا مادةً أصيلة منسجمة فيما بينها انسجام المزاج اللحني والثقافي بآنٍ معاً، الأمر الذي يجعلها مادةً تربوية موسيقية بامتياز للطفل الهنغاري. جمع كوداي مادته الشعبية الفلكلورية هذه وصنّفها تصنيفاً متدرجاً في صعوبته.
ثالثاً: الهارموني
استناداً إلى المادة اللحنية الفلكلورية الغنائية نفسها عمد كوداي إلى تعليم الأطفال الهارموني (توافق الأصوات) انطلاقاً من الجملة اللحنية المغناة وتوافقاتها الهارمونية البسيطة لينقل إلى الطفل الإحساس الهارموني (التوافقي) في الجملة اللحنية المغناة ضمن الأغنية الفلكلورية.
وقد لجأ كوداي في ذلك إلى تقسيم الصف الدرسي إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة تغني علامة من علامات (الأكورد)accord التوافقي: فعلى سبيل المثال في أكورد دو ماجور المؤلف من: دو مي صول، جعل المجموعة الأولى تغني علامة (الدو) والثانية علامة (المي) والثالثة علامة (الصول) بآنٍ معاً لنسمع ثلاث علاماتٍ مؤداةٍ توافقياً. هذا التمرين بالطبع سهل جداً في أدائه ومضمونه الهارموني لكن كوداي انطلق من تمرينات مماثلة متدرجة في صعوبتها أداءً ومضموناً ليعلم الأطفال الغناء بثلاثة أصوات توافقية.
يبقى الاستماع الموّجه أداةًٍ مهمةً جداً لا غنى عنها ليتعلم الأطفال المعلومات النظرية وترسيخها في أذهانهم عن طريق الاستماع والشرح والمحاكاة.
ومن طرق التعليم أن يغني المعلم أمام تلاميذه جملة لحنية بسيطة ويطلب إلى أحد الطلاب أن يرتجل عليها ويطلب إلى آخر الشيء نفسه ويمكن أن تكون تمرينات الارتجال هذه متدرجة في صعوبتها: مادة أولية وطرائق ارتجال تتم جميعها بإشراف المعلم وتوجيهه.
كما يمكن أن تكون التمرينات الارتجالية في مادة الإيقاع انطلاقاً من الإيقاعات البسيطة مقياس 4/2. هذا النوع من التمرينات المدروسة الموجّهة تعلم التلاميذ مفاهيم الانتقال من العلامة الأساسية tonique (الارتكاز) مروراً بالعلامة المسيطرة dominate ثم العودة إلى الارتكاز.كما يتعلم التلميذ منها مفهوم الارتجال المنفرد ومفهوم البناء الموسيقي. وتكتمل الدراسة العملية بالاستماع الموجّه قبل الشروع بالتمارين وبعدها.

د. نبيــل اللــو